امتلأت كتب التاريخ بشخصيات سياسية عاشت في دول خلال فترات الأزمات والحروب، لكنها تمكنت بحنكتها من إعادة الاستقرار لهذه الدول أو التأسيس لدول جديدة على أنقاض الأنظمة المتهالكة أو الحروب. لم تكن الطريق ممهدة لهؤلاء، لكنهم امتلكوا المهارات السياسية التي انتصروا بها على خصومهم. تدهورت الأوضاع في اليمن على مدى السنوات الأخيرة حتى آلت إلى ما هي عليه الآن لما افتقدته الطبقة السياسية من وجود شخصية سياسية قيادية محنكة. بل إن الواقع أن ممارسات الشرعية زادت الطين بلة عوضًا عن أن تصحح الوضع، فمنذ تولي الشرعية اليمنية السلطة في اليمن تجلى فقدان رجالاتها السياسة الحكيمة؛ مما أضعف من سلطتها وقوى من نفوذ خصومها.

تتسم قرارات وتصرفات الشرعية اليمنية بالضعف، تقديم التنازلات، غياب الرؤية وتوقع العواقب. ينطبق هذا على كل معظم ما تقوم به من أبسط القرارات إلى أكثرها مصيرية. ففي بداية عهدها تعاملت بكل تساهل مع رجالات النظام السابق وقدمت لهم التنازلات، بدلًا عن الصفقات التي تهدف لتفكيك نفوذهم وسلطتهم على أجهزة الدولة. هذا الخطأ جعل من النظام السابق المسيطر الحقيقي على مفاصل الدولة وجزًا من الحكومة، وفي الوقت ذاته قادرًا على ارتداء ثوب المعارضة ليعرقل جهود الإصلاح، ثم يكلل جهوده بأن يكون الشريك في الانقلاب على الحكومة. لم يكن صعبًا على أي متابعِ بسيط ِأن يستنبط مما كان يصدر حينها من النظام السابق أنه ينوي أن يقوم بما قام به، لكن رجال السلطة كانوا إما أبسط رؤية من المتوقع البسيط أو قليلي حيلة لا يملكون القدرة على المناورة السياسية. اتسمت سياسة الشرعية اليمنية تجاه الحوثي بتجاهل خطره و التظاهر بتطبيع الحياة في المدن التي كان الحوثي يبتلعها ودأبت على تقديم التنازلات تحت ذرائع التوافق والشراكة. لو امتلكت الشرعية من البداية قليلًا من الإدراك بالعواقب والحيلة لما وجدت الحوثي يطارد قيادتها ويهجرهم دون حول لها ولا قوة. وفي فصلها الحالي وغالبًا الأخير استجلبت الشرعية قوى إقليمية لتقف معها في حربها ضد الحوثي لتصحح خطيئتها الأولى بكارثة. لم تضع الشرعية في حساباتها عواقب وجود أطماع لهذه القوى فضلًا عن محاولة كشف مكنون أطماع هذه الدول في اليمن وهو ما كان ولم تحتفظ لنفسها بوسائل تؤمن بها نفسها. هذه الأخطاء جعلت من الشرعية واهية كخيوط العنكبوت على مدخل كهف مظلم اسمه اليمن.

إن القدرة على اختيار الأشخاص المناسبين والتمييز بين العدو والحليف هي من أهم صفات القيادة السياسية. الشخص المناسب يجب على الأقل أن يكون مواليًا للجهة التي تعمل لأجلها وليست مستغلةً لها. فشلت الشرعية في الحفاظ تلي المصلحة الوطنية باختيارها رجالًا غاب عنهم الوفاء والمؤهلات وهي في هذا لم تختلف عن أي نظام حكم اليمن في تاريخه الحديث، لكن فشلها في تمحيص الرجال ومعرفة من يعمل لصالحها أو ضدها، فعلى مدى السنوات التي قضتها في حكم اليمن ، نجد أن ألد خصوم الشرعية كانوا ممن تقعدوا مناصب في الشرعية قبل أن يرحلوا عنها ويظهروا بعداوتهم لها، وقد اكتسبوا المال والسلطة مما يعنيهم في خصومتهم. لم يكن ما آلت سلطة الشرعية من تآكل بسبب الحوثي والتحالف ليحدث لو أحسنت التمييز في مآربهما، ولم نترك باب التهامها والتهام البلد مفتوحًا لكليهما.

لم يصل الفساد في اليمن عبر العقود الماضية إلى الحال الذي وصل إليه هذه الأيام فقد تجاوزت فيه الأطراف ما كان في عهد النظام السابق من فساد. لا تعمل الشرعية على الاستفادة من الموارد المالية الشحيحة للدولة في التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية في اليمن كون معظم هذه الأموال يتم تبديدها على مصالح القائمين عليها. إن الفساد لا يقتصر على الفساد الإداري الذي اعتاد عليه اليمنيون في استيلاء المسؤولين على جزء من الموارد في ظل وجود تنمية فالفساد الحالي لا يترك اي شيء للتنيمة أو للمواطن، رغم فاقته وحاجته لأي شيء.

كذلك في ظل غياب أي شكل للمحاسبة في ظل الحرب و سهولة لوم الطرف الآخر بالفساد، أصبح ذوو النفوذ قادرين على جباية الأموال بطرق غير قانونية دون خلق مبررات أو حاجة لإيجاد غطاء لهذه الأعمال. إن العقلية المسيطرة أقرب ما تكون للرغبة في جمع أكبر قدر من الأموال في أقصر وقت ممكن ليأمنوا بها مستقبلهم قبل أن تضع الحرب أوزارها أو يستغنى عنهم. لم تغب هذه الظاهرة عن أية دولة في زمن الحرب، لكنها لا يجدر أن تصدر عن حكومة تؤكد ليل نهار على شرعيتها، وكونها الحافظ لمصالح المواطن الذي صار يصنف الأتعس على الكوكب.

إن حال الشرعية اليمنية مماثل لحال حكومات في الدول العربية أزمنة الانتداب البريطاني أو الفرنسي، بل أسوأ. فهي حكومة مهجرة فقدت بسبب أخطاء رجالاتها السلطة والسيطرة وحرية اتخاذ القرار وشعبيتها بعهد أن فقدت وجودها على الأرض. إن حاضر اليمن قد دمر بسبب ممارسات جيل السياسيين الحالي، لذا لابد من ألا يورث أتباعهم خيوط اللعبة السياسية في اليمن، وأن يتقلد هذه المسؤولية جيل جديد يكون كل من فيه رجالًا راشدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد