لماذا عام 1979؟

الصدفة وحدها هي من أوجدتني بصعدة معقل الحركة الحوثية أو أنْصَار الله كما يُطلق عليهم الآن، في العام نفسه الذي وُلد فيه زعيم الحركة الحالي السيد عبد الملك الحوثي بمدينة ضحيان بصعدة، بينما كان أخوه الأكبر السيد حسين الحوثي مؤسس تلك الحركة -فيما بعد- قد ولد قبلها بحوالي عشرين عامًا ولم يكن قد أظهر نشاطـًا من أي نوع حتى ذلك العام.

وبالعام نفسه استقبلت صعدة الشيخ مقبل الوادعي اليمني العائد من السعودية الذي أسس مدرسة سلفية في قرية دماج عرفت باسم دار الحديث، والتي تولت بدعم سعودي التبشير بالمذهب الوهابي في محافظة صعدة معقل الزيدية.

وهذا العام كانت بدايته قد شهدت رحيل شاه إيران في السادس عشر من يناير بعد نجاح الثورة الإيرانية الخومينية، ثم عُقدت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية والتي تم توقيعها في واشنطن دي سي برعاية أمريكية في السادس والعشرين من مارس بعد اتفاقية كامب ديفيد الموقعة في عام 1978، بينما شهدت نهايته تصعيدًا إرهابيًا خطيرًا حينما قامت السلفية المسلحة في السعودية باقتحام الحرم المكي في العشرين من نوفمبر، وهي الأحداث التي ستلقي بظلالها على صعدة بل على المنطقة بأسرها، كما سيأتي إليه البحث في إجابته عن السؤال «من الحوثيون؟».

الرحلة إلى صعدة

الزمن هو النصف الثاني من عام 1978 والمكان اليمن – مطار صنعاء «الدولي» الذي لم يكن حينذاك سوى صالة كبيرة أمامها باحة ظننت وقتها أنها لا تزيد كثيرًا عن مضيفة جدي، والباحة التي كانت أمام المضيفة في قريتنا بالصعيد لم يكن من فارق كبير بينهما سوى تلك الصورة لذاك الشاب طويل الشعر أشعثه كما هي «موضة» السبعينيات مع شارب سبعيني أيضًا عرفت بالطبع أنها للرئيس علي عبد الله صالح، أو الشاويش كما كان يحلو للسادات أن ينعته في خطبه النارية ضد خصومه.

صبيٌّ بصحبة والده المعلم المبتعث إلى اليمن، وكان الوالد قد سبقني بعام إلى صعدة المحافظة الشمالية البعيدة عن العاصمة صنعاء والقريبة من الحدود السعودية.

خارج الصالة وبدون أي فاصل مكاني وجدنا مسلحين يمنيين بأزياء عربية في استقبال القادمين دون أدنى شعور بالدهشة لدى معظم القادمين؛ حيث إن معظمهم ليس قادمًا مثلي للمرة الأولى.

من المطار عبر الحافلة التي أقلتنا ومجموعة المدرسين حيث شاهدت لأول مرة يمنيًا وسمعت صوته وهو يتحدث، الزيُّ العربىُّ لم يكن بالنسبة لي أنا ابن الصعيد مستغربًا إلا الخنجر المعقوف ذا الحزام الموشَّى بخيوط الذهب واللهجة غير مفهومة والوجه متورم من جانب واحد والشفاه يعلوها خُضرة ظننت وقتها أنها إحدى السمات الجينية للشعب اليمني، بجواره إناءٌ حديثٌ لحفظ الماء المثلج يسكب منه كل فترة في كوب صغير ويرتشف منه قليلًا قليلًا، وما إن تحركت الحافلة حتى استفتحت أنا بطلب الماء «وأظنه قد قبل لأنني صبي فرحمني» فلما طعمته وجدته ماءً مبخرًا معطرًا لم أذق أطيب مثله في سني حياتي القليلة التي مضت، فقلت منتشيًا ما أجمل هذا الطعم! فكانت عبارتي تلك إيذانًا بهجوم المصريين القادمين للمرة الأولى مثلي على «ثلاجة» المياه الذين لم يتوقفوا عن تبادلها حتى انتهت تمامًا لآخر قطرة، بينما السائق اليمني يسبنا جميعًا نحن الموجودين في الحافلة معه، والذين بقوا في مصر ينتظرون عودتنا ما ترك منا أحدًا، ولم أعرف أن الرجل محق فيما ذهب إليه من سب وتقريع إلا بعد أن طعمت القات وعرفت أنه لا يجلي حجب العقل إلا والماء معه، ووصلنا الى الفندق الذي بتنا فيه ليلتنا أنا والوالد وكثير من المدرسين، لننتقل في اليوم التالى إلى صعدة.

طريق الموت

240 كم هي المسافة التي تفصل بين صنعاء العاصمة وبين صعدة، والتي كانت طريقـًا للرعب والموت لصبي صعيدي مثلي عاش حياته على أرض منبسطة يرى فيها الراكب لمسافات بعيدة دون عائق من مرتفع أو منخفض إلا من منزلق لا نشعر به نحن المصريون حيث تكون الأرض مرتفعة في أعالي الصعيد ثم تأخذ في الانخفاض تدريجيًا في اتجاه الشمال حيث البحر المتوسط مصب النهر العظيم.

تخرج بنا السيارة تجاه «عمران» في مظاهر كانت بالنسبة لي مدهشة؛ فكل ما حولي يذكرني بأفلام الغرب عن العرب بزمن البترول،؛ حيث السيارة الحديثة بجوار ناقة حلوب ومضخة بنزين بربع خال في الصحراء وقنينة بيبسي بجانب فنجال من القهوة العربية المُرَّة، مشاهد لأشخاص تغلب عليهم النحافة والشَّعَث مع العافية ووسامة عربية لا تخطئها العين ملابس عربية مضى على تنظيف معظمها أوقات ليست بالقصيرة؛ فالثوب قصير عليه جاكيت «إفرنجي» تبرز من بين فتحته الأمامية رأس خنجر عربي موضوع بين ثنايا حزام مزدان بأجمل زينة وأحذية تشبه تلك الروسية التي كانت تباع في مصر إبّان حكم الزعيم عبد الناصر بشعة المنظر لكنها بمتانة لا تضاهى.

وبعد عمران تعطلت السيارة التي كانت تقلنا وكانت من نوع تويتا «شاص»، وهي نوع من السيارات الجبلية القوية، فاضطررنا لجمع أغراضنا والنزول على جانب الطريق ومحاولة إيقاف أية سيارة متجهة إلى صعدة فكان حظنا إن شئت أن تقول «العاثر» سيارة نقل مرسيدس ذات الست العجلات لتكتمل كل معاني الرعب والإثارة؛ فوجودك على متن سيارة من هذا النوع المرتفع عن الأرض على طريق جبلي ضيق لا يسع في كثير من أنحائه إلا لسيارة واحدة وجرف تحت العجلات ينبئ من هذا العلو في «كابينة» السيارة عن أنك منزلق نحو هاوية الجرف لا محالة، فتغمض عينيك تارة وسرعان ما تفتحهما بقوة وأنت تسمع صوت الحصى والحجارة على أطراف الجرف تُطحن تحت عجلات الشاحنة القوية لتتطاير محدثة صوتًا هو صوت الموت بعينه، إن كان للموت صوت.

السائق محدث لطيف كما يبدو من تعبيرات وجه أبي الذي سبقني بعام، وأصبح يفهم اللهجة اليمنية بينما أنا منشغل فقط بترقب وقوع شاحنتنا من ذلك العلو الشاهق، وإن كنت لا أستطيع أن أبدى خوفـًا أو هلعًا؛ فالصعيدي هو ذلك الرجل الذي يهزم الخوف ولا يهاب الموت، وأنا لا أستطيع أن أتحمل توبيخًا أو تذكيرًا من أبي بما أُنشئنا عليه؛ فالرجل لا يعير أهله أنه مات إنما يعيرون بأنه جبن وخاف عند الموت.

طوال الطريق تتجول عيناي بين حركات ثلاث، فهما إما مغمضتان تتفاديان النظر إلى الموت القادم، وإما مبصرتان للحافة القاتلة تهزمها عجلات الشاحنة وتتركها مبعثرة، وقليلًا أبتعد بهما عن الطريق لأنظر إلى السائق الذي يتعاطى المخدرات «هكذا كنت أعرف عن القات أنه مخدر» وأنظر إلى أبي فأجده مطمئنًا كأنه اعتاد ذلك الطريق فلم يعد يبالي بمخاطره أو أنه أراد بشكل أو بآخر أن يضع رجولتي المبكرة محل اختبار فأجده لا مباليًا، بل إنه تمادى في لا مبالاته بأن بدأ بناء على دعوة سائق الشاحنة بتناول تلك الأوراق الخضراء الندية والملفوفة بأكياس بلاستيكية، يأخذان منها الوريقات الوارفة ليحشوا بها أفواههما مع حرصهما على تغطية الأوراق التي في الأكياس بشكل جيد حتى لا تجف، ووجدت أن القات قد جلب لهما الرغبة في المسامرة التي تعدت متعتها بالنسبة لهما أي إحساس بالخطر ينبئ عنه الطريق.

انكفأت على ذاتي أبحث عن الاطمئنان بداخلي بعد أن فقدت أية قدرة على الاستمتاع بالحديث المسامر؛ كونه يتحدث بكله عن مصر أم الدنيا وكيف نيلها ومدنها وشوارعها أو هذا ما فهمته من حديث أبي؛ حيث لم أعِ من حديث السائق إلا كلمات قليلة وجدتها قريبة من لهجتي الصعيدية، لأكتشفت فيما بعد أن معظم المفردات الكلامية اليمنية تقريبًا بمعانيها نفسها مما يستخدم في لهجتنا، ولكن اللكنة تختلف فتخلق صعوبة في فهمها إلا بعد اعتياد.

وبعد أن توقف السائق على حافة هاوية عظيمة بشكل استعراضي لا يخلو من مهارة وإثارة مقصودة؛ حيث بدا من كابينة القيادة حال توقفه المفاجئ كأننا بالفعل سنسقط بالهاوية التي لم نتبين قعرها لأننا كنا بموقعنا على الحافة أعلى من السحاب الذي يعلو سماء الهاوية، هلع ورجفة كادتا أن تأخذاني تجاه الهاوية أو هكذا شعرت.

تمالكت نفسي بعدما سمعت الوالد يكمل حديث المسامرة بشكل بدا لي مبالغًا فيه، فكيف لم يتأثرا كما تأثرت؟! وقلت لنفسي لعلي أنا من بالغت في شعوري؛ فها نحن بالفعل على الحافة ولكننا لم نسقط.

متى ينتهي هذا الطريق؟ لماذا جئت إلى هذه البلاد؟

لو أني في بلادي لكنت الآن وسط أصدقائي أمرح وألهو، ولو علمت أمي ما أتعرض له من مخاطر ما كانت لترسلني، يا ليتها تعلم فترسل في طلبي باستخدام كل حيل الأمهات التي بالتأكيد ستجيدها أمي.

ساعات عده مضت كنت فيها رهين القلق والتوجس حتى بدأت الأرض في الانبساط واختفى خلفنا الموت الذي كان يترصدنا بالجبال العالية، فتجاسرت أسأل أبي عن تلك الجبال الشاهقة والطريق الوعرة التي غادرناها توًّا هل هناك مثلها فيما هو مقبل من الرحلة حيث نتجه فكانت الإجابة لا.. بل هو صعيد منبسط كصعيد مصر وإنما اشتق اسم صعدة من انبساط أرضها، كما أن الصعيد في مصر اشتق اسمه من المعنى نفسه، ولعل اسم صعدة وانبساط أرضها واقترانه في المعنى واللفظ مع مسقط رأسي بصعيد مصر كان أول حب وقع في قلبي لصعدة البهية.

عزلة فروة– المهازر مديرية سحار

كلمتكم عن صعدة شبيهة الصعيد في مصر حيث مسقط رأسي في المعنى واللفظ لأعرف فيما بعد أن مديرية سحار حيث تقبع عزلة فروة تسمى قاع الحقل أو صعيد صعدة لعظم ما تورده أرضها الخصبة من محاصيل زراعية.

وبعد أن عطف صاحبنا اليمني على قريته لينزل لأهله بعضًا من إسطوانات الغاز كان قد جلبها معه من صنعاء استعجل تنزيلها قبل أن يقوم بتوصيلنا إلى مبتغانا في فروة ربما آملًا في أن يعدوا له طعامًا شهيًا استحقه بجدارة بعد السواقة الماهرة وفن المسامرة الذي أعتقد أنه قد أجاده حيث لم يتوقف حديثه ووالدي منذ أن غادرنا عمران إلى محل محط رحالنا في فروة.

وصلنا تقريبًا إلى فروة التي تقع قريبة جدًا من الطريق الأسفلتي الذي يربط صنعاء مع صعدة وقت المغرب لأجدها تشبه النجوع الصغيرة بصعيدنا، أما المدرسة التي هي محل عمل والدي وملحق بها محل السكن فكانت على أطراف البلدة مبنية بالجهود الذاتية لأهالي المنطقة الذين كانوا يتحرقون رغبة في تعليم أبنائهم؛ فسعوا بكل جد إلى بناء المدرسة، وضمت المدرسة والدي وزميل آخر مصري، والذي كان بالصدفة من محافظتنا نفسها بالصعيد، وبالصدفة أيضًا كان قد عمل معلمًا بقريتنا مسقط رأس أبي وكان صديقـًا لعمي الذي كان شيخ مشائخ منطقتنا، فكان يتعاطى مع أبي بشيء من التعظيم والمهابة لما وجده من مقام عال لعمي ولما ناله من كرم الضيافة وحسن المعشر من عمي وأهلية أبي.

وكان الإرهاق قد أخذ كل قواي التي تهاوت بمجرد دخولي إلى السكن إلا أن دقائق قليلة فقط هي التي سُمح لي فيها بالاسترخاء لأجد أمامي رجلًا خمسينيًا بعمامة يحمل سلاحًا آليًا وبمعيته ولد أصغر مني بأعوام قليلة يرتدي اللباس نفسه تقريبًا إلا العمامة، ويحمل على عاتقه سلاح هو الآخر، وقد هللا معانقين والدي مرحبين بقدومنا، علمت من والدي أن الرجل هو الشيخ فاضل شيخ القبيلة والصبي المرافق له هو غالب ولده البكر.

بتلك الدور العالية اندهشت عيناي في أول جولة لي بالقرية كيف بنوها على الجبل، كيف حفروا أساسها والأرض حجر، كيف شيدوها بالطين وهي بهذا الارتفاع، وكيف جملوها بالأحجار والنوارة البيضاء التي تميز البيوت في اليمن؟!

البيوت متباعدة للحفاظ على الخصوصية ومبنية على مرتفع لتحفظها من السيول وليسهل على المدافعين صد أي هجوم على قراهم، والمسجد في الوسط بصحن كبير به بركة مياه كخزان لماء المطر، ربما أزعجني ركود المياه بالبركة وظهور الطحالب على السطح، وتقززت من رؤيتي لهم يتوضؤون من ماء البركة الآسن.

«حي على خير العمل» صدح بها المؤذن وهو يرفع الأذان للصلاة وارتفع معها حاجباي، ما «حي على خير العمل»؟ لم يكن الوقت ولا المكان مناسبين لأسأل، وبعدما ظننت أن «حي على خير العمل» هي العجب ذاته، كان إبعاد أهل القرية سرواليهم الداخلية استعدادًا للصلاة هو عجب العجاب، وخشيت وقتها أن يرغموني على فعل ذلك، فوجهت عينيَّ نحو أبي واطمأننت حين وجدته بحاله التي دخلنا عليها المسجد.

إلى صعدة مدينة الهادي

في اليوم التالي وبعد أن باعدت بيني وبين وعثاء السفر اصطحبني أبي إلى البهية صعدة مدينة الإمام الهادي فلاحت من بعيد أسوارها كسواعد عاشق يحتضن محبوبته، وتقلبت عيني كلما قُربنا أبحث عن الباب أستعجل ولوجه لأرى ما بداخل تلك البهية التي تتعلق بها قلوب من يعشقون التاريخ ويحنون إلى فواحة دروبه بعطر الأمجاد والقَدم.

البوابة عليها الحرس، والمهابة تهز وجداني أستعجل الخطوات يسوقني فضولي نحو الداخل لأتطلع  وأرى، على اليسار جامعًا بهيًّا بمنارة يعلوها البياض فتغشاني السكينة ويعلو سماء فكري حمائم بيض ترف بأجنحتها لتهب قلبي سلامًا يليق بمكانة الإمام ومدينته.

انعطفنا جهة الجامع للزيارة والصلاة كما أراد أبي، لأجد عن يميني محلات الفضة ورجالًا بدا لي أنهم قد برزوا من الماضي السحيق تتدلى خصلات من شعورهم بجانب آذانهم ونظرت إلى أبي الذي بادرني بالجواب قبل السؤال: هؤلاء هم يهود صعدة يعملون في صناعات عديدة ومنها صناعة الفضة ، ففتحت فمي أريد أن أسأل عن خصلات شعورهم المميزة لهم، فأجاب الوالد: قبل أن أسأل أيضًا: أما عن خصلات الشعر التي يطلق عليها اليمنيون «الزنانير» فهي لزام عليهم فرضها الإمام ليتميزوا بها عن المسلمين.

أردت الوقوف أكثر لأتأمّل لكن أبي أشار إلى الجامع قائلًا: الصلاة، الصلاة، فانصرفت أجدُّ الخطى خلفه مقاطعًا فضولي الذي كاد أن يقول: اذهب أنت واتركني هنا.

ودلفنا إلى الجامع الكبير تحفنا قداسة تكسو المكان بجلال وهيبة لنصلي الظهر عاقدين أيدينا بين جموع ترسلها فيأتي الجواب: إن الزيدية وهي مذهب أهل صعدة يرسلون أيديهم في الصلاة ثم يؤذن للصلاة مرة أخرى، فأتطلع بعينىّ نحو الوالد متسائلًا فيأتيني جوابٌ آخرُ قبل آن أسأل: سيصلون العصر جمعًا بالظهر وهي من سنن النبي الأطهر.

على مقاعد الدراسة

مدرسة الزبيري بصعدة تلك المدرسة التي كانت قد أنشئت حديثـًا ببقعة خارج أسوار صعدة بعيدة عنها بعض الشيء وكانت المدرسة تقف وحيدة في فضاء ليس فيه تقريبًا إلا بيت واحد، والمدرسة مكونة من مبنى متواضع مستطيل من دور واحد أرضي يحتوي على أربعة أجنحة: الجناح الأول بجوار المدخل على اليمين وبه غرفة لعساكر الأمن ثم غرفة المدير والسكن الطلابي الذي كنت أحد نزلائه وفي الجناح المقابل من الجهة الأخرى الحمامات وأحواض المياه بينما الجناح المقابل حال الدخول كان يضم المعمل وغرفة أدوات التربية الرياضية ومصلى صغيرًا ويقع مقابله عدد ستة فصول للسنوات الدراسية من الصف الأول الإعدادي إلى الثالث الثانوي، يتوسط المبنى المستطيل فناء واسع كنا نقضي فيه طابور الصباح وحصص الألعاب الرياضية.

عيد الغدير

ومن الاحتفالات الدينية في صعدة كان عيد الغدير وهو العيد الذي يعقب عيد الأضحى بأيام قليلة، ويكون موعده في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة حيث دعينا في «فروة» لحضور العيد الذي يهتم به أهل صعدة أيما اهتمام، فخرجنا إلى ساحة كبيرة جمعت القرية بل القبيلة كلها لتبدأ مراسم العيد بالاصطفاف في صفوف متقابلة ويبدؤون العيد بأهازيج تسمى الزامل يتناوبون فيها الإنشاد ما بين الصفوف بنظام بديع وعلى كل صف مُعرف مسئول عن تنظيم صفه وتوقيت مشاركته في الزامل، ويعقب ذلك إطلاق النار في الهواء ابتهاجًا بالعيد، ولهذا العيد قصة أحب أن أنوه عنها، ففي العام العاشر من الهجرة النبوية الشريفة وعقب حجة الوداع، قبل وفاة النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم- بثلاثة أشهر تقريبًا، وفي طريق عودة الحجيج إلى بلادهم في مكان يدعى «غدير خم» لذا أطلق على المناسبة عيد الغدير نسبة إلى المكان ويطلق عليه أيضًا عيد الولاية.

واختصار الرواية أن النبي – صلى الله عليه وسلم- أخذ بيد علي بن أبي طالب ثم قال: «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، فقال: من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»، وأهل صعدة يعظمون هذا العيد ويهتمون به وهو من تراثهم الذي يعتزون به ويحرصون على المحافظة على الاحتفال به.

ضحيان مدينة السادة

ومن المهاذر وفروة إلى صعدة ثم حَفصين في َسحار إلى حدود «جمَاعة» حيث تقبع مدينة السادة «ضَحيان» والتي تضم معظم أعلام صعدة من علماء وقضاة وفقهاء، غالبية من يسكنها هم من السادة المنتسبين للبيت النبوي الشريف وجلهم حَسَــنيون، وكانت ضحيان تبدو عليها المدنية مقارنة بغيرها من القرى وحتى بالمقارنة بمدينة صعدة نفسها في ذلك الوقت.

قراءة للأوضاع في صعدة عام 1979

وكانت تلك الفترة رغم الِصِّبَا لا تخلو من تأمل لبعض الأوضاع في صعدة التي تكونت من مشاهدة واطلاع شخصي كملاحظات تكمل التفاصيل العامة لصورة المجتمع الصعدي في ذلك الوقت، بالطبع وصفي للحالة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وغيرها في صعدة لا ترقى أن تكون رؤية متخصص أو باحث إنما هي أحوال رصدتها بفهمي وحسب رؤيتي وبمعرفتي السياسية الضئيلة حينذاك، ولم تكن رؤيتي لتتبلور في شكل تقارير متخصصة ولكني أثق أن رؤيتي سيتفق معها كثيرون من أهل المنطقة الذين سيطلعون على ما كتبت.

الأوضاع الاقتصادية

من تلك الملاحظات أن تواجد الدولة في اقتصاد صعدة يكاد يكون معدومًا، فلا مشاريع تنموية تقوم عليها الدولة ولا خدمات عامة، فطور السكان المحليون أساليب للإبقاء على استقلاليتهم الاقتصادية، ويكاد يكون اقتصاد صعدة قائمًا على أنشطة أهلية لها علاقة بالزراعة اعتمادًا على خصوبة الأرض وجودة المنتجات الزراعية خاصة الفاكهة والذي كان المجهود فيه خالصًا للأهالي الذين أقاموا السدود لحجز مياه الأمطار وحفروا الآبار الارتوازية دون دعم أو معونة الدولة وارتبط هذا النشاط بالتجارة حيث كان يتم تصدير المنتجات الزراعية التي تشتهر بها صعدة إلى مدن المملكة السعودية المتاخمة أو إلى المدن اليمنية، وبما تسمح به الأحوال القائمة لعدم وجود صناعات غذائية خاصة بالحفظ والتغليف، يقابلها كذلك عوائد العاملين بالخارج من أهل صعدة خاصة في السعودية، والتي تشابكت مع صعدة اقتصاديًا لوجود عدد كبير من العمالة اليمنية بسبب الاستثناء الذي كانت قد منحته السعودية لليمنين عامة للدخول إلى أراضيها والعمل بدون الحاجة لوجود «كفيل» ودون تأشيرة، بل إن بعض اليمنيين من أهالي صعدة كان يتنقل في حدود القرى والمدن المتاخمة بدون أية أوراق أو جوازات سفر.

كما كان هناك نشاط آخر مرتبط بتجارة التهريب عبر الحدود، وتجارة السلاح خاصة التي لم تكن محرمة، فكانت صعدة مركزًا لتلك التجارة اشتهر بها سوق الطلح.

كان اليمنيون في صعدة يتعاملون بعملات مختلفة منها «الريال الفرنسي»، والريال السعودي، والدولار، بالإضافة للريال اليمني، ولم يكن ثمة قانون للصرافة أو محلات مرخصة، فكان التعامل بالعملات يتم على «فرشة» على الأرض في الأسواق العربية في صعدة والطلح وضحيان وغيرها من الأسواق.

كان على ما يبدو لي حال الاقتصاد في صعدة جيدًا والأوضاع بالنسبة للسكان مريحة فالبضائع بجميع أنواعها سواء أكانت غذائية أم أجهزة كهربائية أم معدات وكافة البضائع حتى مواد البناء وتجهيزات المنازل يتم جلبها من السعودية بالتهريب دون جمارك أو رسوم بالإضافة للسيارات الحديثة بكافة أنواعها.

الأوضاع الاجتماعية في صعدة

السيد والفقيه والقبيلي هي مسميات لبعض الطوائف اليمنية تختص بتقسيم اجتماعي صارم لا يقبل الاختلاط بالزواج إلا في حدود ضيقة جدًا، وكاستثناءات لا ترقى أن تكون قاعدة، ولا تتطور لتنتهي وتزول ليحدث اندماج، ولكن على مستوى العلاقات الحياتية والصداقة والتعاملات بشتى المجالات فتجدهم يتعاملون بأريحية ويتصادقون ويتآخون.

السيد: هو من ذرية الحسن والحسين أبناء سيدنا علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة الزهراء وجدهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم كغيرهم من الأشراف في كل البلدان العربية حريصون على توثيق نسبهم الشريف في المشجرات التي تتضمن عامود النسب انتهاءً بالجد الأكبر علي بن أبي طالب، ومعظمهم في صعدة بل إن في اليمن حسنيين ينتسبون للإمام الحسن بن علي بن أبي طالب، وقد كانوا هم الصفوة، ثم تأتي مقامات بقية الناس بعدهم، حيث كانوا قضاة وحكامًا وأمراء وعمالًا للدولة في فترة حكم الأئمة التي امتدت زهاء ألف سنة، وكان وما يزال منهم العلماء الذين يحملون علم الدين وخصائص المذهب الزيدي وتراثه إلى الناس ويعلمونه لهم ويقضون بينهم، وقد تبدلت هذه المكانة قليلًا بعد الثورة اليمنية وتولى الجمهوريون مقاليد البلاد، ولكن بقي احترام الجميع لهم قائمًا وإن كان بدرجة أقل، وكنت أسمع أحيانًا فلتات ألسنة بعض من الجهلة والمتعصبين وهي تحاول أن تنال منهم، لكن سرعان ما تسكت تلك الألسنة كلمات من العقلاء من القبائل أو من أصحاب الطوايا الحسنة والنفوس السليمة.

أما الفقيه أو القاضي: فهو قبيلي درس العلم الديني وأجيز للقضاء أو لتفقيه الناس وتعليمهم أصول دينهم، وهم طبقة تحتفظ بعلاقات أوثق بين السادة الذين تعلموا على أيديهم وأجازوهم للقضاء أو للعلم وبين القبائل التي ينتمون إليها بالانتساب والأصل الواحد والعنصر المشترك.

والقبيلي: وهو الذي ينتمي لإحدى القبائل العربية المتحدرة من أصول معروفة تنتسب لأبناء يعرب، يفتخرون بقبائلهم ويخضعون لحكمها ويتقاسمون المَغرم بالدم والمال، ويتنادون لحرب غيرهم من القبائل إن دعا داعيهم، وينبّذون من يتخلف عن دوره في القبيلة أو يتأخر عن أحداثهم، يتمسكون بتقاليدهم وعاداتهم وينزلون على حكم شيوخهم وعقالهم، يتفاخرون بأعدادهم وبأسلحتهم وبمواقعهم وبأمجاد آبائهم وأجدادهم، وبالشيم العربية الأصيلة من كرم وإباء ونجدة للمحتاج، يتفادون العيب والعار حتى بدمائهم و«الجاه» عندهم له شأن عظيم وهي عادة قبلية يمنية، فإن ألقى أحدهم عمامته أمام الرجل أو الجماعة فقد نال جاهًا بقبول طلبه، وإن عسر أو استعصى فعلى من ألقيت العمامة أمامه أو بين يديه أن يقضي طلب من ألقاها مهما عظم الطلب.

وصعدة تضم قبيلتين عظميتين هما سحّار وجُمّاعة ومنهما تتفرق العشائر والأفخاذ التي تكون قبائل صعدة، ولكل قبيلة حدودها المعروفة التي لا يجب تخطيها من القبائل الأخرى إلا بإذن وتسال الدماء وتشتعل الحروب حامية الوطيس ردًّا على أي تجاوز.

هذا هو النسيج المجتمعي لصعدة أخرجنا منه فئة الخدام أو «الدواشين» وهم الأفراد من دون انتماء لقبيلة من القبائل الأصيلة، ويعملون غالبًا ببعض المهن التي يعتبرها المجتمع الصعدي مهنًا متدنية أو وضيعة ومنها الجزار والحلاق وقارع الطبل.

بينما يشكل اليهود في صعدة في ذلك الوقت فئة مجتمعية شبه منعزلة يشتهرون بخصلات الشعر على جوانب رؤوسهم والتي يسميها اليمنيون الزنانير ومفردها زنار، وهي مفروضة عليهم لتميزهم عن المسلمين، كما لا يسمح لنسائهم بتغطية وجوههن كعادة الحرائر من نساء اليمن، وهم يعيشون في كنف بعض القبائل التي تسمح لهم بالإقامة على أرضهم، ولكن دون اختلاط بالمنازل أو بالسكن، ولا يسمح لليهودي بحمل الجنبية «الخنجر اليمني المعروف» ولا بحمل السلاح أو امتلاك الأراضي أو البيوت، كان اليهود يعملون بالمهن الفنية وأشهرها صياغة الذهب والفضة وشغل الحدادة وغيرها من الأشغال الفنية، ولم يكن لليهود أية مكانة بالمجتمع الصعدي، ولم أرَ أو أسمع عن علاقات من أي نوع بين اليهود وغيرهم من فئات المجتمع الصعدي، ولم ألتقِ بهم إلا رؤية من بعيد في محلات أشغالهم في صعدة القديمة والتي كانت بضعة دكاكين تجاور مسجد الهادي.

على الرغم من أن البلاد كانت قد خرجت توًا من حرب أهلية كانت صعدة تمثل إحدى بؤرها الملتهبة، إلا أن ملاحظاتي أن أهل صعدة كانوا قد تخطوا كل ما يمكن أن يمثل خطورة على السلم الاجتماعي، فلم يكن مطروحًا على الإطلاق قضية الحرب الأهلية ولا اجترار لقصص تلك الحرب، ولا تنابز بين القبائل والسادة، ولا صدام بين فئة وأخرى على خلفية تلك الحروب، وكانت العلاقات جيدة بين الجميع لا أثر فيها لمأساة الحرب في الماضي القريب.

فقط بقي التدرج الطبقي الاجتماعي قائمًا كما هو وربما سبب بقائه أنه كان يعبر عن رغبة لدى الجميع بأن يبقى الحال على ما هو عليه، والكل معتز بطبقته مفتخرًا بها، وبقي المهمشون من اليهود والدواشين في طبقتهم المتدنية تحكمهم إرادة الطبقات الأعلى.

الأوضاع الأمنية

عندما وصلت إلى صعدة لم يكن ثمة تواجد للجيش أو للشرطة في صعدة إلا البسيط، وبما لا يمثل أي تواجد حقيقي للدولة، وواقع الحال في صعدة ذلك الوقت أنها لم تكن بحاجة إلى خدمات من هذا النوع، فالأمن مستتب بقوة القانون القبلي والأعراف، ولكن بعد وصولي بأشهر بدأت الدولة في إرسال بعض الوحدات الأمنية المتواضعة التي تسلّمت عملها في تأمين بعض المنشآت القليلة مثل المستشفى الجمهوري، وفرع البنك اليمني، وبعض المنشآت الأخرى، هذا التواجد الأمني كان صوريًا هدفه الأساسي ليس فرض الأمن، ولكن كان الهدف منه إظهار تبعية صعدة للعاصمة المركزية في صنعاء وذرّ الرماد في أعين من يتهكمون على الدولة وضعفها.

كان الأمن بصعدة مسألة ذاتية لا دخل للدولة فيها؛ فالقبيلة مسئولة عن أمن أبنائها والعرف والقانون القبلي فوق الجميع، وكانت صعدة بقانونها القبلي تعيش في أمان كبير لم يكن يعكر صفوه إلا تجاوزات محدودة من بعض أهلها سرعان ما تضبطها قوة القانون القبلي وحكمة الشيوخ والعواقل.

أما «القطاع أو التقطع» فكان يكاد لا ينقطع، وهو يعني أن القبيلة أو بعض من أفرادها يقومون بوضع «البراميل» كحاجز في وسط الطريق ثم الاستيلاء على كل سيارة تتبع القبيلة المعادية، وكان القطاع أو التقطع رغم همجيته يتم بأسلوب فيه التزام بالقوانين القبلية التي تمنع إهانة الآخر أو التقليل من شأنه؛ فكان المتقطع بعد أن يسأل قائد السيارة عن قبيلته يطلب بأدب تسليم مفتاح السيارة والنزول عنها بسلاحه ومتعلقاته الشخصية، وكان غالبًا يستجيب قائد السيارة ويسلم سيارته لينطلق إلى محل قبيلته وداخل حدودها ليقيم حاجزًا ويتقطع ليحصل على سيارة أو اثنتين من القبيلة التي تقطعت عليه؛ ليبدأ بعدها التفاوض لحل المشكلة التي تسببت في القطاع، وهي قد تكون مطالبة مالية أو دين لم يوفَّ أو نزاع لم ينته إلى حل أو غيرها من تلك الأمور، فتسوى المشكلة ثم يسترد كل منهم سياراته.

ولا يخلو الأمر من خطورة؛ فحين كنا متوجهين أنا وأحد الزملاء من سحار باتجاه ضحيان لزيارة أصدقائنا هناك، والذي لمح على البعد حاجزًا لقطاع، ففضل أن يستدير بالسيارة عائدًا، فما كان منهم إلا أن أطلقوا النار فوق رؤوسنا، والحق أن صديقي هذا كان يعلن عن استقباحه لتلك العادة القبلية السيئة واستنكاره لها، إلا أنه لم يكن يملك أكثر من ذلك دون أن يستطيع أن يؤثر حتى في إخوته أو أبناء عمومته ليمنعهم عن هذا الفعل.

وقد سمعت روايات عن أشخاص قتلوا بالقطاع، سواء لأنهم قاوموا فكان جزاؤهم القتل أو لأنهم أطلقوا النار على المتقطعين فأردوا بعضهم قتلى، فالأمر لم يكن يسير وفق التقاليد القبلية في كل المرات.

ومرة أخرى رغم همجية التصرف إلا أن القطاع كان خاضعًا لقوانين لا يجوز مخالفتها، ومنها أنه لا يتم التقطع على من بصحبته امرأة، ولا يتقطع على السادة الهاشميين من أهل البيت ولا على سيارة يقودها أو بها ضيف غريب.

وكان وما زال يحلو لوالدي أن يذكر واقعة صديقه التاجر من فروة الذي كان له مصالح بصنعاء تستلزم سفره الدائم إلى هناك، وكانت سفيان وهي قبيلة تقع محادة لسحار بينها وبين صنعاء تهوى التقطع حتى بدون أسباب، أو هكذا كان يرى السحاريون من أهل صعدة، فكان هذا الرجل يطلب من والدي مرافقته بالسفر ليقود والدي السيارة ويمر بها من القطاع حال معرفتهم أنه مصري على الرغم من معرفتهم بشخص التاجر صديق والدي وتأكدهم أن السيارة له، وكان الرجل إذا تعذر سفر والدي معه يصطحب زوجته ليضمن عدم الاستيلاء على سيارته أو بضائعه.

وأذكر كذلك تواجدي بسيارة بصحبة بعض زملائي من السادة بطريقنا إلى ضحيان استوقفنا حاجز قطاع فسألوا من بالسيارة عن هويتهم وسرعان ما انفرج الحاجز بمجرد أن قال لهم سائقها سيد علوي فاطمي.

وضع الخدمات

وأعني هنا مساهمة الدولة في تقديم الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم وتوفير الكهرباء ومد خطوط المياه النقية وشبكات الصرف الصحي وغيرها مما تلتزم به الدولة تجاه مواطنيها، وفي عام 1979 لم تكن ثمة مشاريع للدولة في صعدة إلا القليل، والحقيقة أن الدولة كانت غائبة في هذا المجال، ولا أستطيع أن أجزم عن أداء الدولة في تلك الفترة هل كان عن قصور مادي أم قصد متعمد أم إهمال.

واقع الحال أن الخدمات الطبية كانت شبه معدومة إلا من المستشفى الجمهوري بمدينة صعدة الذي كان متواضعًا جدًا بإمكانياته المادية والفنية، وبما لا يتناسب مع المنطقة الشاسعة التي يغطيها.

وكما قام الاقتصاد الصعدي على كاهل القطاع الخاص والمشروعات الأهلية فقد استثمر الأهالي أموالهم – على نحو رحيم – في إنشاء «المستوصفات الأهلية» لتقديم الخدمات الطبية للمواطنين بأسعار في متناولهم.

وكانت السعودية ومن خلال اللجنة الخاصة قد بدأت بالفعل في عام 1979 في تشييد مستشفى السلام بصعدة، وبغض النظر عن أهداف السعودية من إنشاء المستشفى إلا أنه والحق يقال كان يمثل حال إنشائه صرحًا صحيًا استفاد منه أهل صعدة، وأسهم بشكل كبير في تغطية الاحتياجات الطبية الملحة للمنطقة.

وفي مجال الخدمات التعليمية وبناء المدارس، كان العدد قليل واقتصر هذا المجال على ما تقدمه الكويت والسعودية من مدارس تقوم على إنشائها، ففي صعدة كانت مدرسة السلام ومدرسة الصفراء، والتي تولت بناءها الكويت، وتولت السعودية بناء مدرسة الزبيري بصعدة ومدرسة الفلاح بضحيان، بالإضافة إلى مدرسة أخرى ببناء شعبي قديم للبنات داخل صعدة لا أتذكر اسمها.

وتم إنشاء عدد من المدارس بالجهود الذاتية من الأهالي كان يتم جلب الأثاث لها مما تواجد في مخزن مكتب التربية من مساعدات وهبات دولية كانت قد نشطت في تلك الآونة بعد توقف الحرب الأهلية، ولكن عدد تلك المدارس كان لا يتناسب واحتياجات الأهالي بصعدة وتطلعاتهم ورغبتهم الصادقة في تعليم أبنائهم يحدوهم الحماس بأن ينال أبناؤهم ما تسببت الأوضاع والحروب في حرمانهم منه.

أما عن الكهرباء فكانت الإمدادات فقيرة لا تعدو بضع ساعات في مدينة صعدة أما المناطق والقرى فكانت محرومة من خدمات الدولة في هذا المجال مما حدا بالأهالي إلى الاعتماد على أنفسهم في شراء المولدات الكهربائية وعمل التمديدات وتشغيلها سواء بشكل تعاونيات يساهمون فيها جميعًا أو يتولى بعضهم إنشاءها كاستثمار بربح بسيط.

أما عن المياه النقية فكان القليل من إمداداتها متوفرًا في مدينة صعدة دون بقية المناطق التي كانت تجلب حاجاتها من الآبار العذبة بوسائل بدائية، بينما كان الصرف الصحي معدومًا.

وكان حال الطرقات لا يقل رداءة عن بقية الخدمات، فكان الطريق الرئيسي إلى صنعاء فقط مسفلتًا وكان ضيقـًا جدًا وسفلتته رديئة في بعض المناطق، وقبل قدومي إلى اليمن بحوالي عام أو أقل كان قد تم رصف الطريق الدولي إلى المنفذ الحدودي مع السعودية إلا جزءًا لم يكتمل قيل إن العمل توقف به لظروف أمنية فرضتها السعودية، أما الطرق بين المديريات والقرى والعزل فلم تكن معبدة؛ حيث كانت عبارة عن «مدقات» أو دروب تمهدت بعض الشيء بفعل الحركة الدائمة عليها بالسيارات.

وهكذا حال بقية الخدمات سواء الاتصالات، أو غيرها سيئة متواضعة لا تفي باحتياجات السكان ولا تكفي طموحاتهم وتطلعاتهم.

الوهابية في بلاد الإمام الهادي

صعدة ومنذ تأسيسها على يد الإمام الهادي قبل ألف سنة تقريبًا لم تعرف مذهبًا إلا المذهب الزيدي، وهو بالعموم مذهبٌ متسامح مع أصحاب المذاهب الأخرى ليس فيه غلو ولا تطرف، وبقيت صعدة زيدية خالصة حتى قررت الوهابية أن تصدر مذهبها المتشدد إلى صعدة لتضمن بعض النفوذ السياسي بمدخل ديني، فكانت البدايات في ذلك العام 1979 وكنت أسمع عن «جُميدة» ذلك التاجر الغني صاحب محطة البترول بمدخل صعدة والذي بنى فيها مسجدًا كبيرًا، وأصبح هو وغيره من المبشرين بالوهابية يقومون فيه على إعطاء الدروس الدينية، وتزامن ذلك مع عودة الشيخ مقبل الوادعي «زيدي تحول للوهابية» من السعودية وإنشائه بدعم وتمويل سعودي ما عرف باسم دار الحديث لتدريس العلوم الدينية على المذهب الوهابي المتشدد في «دماج» الواقعة في مديرية الصفراء، وبسبب ما ذكرت من تسامح الزيدية وربما لم يقدر علماؤها في صعدة وأصحاب الرأي فيها خطورة تلك الدعوة التي بدأت في الانتشار، وربما أيضًا كان هناك تراجع كبير في العلاقة بين علماء الزيدية وبين جماهيرهم؛ حيث كان الملاحظ تقلص سلطتهم على أتباع المذهب واضمحلال التعليم الديني؛ حيث أهملت الدولة عن عمد ربما تمويل المعاهد الدينية الزيدية، وعزف اليمنيون من أهل صعدة عن إرسال أبنائهم لتلك المعاهد التي تدرس المذهب الزيدي، ومع عدم وجود قوة مضادة للأفكار التي جلبها مقبل الوادعي من السعودية، ومع الحالة النشطة من التصدير للمذهب الوهابي من السعودية نشأت جيوب وهابية متشددة نعتت الزيدية بأنهم «أهل بدعة» داعين إياهم للعودة إلى «السنة الصحيحة»، فبدت تلك الشرذمة مستفزة وغير متناغمة مع المحيط الزيدي الذي شعر أن دينه وثقافته مستهدفة من الجارة القوية السعودية، ومن الدولة نفسها بتقاعسها عن مواجهة المد الوهابي، بالإضافة للانعزال الاقتصادي لصعدة، والتهميش الحكومي لسكان المحافظة ما جعلها خارج الدولة اليمنية، ما أدى إلى ظهور شخصيات وحركات معارضة بدأت بمطالب اجتماعية واقتصادية تغافلت عنها الدولة، ما كان تمهيدًا لظهور الحركة الحوثية، كما سيأتي بالأجزاء القادمة من البحث للإجابة عن السؤال، من الحوثيون؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات