لقد مثل تداخل الصراع ما بين السعودية، وقطر، والإمارات، وإيران كارثة حلت باليمن، ولم ينقصها إلا فشل مراكز القوى والدولة العميقة في إدارة اليمن، منذ ثلاثة عقود، بل عمالتها وارتهانها لمفاعيل تداخلات الصراعات المسرودة. اكتمل هكذا صراع باستهداف التنمية والإنسان؛ ليكون حديث الأمس واليوم، أن مشاريعها تقوم على إنهاك الأرض والبشر، وإدخالها في دوامة صراع وأزمات لا تنتهي. لتصبح لدينا دولة فاشلة، أو لا دولة بتعبير أكثر دقة.

تغيير نظام الحكم في الجمهورية اليمنية، يُعنى به علم وعمل، يقابله نظام وقانون. وذلك وحدهُ ما يقود إلى بناء اليمن، وهكذا بناء يجب أن توضع له استراتيجية. لنبدأ بخطوة جوهرية تعد امتدادًا لدراسات وأبحاث منذ عقود، وهي جسر مدينة النور بباب المندب، ولا نجد بدًا من وصف هذه الخطوة عبر استحضار نموذج أُعد في خارج اليمن، وقد نجح بالفعل هذا النموذج الذي أنشأته شركة «FCC Construction».

الفكرة أن فرص الاستثمار مع الفقراء يمكن أن تعود على أصحابها بأرباح كبيرة، وفي الوقت نفسه فإنها تساعد الفقراء على تحسين مستوى معيشتهم، بل ما تحتاجه اليمن هي الإدارة بلا حواجز ولا اعتبار للمسافات وبتكلفة قليلة، وإمكان مشاركة فئات كثيرة في العملية الاقتصادية والإنتاجية، كالنساء والعائلات، وسكان المناطق البعيدة المعزولة، وكبار السن، وذوي التحديات الحركية. ونبدأ من الساحل اليمني.

يبدو أن الحديث السابق يريد مقاربة واقعية، في خضم فوضى الحرب، وغياب الأمن والاستقرار. لتكون معها البداية في اليمن الساحل قبل المدن النفطية.

الخطوة الأولى: كيف نبدأ في المشاريع، وفي الوقت ذاته تحييد كل الدول والمراكز التي تتصارع في اليمن؟

«إذا لم يكن العمل جادًا وذكيًا وسريعًا يحل كل مشكلة، فليس ثمة شيء آخر يحلها».

«الحياة الأفضل لليمنيين» وبناء اتفاقية المكسب المشترك.

إذا سلمنا بفشلنا منذ عقود، وبفشل كل الأدوات الإقليمية التي جلبها فشلنا، فنصبح منصفين بالإقرار بأن الحل في خلق مناطق إسكان وفرص عمل وتنمية، وفي الوقت ذاته نقبل بتحييدها عن الصراعات؛ لتكون نموذجًا جديدًا قابلًا للتقييم .

الخطوة الثانية: كيف ننتزع قبول مشترك لكل الأطراف الداخلية والخارجية في تحييد الساحل اليمني؟

الأمر فقط يحتاج تحرير مذكرات حكومية، نحو دول أو شركات رائدة في مجال تطوير الجسور والمدن الساحلية، كـ«kaizen properties» نموذجًا لتطوير عقاري، ومنح امتيازات لتلك الشركات والعقود الاستثمارية، بحيث تمنح كل منطقة في اليمن عقدًا حصريًّا وحيدًا لدولة وحيدة، ومعها يحظر عليها مزاولة نشاط في غير ذلك الموقع، فمثلًا «الساحل الممتد من خور عميرة بمحافظة لحج حتى باب المندب وذباب في محافظة تعز، يمنح امتيازًا لدولة واحدة فقط، أو شركة استثمارية وحيدة، ويحظر مزاولة أي نشاط في سواها. بالتالي يتضح أن المسئول اليمني، إذا كان نزيهًا فسيوجه دعوة استثمارية شفافة بعيدة عن حوارات وعمولات وراء الكواليس، ليقابلها تحديد موقع وحيد، بحيث تتحول سواحل اليمن لقطاعات مفتوحة للتنافس لمن يقدم أفضل العروض لخدمة الشعب اليمني. هذا بشكل علني وفي متناول عامة الشعب.

الخطوة الثالثة: كيف تُفرض شروط التعاقد والاستثمار وتقليص الشروط الإدارية؟

لقد مثل إلغاء اتفاقية «تأجير ميناء عدن لشركة موانئ دبي العالمية» خطوة جيدة؛ نظرًا لأن الفكرة لم تقم على جوانب استثمارية بل إدارية، ومعها لم تكن المشكلة من الجانب الإماراتي، بل الخلل من الجانب اليمني. لتوضيح الفكرة؛ فمقتضيات التعاقد تحت مسمى تأجير، يعنى به استخدام ما هو موجود في الميناء بخلاف التعاقد الاستثماري، والذي سيعنى به «تعميق حوض استدارة السفن وتوسعته وتركيب رافعات» وتوسيع النشاط الملاحي. من جانب آخر، لا بد وحرف الجانب الإماراتي من الموانئ نحو الجزر؛ نظرًا لأن المقتضيات الواقعية تقدم استراتيجية المنافسة على استراتيجية التأجير. ومعها تبرز فكرة منح جزيرة واحدة فقط للاستثمار ضمن مقتضيات استراتيجية الاستثمار الناجح. يبدو أن مشغلي الموانئ، والعبارات والخدمات اللوجيستية، وأحواض السفن، لا بد أن يجلبوا فورًا إلى اليمن مثل «Baja Ferries» على سبيل المثال، أو «ASTILLERO BARRERAS».

وفي المقابل، فنفط الجوف، الذي يعد ثالث أكبر مخزون احتياطي في العالم، لا بد أن يتم رفع سياسة «حظر الاستخراج والإنتاج لأسباب سياسية إقليمية» عنه، ومنح تعاقد مبدئي مع شركة «بيميكس» «Pemex» على سبيل المثال، والتي لها خبرات غير اعتيادية. يتزامن كل ما سبق جلب العقود الاستثمارية لكامل القطاعات النفطية والغازية البحرية في اليمن.

الخطوة الرابعة: كيف نجعل مشاريع الاستثمار الساحلي تسند الدولة في اليمن؟

يلي هذا الطموح أمران: أن الدولة التي ستنفذ المشروع ستتكفل بتوفير الأمن، ونشر خبراتها وإرادتها العسكرية لتأمين المناطق، بالشراكة مع أبناء المناطق ذاتها والجيش الحكومي، وفي المقابل أي الدول المستثمرة في اليمن، ستسهم منذ إبرام العقد في دفع فاتورة الأجور والمرتبات، والخدمات، والغذاء والدواء، وتوفير الطاقة، لأبناء المنطقة محل التعاقد، ليشمل الأمر تأهيلهم علميًا ومهنيًا وأمنيًا وعسكريًا .

ستكون المحصلة إيرادات تدخل خزينة الدولة، ليصاحبها خفض في الإنفاق والالتزامات الحكومية؛ بل وفر وفائض.

ماذا لو كنت في موقع صناعة قرار استراتيجي للنهوض باليمن و/ أو اتخاذه؟

مما لا شك فيه أن إبرام عقد مع مجموعة سيمكس «CEMEX» لتوليد الكهرباء بتوربينات الرياح، هي أول خطوة لعرض 2500 كم في اليمن للتعاقد الاستثماري، ولعدة أسباب، كون عامل الأمن والاستقرار سيتوفر في أي نقطة من الشريط الساحلي اليمني، وهذا مشروع إيرادي، وفوق ذلك سيتبعه حزمة مشروعات استثمارية لا تنتهي بالاتصالات، ولا تبدأ بالمواصلات وبناء أحواض سفن ومنافذ بحرية، وتشييد عقاري ساحلي عملاق؛ ليتحقق هدف استراتيجي قومي، هو رفع حجم العمالة اليمنية، التي ستجد فرص عمل، والفائدة المجتمعية من ريع تشييد، وبناء، واستثمار، واستقرار، قبل ريع فائدة خدمية إيرادية.

لكن في المجمل كيف نعرف العالم بكل ما نمتلكهُ من مميزات استثمارية، يحضر هنا الخطاب مع اتحاد الغرف التجاري العالمي «ICC» وعقد اتفاقية توأمة في مجال الترويج السياحي والاستثماري في اليمن، بل نحتاج إلى عمل مكثف من السفارات اليمنية في أمريكا وأروبا وآسيا؛ لتوسع نشاط الملحقية التجارية إلى دول الجوار، والتي لا توجد فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب : كيف تحقق ثروة وتطور الدول النامية في أن واحد للمؤلف : سي كي باراهالاد.
كتاب : إدارة الأولويات الأهم أولاً للمؤلف :ستيفن ر.كوفي.
عرض التعليقات
تحميل المزيد