كسابقاتها السبع مرت الذكرى الثامنة لثورة الحادي عشر من فبراير (شباط) اليمنية، إحدى ثورات الربيع العربي في عام 2011.. إذ احتفلت مدن واستسلمت أخرى لواقع الحال الذي تعيشه، بسبب انقلاب سبتمبر (أيلول) 2014، والذي قوّض كافة الجهود الثورية الرامية لبناء يمن جديد على وقع رؤى وطموحات ثوار فبراير.

من الجميل أن يحيي ثوار اليمن ذكرى ثورتهم، رغم الظروف الصعبة والدقيقة التي تمر بها، بالنظر إلى البون الشاسع بين فرص تمامها، ومآلات الوضع الذي وقع ضحية الكماشة العسكرية المفروضة من قبل جماعة الحوثي من جهة، والتحالف العربي الداعم للحكومة الشرعية من جهة أخرى، وهذا ما أدى إلى تلاشي الفعل الثوري بشكل عام، فتعز وحدها من بين محافظات البلاد احتفلت شعبيًا وحكوميًا كالمعتاد؛ كونها عاصمة ثورة فبراير، وصانعة التحولات الكبرى في حقب اليمن التاريخية، بينما احتفلت مدن أخرى بالثورة على استحياء، خاصة تلك التي تم استعادتها أثناء المواجهات مع الحوثيين منذ مطلع 2015.

أما أغلب المحافظات الشمالية، والتي لا تزال خاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، فلم تحرك ساكنًا، واكتفت بالانصياع للإملاءات المفروضة، الرافضة لأي فعل شبابي، قد يثير الشارع، وهو ما يحرمه الحوثيون، من باب ضمان انعدام الحراك الشعبي ضدهم من جهة، ومن جهة أخرى ولاءً للثورة المضادة التي تمثلت في 21 من سبتمبر (أيلول)، والتي يجمع اليمنيون على أنها انقلابٌ، أصاب ثورة فبراير الشعبية وأهدافها في مقتل، وأعادها إلى نقطة الصفر، تصارع من أجل العودة إلى الواجهة من جديد.

عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وقعوا ضحية صراع داخلي أعقب الثورة بأربع سنوات، ليشكلوا حصادًا مرًا لأربع سنوات من المواجهات العسكرية الدموية، بين فصائل ثورة فبراير، التي وقفت إلى جانب مدنية الثورة، وإتمام أهدافها بكل سلاسة، وبما يحقق التطلعات الشعبية التي كانت وراء اندلاع أهم حدث في عمر الدولة اليمنية، وبين قوى الثورة المضادة، صالح وقواه التقليدية وجماعة الحوثي، التي خالفت كافة التفاهمات ونقضت كل الاتفاقيات البينية المبرمة، وعملت بالتحالف مع الرئيس السابق على زعزعة الوضع، حتى تمكنت من السيطرة على صنعاء، لتقود بعد ذلك حملات عسكرية، في عملية غزو داخلي غير مبرر، توجته بقتل حليفها صالح في ديسمبر 2017، لتستفرد بالقرار السياسي والامتيازات الاقتصادية وحق النفوذ والسيطرة في المناطق التي كانت تتقاسمها مع صالح.

على وقع كل هذه الأحداث المزلزلة، ما يزال شباب ثورة فبراير اليمنية، مؤمنون بحقهم في حياة كريمة تكفل لأبناء الشعب عدالةً في الحصول على الحقوق وكذا الفرص التي تمكنهم من عيش يوفر لهم سبل البقاء في الحياة دون تنغيص أو فاقة.

كابوس سبتمبر الذي أحال الثورة إلى مخاض عسير، ما يزال هو المتحكم بمآل البلاد، رغم المحاولات الحثيثة لإنهائه، وإعادة إنعاش اليمن من جديد سواء على المستوى العسكري الموسوم بالتضارب الكبير في كافة جبهات القتال، أو جانب المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة، والتي تتقدم إعلاميًا لا أكثر.

آلاف الشباب الذين انتموا لثورة فبراير، انخرطوا في صفوف فصائل المقاومة الشعبية والجيش الوطني اليمني، إيمانًا منهم بضرورة إعادة الاعتبار لثورتهم المصادرة قسرًا، وترجمة عمليةً على وفائهم بالعهد الذي قطعوه للثورة، بإتمامها حتى ترى كل أهدافها النور وينعم بذلك اليمنيون جميعًا.

ليس غريبًا ما حدث لثورة فبراير اليمنية، فالثوار اليمنيون مجمعون على أن ذلك يجري وفق سياسة مفروضة ومدعومة من قوى إقليمية تلبي رغبات القوى العالمية الكبرى، في الإبقاء على المنطقة العربية ضمن نطاق عدم الاستقرار، وألا تنعم الشعوب بالديمقراطية، لما يشكله ذلك من خطر على مصفوفة المشاريع الغربية القائمة على الأنظمة الاستبدادية وأجهزتها العسكرية والأمنية القمعية، وذلك ما أعطى للثورات المضادة زهوها في سوريا وليبيا ومصر واليمن، لذا فالوضع لا يحتاج إلى ردة فعل غير مدروسة، بل إلى رباطة جأش والتعامل مع كافة المتغيرات، لضمان بقاء حلم الثورة قائمًا!

وسط الحالة اليمنية المستعصية على الحل، سيظل شباب ثورة فبراير متمسكين بحق ثورتهم في البقاء شامخة في وجه كل المتغيرات، سيظل حلم الدولة قائمًا حتى يكون حقيقة ماثلة أمام اليمنيين، وستظل أهداف فبراير ومطالبها واستحقاقاتها ظاهرة لا ولن تختفِ، وذلك هو قدر الثورة الذي لا زوال عنه مهما كان الثمن، وما يقدمه ثوار فبراير اليوم في سبيل استعادة الدولة هو أكبر دليل على أنهم مستمرون في سبر أغوار ثورتهم الشبابية حتى تكتمل الصورة، وتصبح الأحلام حقيقة.

متهمون بالحلم، لكنهم ساعون لتحقيقها، ثوار اليمن لا زالوا على درب الثورة سائرين حتى يتمكنوا من تحقيق كل ما بذلوا في سبيله أنفس ما يملكون، وذلك سيكون، ما دامت القدرة الثورية تملك إمكانية الفعل، وتحظى بالزخم الشعبي المساند، وهذا برأيي متوفر وفي أعلى مستوياته.. حتى وإن كان ثوار اليمن متهمين بالحلم، فإنّهم أثبتوا للعالم بقدرتهم على صنع المستحيل، في بلد لا ملامح لحاضره ولا لمستقبله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد