لقد مَثّلتْ أخطاء السُلطة، ومن ورائها الدور العربي الخليجي، في إدارة المشهد السياسي، والأمني، والعسكري، في اليمن، واحتكار صناعة القرارات؛ معضلة كبرى في استعادة الدولة بعد انقلاب 21 سبتمبر 2014.

حيث تم حرمان شريحة كبرى من موظفي الدولة، من الأجور، والمرتبات؛ ما ترتب على ذلك إفراغ مؤسسات الدولة المدنية، والعسكرية، والأمنية، من الرجال الوطنيين، والتي كانت ستوقف توغل مليشيا الحوثي، في ذات المؤسسات، أو تكبح جماح تحركاتها.

كذلك إعلان قائمة الأربعين من مطلوبي التحالف العربي؛ عجّل من جعل جماعة الحوثي، تتخذ قرار التخلص من الرئيس الراحل «علي عبد الله صالح»؛ نظرًا لأنه الوحيد ورجاله، من كانوا مكلفين بالقبض على مطلوبي قائمة الأربعين، في ذات توقيت الإعلان.

الخطوات غير الحصيفة، التي يقوم بها المجلس الانتقالي الجنوبي، ومنها اعتراض مسار انعقاد السلطة التشريعية في عدن، تعد خرقًا للبنة وشرعية التحالف العربي، الداعم للسلطة الشرعية، في اليمن، ومساره باعتباره مكونًا يمنيًا، تم بناؤه بموجب السلطة الشرعية.

والحديث عن المجلس الانتقالي الجنوبي؛ فالمجلس الانتقالي الجنوبي يفترض به، دعم انعقاد البرلمان اليمني، وتوفير كل إمكانية انعقاده، كوْن ذلك يمهد إما لسحب الثقة عن الحكومة الشرعية، الممثلة بالدكتور «أحمد عبيد بن دغر»، أو تجيش البرلمان نحو منح المجلس الانتقالي الجنوبي، الوصاية على الجنوب، بأي صورة يتقبلها كامل اليمنيين.

بمعنى أدق؛ إذا كان الخلاف ما بين المجلس الانتقالي الجنوبي، والحكومة الشرعية؛ فلا بد بأن يدفع رئيسه الجنرال «عيدروس الزبيدي» بالبرلمان اليمني، لينعقد في «عدن» العاصمة، بل يحتوي جميع كتله السياسية، في هذا التوقيت الهام؛ ليسحب الثقة عن الحكومة، أو يقايض البرلمان، بأن يمنحه تفويضًا لإدارة الشأن الجنوبي، مقابل بقاء حكومة الدكتور «أحمد عبيد بن دغر»، والتي فشلت في إدارة اليمن باعتبارها حكومة حرب، ولم تعد محل ثقة كل اليمنيين.

1- الجوع

لم تعد حكومة الدكتور «أحمد عبيد بن دغر» هي حكومة حرب، وذلك بعد وصول ألوية الحرس الرئاسي، ومختلف قطاعات الجيش، وكذلك وحدات قوات الأمن الخاصة، إلى هذا المستوى الرائع، من الجاهزية القتالية، والتدريبية، بقدر ما تعد حكومة لإشباع الجوعى، ودفع الأجور، والمرتبات، في المدن المحررة، والأهم غير المحررة، والتي متوقع خرقها عبر استراتيجية تقطيع الأفعى.

بالفعل «صنعاء، وذمار، وصعدة» مشمولة بملف إشباع الجوعى؛ لأنها عمّا قريب ستحمل ملفًا آخر، مُثخنًا بالجراح؛ وهو النزوح الجماعي، مع تقدم قوات السلطة الشرعية، إلى معاقل مليشيا الحوثي المتمردة.

2- الأفعى

القوة الغاشمة مصطلح أطلقه القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية الرئيس «عبد الفتاح السيسي»، ليقابله مصطلحًا آخر أطلقه الرئيس الراحل «علي عبد الله صالح» فيما نص على: «دمروا كل شيء يعترض طريقكم»؛ ومن هذا المنطلق، فسير العمليات العسكرية يعتمد على هذه العقيدة العسكرية؛ لمواجهة المد المليشاوي الإرهابي الحوثي في اليمن.

«تقطيع الحية، أو الأفعى، أو الثعبان»؛ يعد حديث اليوم في كامل أروقة، وحدات وقطاعات الجيش اليمني، الموالي للسلطة الشرعية؛ فمحافظة «الجوف» تعد محورًا استراتيجيًا في معارك تقطيع الأفعى، عبر قطاع «الجوف» مديرية «برط العنان» حدود «صعدة»؛ نظرًا لأنها تخترق مديريتي «الحشوة، والصفراء» في «صعدة»، لكن هناك مقطعًا آخر للجوف عبر «الحزم بالجوف»، وطريق «بني الحارث برمان– البكول»، ويختصر طريقًا أرحب بـ«حزم الجوف» عبر طريق «ذيفان -ريدة – صعدة».

بمعنى أدق؛ وأنت تغادر «صنعاء» من مديرية «همدان» عبر «ضروان»، فإما تتجه صوب طريق محافظة «عمران»، وإما تتجه صوب طريق محافظة «صعدة»، وهذا الخط الذي يربط «صعدة» بـ«صنعاء»، بدون الولوج باتجاه مدينة «عمران» مباشرة؛ هو المسرح الثاني لتقطيع الأفعى. وهذا القطاع يوفر موقعًا لعزل «صعدة» عن «صنعاء»، بكل حنكة عسكرية.

تشريح الأفعى الحوثية يفرض علينا تقطيعها، عبر محافظة «الجوف»، لكن هناك موقعًا آخر في محافظة «البيضاء»، وهذا عبر خط يصل مديرية «ناطع» نحو «السوادية»؛ وذلك يمهد لإسقاط الطريق الرابط لمدينة «رداع» بمدينة «ذمار»، بينما مديريات «القريشية ولد ربيع العرش» مقطعًا ثانيًا نحو «رداع»؛ ومن ثم التوغل في «عنس»، وقطع الخط الإسفلتي الرابط «ذمار» بـ«إب».

يتضح من كل ما سبق بأن التركيز استراتيجيًا على عزل «صعدة» عن «صنعاء»، وكذلك عزل «ذمار» عن «إب»، في حين سيتكفل الطيران الحربي بعزل «صنعاء» عن «ذمار»؛ عبر استهداف طريق «نقيل»، وممر يسلح عبر استهداف الخطين الإسفلتيين، الصاعد والنازل في اتجاهين متقابلين، لكن على منحدرين جبلين مختلفين.

تجدر الإشارة إلى أن «نقيل السياني»، خط «النجد الأحمر»، في محافظة «إب» اليمنية؛ يعد أخطر طريق إمداد لتعزيزات القوات الحوثية، نحو «تعز، ولحج»، وكذلك نحو الساحل الغربي، وتعرض هذا الطريق لغارات جوية عنيفة، تخرجه عن الجاهزية، وسيربك تقدم قوات وتعزيزات، المليشيا الحوثية المتمردة، وكذلك عملية تبادل الأفراد التي مكثت لأشهر في خطوط التماس، ما يعني بأن استحداث طرق بديلة لهذا الطريق؛ سيعرض قوات الحوثي لكمائن محكمة، وقاتلة تندرج ضمن استراتيجية تقطيع الأفعى. بالفعل تدمير «نقيل السياني» «النجد الأحمر»؛ يعني بأنك عزلت محافظة «إب» عن «تعز».

في المقابل فتدمير «نقيل يسلح» الذي يعد امتدادًا إداريًا
لمديرية «جهران» بـ«ذمار»؛ سيكون ضربة قاتلة لقطع، وعزل «صنعاء» عن «ذمار»، وإن تم
استحداث طريق بديل، فذلك سيكلف مليشيا الحوثي ثمنًا باهظًا؛ نظرًا لأنها ستضطر
للعبور من طُرق فرعية، جوار قبائل «سنحان»، و«بني بهلول»، التي تناصب العداء
الشديد لقوات الحوثي، ولن تتردد في نصب الكمائن؛ أي قبائل «سنحان»، و«بني بهلول»؛ لتجعل
الطُرق البديلة هي طُرق الموت القاتلة، والتي لن تمتلك حيالها مليشيا الحوثي، أي
خيار سوى التراجع، أو الانتحار.

لا بد هنا أن نشير إلى طريق آخر؛ وهو طريق «نقيل سمارة»، وهو شبيه بالأفعى، والقيام بعمل عسكري من الجو في هذا الموقع الاستراتيجي، سيتم بموجبه عزل معسكرات التجنيد الحوثية، المتواجدة في مدينة «يريم» و«ذمار»؛ لتتوقف عن إسناد قوات الحوثي، في مدينة «إب» الخضراء.

الأهمية الاستراتيجية لهذا الطريق المسمى «نقيل سمارة»، أو المسمى «الأفعى»، كونه يربط قوات الحوثي في الشمال، مع قوات الحوثي في الجنوب.

ما يخص معارك «صنعاء، ومأرب، وشبوة، والحديدة، وميدي، وتعز»؛ فهدفها فقط، وقف منافذ التهريب للسلاح؛ وبالتالي كلما اتجهت المليشيا صوب «الساحل الغربي، والجنوبي الغربي، أو شبوة، أو حتى ساحل ريف تعز»، فهي تغرق في الرمال، وذلك يجعل تقطيعها عبر «الجوف»، و«البيضاء» أكثر نجاحًا.

هذا المسرح العسكري يُدار بدون حاجة لإشراف حكومي، ويُدار بشراكة من قادة الجيوش، وقيادة التحالف العربي لدعم الشرعية.

ما يعني بأن المليشيا الحوثية المتمردة تراهن على سحب تركيز الجيش عن «صعدة، وذمار»، بواسطة تكثيف معارك «تعز، والحديدة، وشبوة، وميدي»؛ وهذا العمل تكتيكي، ولكن استراتيجيًا، يجعلها واقعة تحت تقطيع مدروس، وقاتل لا يمكنها من الحركة، بمرور الوقت.

1- المسلخ

يعد هنا تجنيد العملاء الشرعيين، في مناطق العمل غير العسكرية، وغير المحررة، متاحًا جدًا، ومتوافرًا لعدة اعتبارات، لا سيما بعد كل الجرائم التي ارتكبتها مليشيا الحوثي، بقطاع شامل من اليمنيين.

ولتقريب هذه فكرة؛ فقد كانت فكرة عدم دفع الأجور، والمرتبات، تصب في صالح مليشيا الحوثي؛ حيث بموجب ذلك، تم تحييد عدد كبير من أفراد قطاعات الأمن، والجيش، والمؤسسات المدنية؛ ليفسر هذا سبب عدم وجود انتفاضة مجتمعية، وتلك ما توهمه ساسة هذه الاستراتيجية الخرقاء؛ أي أن انعدام الأجور والمرتبات سيقود للعكس، والحديث عن انتفاضة شعبية.

ما حدث بأن جعلت كل من كان يحيط بالرئيس الراحل «علي عبد الله صالح» يتخلى عنه، عندما بدأ بمشروع انتفاضة صنعاء؛ لتتضح الفكرة بأن عودة النشاط الفاعل، والإجهاز على الأفعى؛ متاحًا لكل منتسبي المؤسسات المدنية، والعسكرية، لكنه مرهون بعودة الأجور، بشكل منتظم، ما يعطي القوة لقطاعات واسعة من الشعب في دحر ناعم للمليشيا.

بعبارات أخرى، وعلى أقل تقدير للموقف، سيسهم الجميع في إيصال جرائم المليشيا وتوثيقها، نظرًا لعودة رجال الدولة في كامل المؤسسات، التي شُلت بعد انقطاع الأجور والمرتبات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

قواعد في الممارسة السياسية
عرض التعليقات
تحميل المزيد