الحديث عن دولة اللاقرار، والتي دومًا تصطدم بمفهوم التوازن المرضي، بل خفض وتيرة العنف والوصول إلى وضع متزن يجمع كل الأطراف في اليمن، وذلك بإحلال العقل بدلًا عن القوة. لنفصل أكثر، ومعها يتضح لب العنوان كحقيقة الجيش الوطني أو النخب السياسية، وتنوع صناعة القرار داخل اليمن، ومعها تمارس ذات الأمور المنتهكة للسيادة، لكن الواقع بأنه تدخل يمس السيادة اليمنية من دول الخليج، والذي لايبررهُ التأثير الإيراني في المشهد اليمني. الاستراتيجيات السياسية والتي تستلزم دائمًا (موازنة القوة بالقوة) غدت ضرورية بسبب (الصفة الطالحة في الإنسان، ولولا اختلاف طبائع البشر، لما كانت هناك حاجة لسيطرة سياسية).

إنشاء سياسة واقتصاد ودولة ذات فحوى ومضمون هي ما يلزمنا لندير بها شعبنا اليمني، فالسلطة يمكن تنضيمها ضمن نظام الحكم، لكن الجشع والظلم والاستحواذ والإقصاء تمثل جزء جذريا في مؤسسات الحكم، بل مسلم به في يمننا، وهنا تأتي مرحلة التغيير كقرار واقعي لابد وأن يتم اتخاذه. لكل دولة ذات جهات حكومية مجاميع أخرى تنعت بأنها جهة رقابية وجهة محاسبة، لكن قد يختل هذا النظام بسبب الصراع على القوة والثروة والنفوذ.

(في عالم يعتد بالقوة، لا ينبغي لأي شعب يسير وفق سياسة عقلانية أن يختار بين التخلي عن القوة وطلبها، وأن تمكن شعبا من أن يختار، لأن شهوة السلطة لدى الأفراد ستبقى تواجهنا بنقائضها الأخلاقية الأقل إثارة، ولكن ليست الأقل إلحاحًا وغياب التنافس الحر).

يطرح سؤال منطقي: هل دوام وحدة اليمن يوجب على الدولة فرض إرادتها بالقوة؟!

 أليس المتوجب السيطرة على أسباب الصراع؟ لابد وأن تنشأ الدولة في اليمن، كما ينبغي لها أن تكون في الجنوب و/أو الساحل اليمني بشكل عام. بمعنى أن تكون قراراتها مقبولة في الجنوب الساحلي أكثر من الشمال، وهذا ما يجعلها تفرض سيطرتها على الجنوب اليمني، وذلك بتقليل كل الأفعال التي تجعل الجنوب متمرد، ويشعر بأن الدولة لا تمثل مصالحهُ، وهذا ما تحققها الفيدرالية، بالإضافة إلى اعتماد عدن عاصمة لكل اليمنيين.

سيظل خلق الرفاهية للمواطنين هو المحدد لنجاعة إرادة الدولة المستقبلية، وهذا ما يجعل الأفضلية للوطنية في ظل بلد موحد، وتلك لن تتحقق إلا بحدوث توازن للقوى داخل اليمن فيما بينها ومع محيطها الخارجي.

 لابد من تعزيز كل أساليب القوة التي تقوي الداخل اليمن ضد محيطهِ الخارجي.

أين الخلل في اليمن مع دخول عام 2018؟

سحق السيادة يعد أكبر خلل في اليمن؛ لأنه يُعنى به استمرار الوصاية الخليجية، ومعه عودة لوبي الدولة العميقة في عدن ومأرب وتعز بقيادة الجنرال العسكري، بل الكارثة استفراد ما يسمى (الأمن الوقائي) بحياة الشعب في مناطق سلطة الأمر الواقع في صنعاء. ومعها تصبح صناعة قرار الأحزاب في اليمن تؤرق اليمنيين كونها تدار من الأعلى، وليس القاعدة الشعبية، وكل ما سبق يخلق مسارا موازيا للتنظيمات الإرهابية والجماعات المليشياوية المسلحة، وتظل معاناة الشعب اليمني أهم عنوان يقدم في جنبات هذا الكلام.

لذا توجب تفصيل كل ما سبق بتوضيح أكثر.

فعدد عناصر الأمن الوقائي في العاصمة صنعاء تجاوزوا سبعة آلاف عنصر بعدما كانوا ثلاثة آلاف فقط؛ ليحكموا القبضة على جميع المؤسسات التنفيذية والعسكرية، وكذلك القضائية، وكل متنفسات الشعب الديمقراطية. وفي المقابل عاد الجنرال العسكري ليحشد أدوات الدولة المعيقة والعميقة في ذات الوقت، فضلًا عن تخليق لوبي جديد يعتمد على بنان المؤسسة العسكرية والإغراءات المالية وشراء الولاءات، وما نسميها سياسة مصالح  الطبقة الحاكمة، أو التي تعد امتدادا للحكم والتنفذ، ولتدخل معها الوطنية في اليمن حالة موت سريري.

 يظل خلل الأولويات وميزانية الدولة أمتداد لخلل العدالة والمساواة؟ بالفعل خلل دولة داخل دولة، وهذا ما يحدث في الشمال، في حين السيادة المحكومة من قبل دول الخليج تعد جزء يقابلها جزء آخر لا يقل شأنا، وهو لوبي الجنرال العسكري.

هل هناك ضغوط على الدولة في اليمن؟

الدبوماسية العلنية نحو اليمن لا تشكل بندا واقعيا، بل تواجد مجرد من أهداف معلنة تم تحقيقها، فيحين كل الأهداف غير المعلنة هي الطافية على السطح.

لذلك، فما هي الأطراف التي تستفيد من خلل وضعف الدولة اليمنية؟

أحزاب التحكم والتي لاتريد إلا ترتيب البيت اليمني وفق أجندتها، وسياستها التي تغذي دولة اللاقرار، فهي لا تكترث لهكذا واقع. وكذلك غياب الفوضى السلمية، والتي يفضل أن تشكل مسرح الصراع في اليمن، فهي الأخرى لم تعد موجودة لتغلب عليها الفوضى العنيفة. وفوق ذاك وذاك فالحسابات العقلانية، والتي لابد أن تنسجم مع رغبات الشعب اليمني في تهامة والجنوب ومأرب وتعز، غير متاحة. ليس هذا فحسب، فالسلاح خارج الدولة باقِ ومعه خلل التوازن الداخلي وغياب دولة المؤسسات التي تنقاد للنظام والقانون.

وكل ما سبق  يجعلنا نتحقق من الحقيقة التالية، وهي: ما شكل الاستبداد القادم في اليمن؟

كان الاستبداد الملكي والسلطاني حاضرا قبل الوحدة اليمنية، لكن الاستبداد الجمهوري طغى على المشهد اليمني بعد الوحدة حتى سنة 2011م، ومعه خلق استبداد مواز يومنا هذا، والمعروف بالديني، لكن مستقبل اليمن يتحدث عن استبداد الجماعات المسلحة أو الديكتاتوريات القمعية العسكرية التي تسوق نفسها بسياسة الأمر الواقع وتحت مظلة الاستبداد الجمهوري والديني في ذات الوقت، وهذا يتنافى مع الحكومة المدنية التي تعد المنصب العسكري والأمني والديني منصبا سياسيا في خضم المناصب المدنية، بل واحدا من  كل.

الاستبداد في اليمن يقف عائق أمام خطط التنمية المكانية، بل يحول نحو هكذا وجه صحيح، فهو يقف ضد التنمية الاقتصادية بوأد التنمية الجغرافية والبشرية في آن واحد.

إذا علمنا بأن البعد المكاني في اليمن تجاوز المدن والمحافظات نحو الأقاليم والساحل اليمني (اليمن الجديد)، حيث يعد بعدا زمانيا طويلا في مجالات الزراعة والصناعة والخدمات والمشاريع الاستراتيجية، وبعيدًا كل البعد عن الجبل، والبعد الزماني القصير، وهذا لا يتحقق إلا بوجود عدالة اجتماعية.

تختصر الحكاية بأن اليمن تحتاج إلى تغيير التنمية الجغرافية لتنجح معها التنمية البشرية، والتي فشلت بسبب ثقافة السلاح والإقصاء والمركزية المفرطة. بالفعل، فعدالة اجتماعية وتنمية مكانية وتنمية بشرية يمكن إنجازها في اليمن وفق إعادة توزيع السكان بناء استراتيجية اللامركز، وهذا ما يحتاجه اليمن، أي تنمية نظام الحكم في المحصلة.

أكبر خلل في اليمن هو وجود مناطق تنموية واستراتيجية في المخططات والأفلام الترويجية محكومة القرار، وغيابها في الواقع، وتوسع دائرة خلل التركيبة السكانية المؤثرة في صناعة القرار السيادي لليمن لصالح دولة اللاقرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الإنسان والدولة والحرب..تحليل نظري تأليف: كينيث . ن. والتز
آليات التنمية المكانية بين النظرية والتطبيق لمصطفى جليل إبراهيم
عرض التعليقات
تحميل المزيد