إن حراجة الموقف الأخلاقي الضاغط على النُّخَب الثقافية والسياسية على السواء، صيَّرها إلى توافق عملي، وفاعلية مساوية، حتى أصبح المثقف مرآة السياسي والسياسي مرآة المثقف، والمعارك الشعورية على مواقع التواصل الاجتماعي ليست من قبيل الفاعلية المطلوبة، في ظرفٍ قاسٍ كهذا يمر به الوطن والشعب، وإنما هي في حقيقة الأمر فاعلية تنفيسية، أقرب إلى تسجيل موقف منها إلى فعل سياسي أو ثقاقي صادق، فكان الافتضاح جماعيًا كما الاصطلاح، ولئن تكن السياسة قدر السياسي المهين، راهنيةً وتاريخًا؛ فليس من شأن السياسة والتاريخ ولا ينبغي لهما أن يجعلا من المثقف نفسية صغيرة كنفسية السياسي، فحسابات الأخير ليست كحسابات الأول، ذلك أن المشتركات بينهما قليلة، والمسؤوليات مختلفة، والفارق الوحيد قدرة المثقف على سدّ الفراغ السياسي، بخلاف السياسي الذي يعجز في الغالب عن سد ثغرة الفراغ الثقافي.

إن منطق الأشياء يدفع بالنخب إلى التفكير الجمعي، والتنازل عن سلم الأنا، على فرض وجود نخبٍ تعي معنى وجودها في لحظة التغيير والتثوير، وواقعية ما عليه الحال من دموعٍ وآمال ونقطة الارتكاز هنا ثورة النُّخب لا تنظيراتها الباردة، وانفعالاتها المتهافتة، وضيق عطنها بالآخر، وتعاليها الفجّ المستقذر. وإنّي لأتساءل والأسى يملأ نفسي عن القيمة؟

أعني قيمة ما نكتب، قيمة ما نعرف، قيمة ما ندرك، هل تجاوزنا بهذه القيمة حدود العبارات الرنانة، والمحسنات اللفظية، والاستدلالت النمطية، والتفاخر بذواتنا، كصاحب السيرك وكصاحبة الكعب بينما الجمهور يصفق ويطرب؟

انظروا أيها السادة إلى من يفترض بهم أن يكونوا نخبة، انظروا إلى ما يكتبون؟

هل ترون سوى إثبات حضورهم الشخصي على واجهة المشهد، شهودًا على وطنٍ يتهاوى لا أطرافًا تنتمي إليه، إلى الإنسان بالمعنى التغييري لا التعبيري، إلى الدور الجسور والثقافة النذير؟.

ها هم دونكم يرغون ويزبدون ويبرقون ويرعدون، ويدلون بآرائهم في النقير والقطمير، لأنهم وجدوا مكانًا للكتابة، واتباعًا للتصفيق والتصفير، ولكم أن تتخيلوا انعدام ما يكتبون عليه وعنه، هل لهم من دور؟

لا صلة لي بالمزايدات ولا من هدفي انتقاص هذا أو ذاك، ولكنها دعوةٌ للتأمل في حال أقدارنا اليمنية، ومن تلك الأقدار تلكم النخبة التي يشعل بعضها لبعض البخاخير، ويصنع بعضها لبعض الشفار ويعمل الطعان، حالها كحال العوام مع الفارق في ديباجة السباب والشتائم وتراكيب الألقاب. فعلامَ إذًا التندُّر بعبد الملك الحوثي ساعةً وبعبد ربه منصور ساعةً أخرى، وما اختلاف المتندِّر عن المتندَّر عنه إذا ما كان كلاهما مسخرة الآخر، وكلاهما ثاويًا في مكانه، وقِزم في تحمل مسؤولياته.

لا حق لأحد أن يذُّم أحد حتى يتجاوز شروطه المرسومة بخوف المصلحة، فحين يغدو المثقف في بناء الصف متجاوزًا الكتاب المطروح على المنضدة، والكلمات المكرورة حيال المعركة، عندها له حق القول بموجب حق الفعل، وكذا الحال في شأن السياسي، فالكذب بضاعة لا تدوم، واللعنة تطال جميع الأطراف، والحقيقة الواضحة الآن، هي أن جميع أولئك يستحقونها.

يُحدثنا التاريخ عن ثورة القراءّ بقيادة ابن الأشعث في وجه الطاغية الحجاج الثقفي، كما يُحدثنا عن الإمام ابن تيمية وجهاده ضد التتار، وكذا العز بن عبد السلام في ذي قار، والكثير من النخب التي ذادت بقلم الكاتب ولسان الأديب ورماح المقاتل، ولم تُأطِّر نفسها للوعظ على المنابر فحسب، أو بالكتابة على جدران الصحف ومواقع التواصل، وكي لا يلتبس على القارئ العزيز مقالي، فالمراد ثورة وعي وخندق واحد وغاية واحدة منشودة، وليس حمل السلاح وتكريس ثقافة الموت في مجتمعٍ تُدك أرواح قاطنيه بكافة أنواع الموت، كما لو أن للموت ترسانة من الأسلحة المختلفة والأرواح أمامها مجرد حاصل للإزهاق، ولأن الواقع ليس تيميًا بما يكفي، ولا عزيزًا، فلتكن العزة للرأي والشجاعة للميدان، وما نبحث عنه ههنا هو عزة الرأي الجامع لأطراف اختلطت عليها مسام الرسالة وجلدها، حتى بان العظم عاريًا دون لحمة من عفاف.

إن السياسة في يمننا أصبحت كالحمام الذي انقطع عنه الماء، وإن ساستها أقل حياءً من القطط التي تدفن ما يخرج منها بالتراب، وإن الانتظار قبالة هذه السياسة وأولئك الساسة لمشين في حق من ينتظر، وهل يمكث النبيه متأملًا عرف البخور وريحان العطر في ذلك الموضع مالم يكن مجنونًا، أو ساذجًا أو عديم مسؤولية، ولعل الأخير أقرب إلى حال نخبٍ استمرأت الكتابة لأجل الكتابة، والشهرة لأجل الشهرة، والمصلحة لأجل المصلحة، أما الجُبن فمسرح الكاتب والأديب والمفكر اليمني، ذلك أن في قلبه الكثير من الكسور، أكبرها كسره الأخلاقي وطموحه القليل، وفقره، وافتقاره للنظر إلى بعيد، والفقر هنا حقيقة وخلافه عنده، ولكن ما الفقر؟

رؤية مكرسة، وقراءة واحدة للدماغ، وما الأخلاق؟ رغبة في الانكفاء، وخشية من الظهور الصاخب، وما الجُبن؟

حسابات خاصة لمصالح واضحة بالنسبة للغير وغير واضحة، أساسها لماذا أتقحم وغيري راكد، ولماذا أتجشم وأنا راض عن ما وصلت إليه وما سأصل، وما الطموح؟

مغالبة النفس، وفي هذا ما يعجزها، والمجهول أخطر عليه من المغالبة، وما الافتقار؟

الارتهان إلى الأحداث، والتعليق عليها، أو الصمت عنها.

ليست اليمن ملاذًا للموت الهارب من حياة الرفاهية، ولا مقبرة للغزاة وأهلها هم الضحية، ولكنه معاقل علم ومهاجر معرفة، ونصرة للمظلوم وحكمة بالغة وإيمانٌ راسخ، بهذه الخصال تنتفض الحياة وتبقى، ويموت الموت ذاته بيد قاتله، وبدون تلك الخصال يبقى الحال، ونحن المتفرجون على أشلاء أبنائنا واندكاك وطننا، ونحن المسؤولون، وليس فقط الأقل حياء من القطط، وليسأل كل ذي راعٍ راعيه، وكل ذي كتابٍ كتابه، وكل ذي وعيٍ وعيه، ماذا قدم؟ وماذا صنع حيال ما يبكي على أطلاله ويبكيه؟ إنه يعمل على أن يُرى هو لا أن يُرى وطنه، إنه يسعى إلى الداخل، لا إلى الخارج، إلى نقصه وضآلته وضعفه.

وليسأل أيضًا: ماذا تصنع النخبة في وضعٍ غير طبيعي، وماذا تصنع في وضعٍ طبيعي؟

وهل أجيب على سؤالٍ بإسهاب وهناك ما يمكن اختصاره بمعادلة بسيطة هي: «النخب الطبيعية + وضعٍ ليس طبيعي = نخبٌ ليست طبيعية».

إنها بحاجة إلى إعادة تقييم شاملة لأن الذي أصابها غير يسير، فإما أن تكون قد أصيبت بيولوجيا قبل ذلك الوضع أو بعده، أو سيكولوجيا، أو أن مصابها أكبر، ولا مصاب أكبر من الأيديولوجيا، فإن لم تكن إحداهن أو جميعهن، ففي ما ذكرنا آنفًا من متلازمة القلب المكسور جواب، وهي حالة طبية ثاتبة علميًا، والإجابة على شقّ السؤال؛ تتمثل في الإسم الباعث على المسمى، فالكاتب يُلقي بالمعرفة إلى من دونه، والواعظ يرقق من غلظ الخاطر وفتور العاطفة.

إن اجتماع الرأي عند العوام أيسر من اجتماعه عند النخب، وذلك أن النخب تقدم نفسها لا رأيها، وتنظر في كراسها لا في قضيتها، وهذه معيَبة الجدير تجاوزها، ولا يكون التجاوز إلا بالصدق، والصدق في هذا الوسط شحيح وكل وسط؛ إلا من رحم، ولكن القضية الصادقة يتوب على أيديها الكذبة، كما يتوب الملح إلى البحر، ويتوب العذب إلى النهر، والتوب هنا الرجوع إلى الأصل، أو المتعارف في الأصل، ولا محيص؛ فإما العِذار للنخب، وإما العار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد