كل جيران اليمن وكل الدول المؤثرة لليمن، إما حريصة بانفصال جنوب اليمن عن الشمال أو على الأقل لا تمانع أو تُرحب بانفصال جنوب اليمن عن الشمال.

كيف؟ ولماذا!

يجعلنا نعود ونركز على التاريخ قليلًا والتاريخ مرتبط في استنباط السياسة الخارجية.

دول الجزيرة العربية والمقصود هم جيران اليمن. الدول الستّ من دول الخليج لم تكن سعيدة بالوحدة التي تمت بين اليمنيين عام 1990، والسبب هو خوفها من زيادة وتأثير قوة اليمن إن أصبح موحدًا وقويًا، وليس شرطًا أن الوحدة قد تكون قوة والقوة المقصودة هنا هي أن تكون بمؤسسات قوية وواحدة ومركزية، ولأن اليمن فيه خصوصية عن باقي دول الجزيرة العربية. وشبه الجزيرة العربية بمن فيها دول الخليج هي ملكيات مطلقة في نظامها السياسي، واليمن الدولة الوحيدة من جيرانها جمهورية، ولذلك يوجد تخوف من أن يكون هناك دولة ذات نظام جمهوري وأيضًا، بالإضافة إن كان قويًا من كل النواحي. ومن الممكن أن يحمل أفكار مختلفة تهدد الأنظمة السياسية الموجودة في دول الخليج وقد يمثل خطرًا عليها، والسؤال هنا: هل موقف دول الخليج أوهام!

في الحقيقة لا، هنا نستدعي التاريخ وماحصل في التاريخ السابق، دولة اليمن الجنوبي قبل أن تندمج مع الشمال كانت دولة اشتراكية شيوعية محسوبة على المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي، هذه الدولة كانت تتبنى الأفكار اليسارية، والاشتراكية، والماركسية، وحاولت أن تنشر هذه الأفكار في محيطها بين دول الخليج. ونشر مثل هذه الأفكار تعني نشر معاداة الرأسمالي ومعناها معاداة النظام القبلي، وتعني نهاية الأنظمة الخليجية كما نعرفها الآن.

اليمن الجنوبي تاريخيًا تعاون مع مصر في عهد جمال عبد الناصر، وتعاون مع ليبيا في عهد العقيد معمر القذافي ودعمَ اليمن الجنوبي ثورة ظفار التي كانت موجودة في جنوب سلطنة عمان والذين شنوا حرب على النظام الموجود على سلطان عُمان في منتصف الستينات حتى عام 1975. وعجزت السلطنة بدعم من إيران على أن تحتوي هذه الثورة. ونجح السلطان قابوس بذكائه بأن يتفاهم مع الثوار ويستجيب لبعض مطالبهم، فكان هناك خطر حقيقي يمثله اليمن الجنوبي بأفكاره، وكانت وجهة نظر الخليجيين آنذاك أن اليمن الجنوبي يمثل خطرًا بأفكارهِ، وهو أن يكون اليمن الجنوبي واحدًا، فكيف إذا كان هذا اليمن الجنوبي تحول إلى يمن كبير ومتحدّ. خصوصًا اذا تحالف مع دولة كبيرة من خارج المنطقة لديها أفكار معادية لدول الخليج مثل إيران على سبيل المثال، ومثل تحالف اليمن مع مصر تحت قيادة عبد الناصر.

السؤال المطروح والمشروع لماذا دول الخليج لم تمانع على الوحدة في التسعينات؟

والإجابة هنا بسيطة. فالوحدة هنا لماذا تمت في التسعينات حتى مطلع الألفية!

اليمن الجنوبي كان مرتبطًا بالاتحاد السوفيتي، ويحضى بدعم من الاتحاد السوفيتي، وعندما انهار الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينات أدرك اليمن الجنوبي أنه أصبح بلا راع، ولا راعي دولي لهُ. ولا رعاة إقليميين مثل مصر في ظل جمال عبد الناصر. وبالتالي هرول الجنوب إلى الشمال طلبًا للوحدة على مضدِ من دول الخليج والذي كانت ترى في هذه الوحدة هذه أقل الضررين.

فالضرر الكبير أن يكون هناك يمن جنوبي بأفكاره المتطرفة بالنسبة إلى دول الخليج وهذه الأفكار تتبخر وتصبح جزءًا من دولة يمنية معتدلة بقيادة الشمال، وكان قبول الخليجيين بالوحدة في (ظرف تاريخي ولفترة مؤقتة فقط). والدليل على ذلك أنه في حرب الانفصال في عام 1994 دعم السعوديون وبعض دول الخليج الانفصال.

وكل ما سبق هو تاريخ، والوضع القائم حاليًا، لم يتغير وبنفس السبب وهو وجود الجــارّ الموحدّ، والذي ربما أن يصبح هذا الجار مُزعج بالمستقبل، بالإضافة أن يصبح قويًا على الصعيد العسكري ويمتلك نظرة واحدة في السياسة الخارجية. وهناك دلائل من متحدثين غير رسميين باسم الأنظمة الخليجية على لسان إعلاميين خليجيين مقربين من صناع القرار. فالدكتور محمد الرميحي الأكاديمي الكويتي. عندما أثيرت أفكار انفصال الجنوب عن الشمال نتيجة لصعود طموحات المجلس الانتقالي والذي يمثل التيار الرئيس لفكرة انفصال الجنوب عن الشمال أو ما يسمى بفك الارتباط. كتب الرمحي مقال في صحيفة الشرق الأوسط السعودية قد يكون الحل في اليمن يمنين،  والمقال في مجملهِ يدافع عن فكرة انفصال الجنوب عن الشمال.

وفي نفس الشهر، الأستاذ عبد الرحمن الراشد رئيس تحرير الشرق الأوسط السعودية ورئيس قناة العربية سابقًا، وهو وثيق الصلة بدوائر الحكم السعودي. وكتب أيضًا مدافعًا بأن يصبح اليمن أكثر من يمن بمقال الجنوبيين ومؤتمر جدة. ويقول فيه إن أكثر النخبة السعودية يرون من مصلحة السعودية أن يكون أكثر من يمن، وليس يمنين فقط، بل أكثر من يمنين. وكتب عن تجربة السعودية المريرة في اليمن الموحدّ.

والكاتب الذي لديه نفوذ لا يخفى على أحد في دوائر السلطة بالإمارات عبد الخالق، كتب في أكثر من تغريدة عن نفس الفكرة، وقال في تغريدة: لن يكون هناك يمن واحد موحد بعد اليوم.

وقال وزير الإعلام الكويتي السابق الدكتور سعد العجمي في صحيفة «الإندبندنت عربية». وكان يعزز فكرة الانفصال وقال في بداية مقالهِ: علينا أن نقرّ بأن الجنوب يختلف عن الشمال. وكان مقتنعًا بهذهِ الفكرة وادعى أن اليمن الشمالي والجنوبي مختلفان، ولا يصلحهما أن يكونوا تحت سقف واحد أو سلطة واحدة. والأمثلة كثيرة، وكل هؤلاء الكتّاب يعبرون عن بعض الأفكار التي تدور لموقف دولهم. فمثل هؤلاء لا يتحدثون في قضايا مهمة تمسّ الأمن القومي الخليجي دون تنسيق أو معرفة لولاة الأمر.

وعندما وقعت أحداث أغسطس (آب) في عدن وحاولت الحكومة الشرعية بقواتها تدخل عدن والتي تتضمن قوات من حزب الإصلاح وهذه القوات مدعومة من السعودية. وكانت النتيجة من محاولة اقتحامها لعدن، ما كان من الإمارات، إلا ان ضربت هذه القوات بطائراتها، وضربت القوات الشرعية المدعومة من السعودية لتحمي قوات المجلس الانتقالي.

ومن الطبيعي أن تقول الإمارات رواية مختلفة، وقالت في تصريح عبر بيان الخارجية الإماراتية بأنها ضربت جماعات إرهابية، ولكن هذه قصة أخرى.

ولدينا المجلس الانتقالي التي ترعاه الإمارات ماليًا وعسكريًا وإعلاميًا وسياسيًا ودائمًا ما نرى علم المجلس الانتقالي بجانبهِ علم الإمارات وهذا لا يخفى على أحد. والحقيقة أن الإمارات مثلها مثل الدول الخليجية التي تدعم الانفصال للسبب نفسهِ وهو الحرص بأن لا يكون هناك يمن قوي بشكل الذي قد يشكل خطر على مصالح دول الخليج، ولكن لدى الإمارات أكثر من سببين إضافيين، والسبب الثاني هو طموحها الكبير في توسيع نفوذها الإقليمي عبر الممرات المائية، ونفوذ في كل السواحل وفي كل الموانئ والقنوات المائية الدولية. وأن تتأكد بأن موانئ عدن والحديدة ليست منافسة لدولة الإمارات. والسبب الثالث بما أن الإمارات لا تتحمس مثل باقي دول الخليج، والأمر الذي يزيد من عدائها من اليمن الموحد. هو إن كان من سيقود هذا اليمن الموحدّ قوات ما تسمى بالشرعية، والتي قوامها الأساسي حزب الإصلاح، والذي هو جزء من جماعة الإخوان المسلمين. فكيف بالإمارات التي تحارب الإخوان المسلمين وكل تيارات الإسلام السياسي كـ«القاعدة» و«داعش» وغيره، تدعم جماعة للوصول للسلطة وتكون على أبوابها وتحارب هذه الجماعة في كل بقعة.

ماذا عن السعودية!

مشكلة السعودية مركبة فلديها أولويات متناقضة، هي لا تمانع من انفصال اليمن وترحب، ولكن ليس الآن. وليس في هذا التوقيت وهذا الظرف. وحديث عبد الرحمن الراشد تُعبر عن السياسة السعودية، ولاحقًا ربما ترحب ولا تمانع، ولكن عندما يزول خطر الحوثي ويتراجع نفوذ إيران. فالسعودية توافق الإمارات في انفصال اليمن، ولكن ليس الآن.

فالسعودية تختلف عن باقي دول الخليج اختلافًا مرحليًا، وهنا أقول إنه اختلاف توقيت فقط، لا تريد أي مشاريع قد تشتت التحالف الآن عن الحرب الأهم وهي حرب الحوثيين. فدعم الانفصال بالنسبة للسعودية الآن هو انتهاء الشرعية بمعنى انتهاء التحالف وزيادة نفوذ إيران في وجهة نظر سياستها الخارجية.

والإمارات لديها اعتبارات تخصها بدعم فكرة نفوذ الانفصاليين (المجلس الانتقالي). والسعودية ليسوا قادرين على إقناع الإمارات أو أنهم فشلوا في إقناعها، وفي نفس الوقت لا يسعون لضرب المجلس الانتقالي بشكل كلي قد يحتاجونه بالمستقبل.

فتزايد طموح الانفصال في هذا التوقيت بالنسبة للسعودية تعني فض هذا التحالف العربي، وتعنى زيادة نفوذ الحوثيين في الشمال، وربما يكون بالجنوب في المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد