دخلت الحرب في اليمن مؤخرًا عامها الثالث وهو الأمر الذي قد يُفاجَأ به الكثيرون للوهلة الأولى، نظرًا للصمت والتجاهل الدولي المعهود منذ بدء الحرب الذي على أثره كاد أن ينسى الجميع أن هناك حربًا تدور في تلك البقعة من العالم، وهي التي بدأت في 2014 باعتبارها حربًا أهلية بانقلاب حركة أنصار الله المعروفة إعلاميًا باسم الحوثيين على نظام الرئيس عبد ربه منصور هادي نتيجة إقصائهم عن الحياة السياسية لسنوات، لكنها سرعان ما اتخذت منحى آخر أكثر عمقًا من الناحية السياسية والأهداف الاستراتيجية، بعد أن تدخلت قوات التحالف العربي (عاصفة الحزم) في 26 مارس 2015 بقيادة السعودية وبدعم أمريكي لمواجهة المتمردين وتقويض المعارضة ودحض (الإرهاب) تحت شعار إعادة الشرعية، ليخرج بذلك الوضع عن إطار الشأن الداخلي للدولة، ويعتبرها البعض محاولة سعودية للقضاء على بقايا الثورة والمعارضة والإبقاء على نفوذها في اليمن من خلال هادي، فيما يراها البعض حربًا سعودية إيرانية غير رسمية (بالوكالة) على أرض اليمن أساسها الطائفية والتي لا تختلف كثيرًا عن مثيلاتها في المنطقة، حيث تسعى من خلالها طهران إلى إعلاء رايتها وبسط نفوذها على اليمن (البوابة الجنوبية للسعودية)، في حين تحاول الرياض حماية حدودها والتصدي للمد الإيراني (الشيعي) هناك بعد أن بات النفوذ الإيراني واضحًا في سوريا والعراق ولبنان، بالإضافة إلى العلاقات الأكثر من جيدة لها مع العديد من الدول العربية وإن كانت في الخفاء، ووقف الإمارات لعملياتها العسكرية الداعمة للتحالف في اليمن أو بمعنى آخر انسحابها من الحرب، والعلاقات الباكستانية الإيرانية التاريخية التي لا يمكن المساومة عليها والتي كان نتاجها عدم الانحياز الباكستاني إلى السعودية في الحرب كما كانت تتوقع، وهي العوامل كافة التي ساهمت في ازدياد العلاقات توترًا في المنطقة وتأجيج الصراعات في الخفاء بين الجميع وفي العلن بين خصمين لم يعرفا الود يومًا، ومحاولة كل طرف الاستئثار بأكبر عدد من المؤيدين والداعمين لموقفه في الحرب لضمان نتائجها.

وبغض النظر عن ماهية تلك الحرب الحقيقية أو المسمى المناسب لها، وبغض النظر أيضًا عن أهدافها وغاياتها ما ظهر منها وما خفي رغم تأثير ذلك على الكيفية التي سيتم سرد التاريخ بها مستقبلًا، حيث وكما اعتدنا سيُنصَف القوي المدعوم وإن كان على خطأ ويُزور التاريخ لصالحه، ويكون بالتأكيد لتلك الأهداف أيضًا نصيب من المبررات المقنعة تحت نفس المسمى، إلا أن ما لا يمكن التغاضي عنه هو التهميش المريب والتجاهل المتعمد وغير المفهوم لتفاصيل الحرب المتعلقة بالضحايا، والمعاناة اليومية التي يواجهها الملايين من المدنيين هناك باختلاف طوائفهم وانتماءاتهم، والتعتيم التام لإبقاء أوضاعهم بعيدة عن الأضواء قدر الإمكان، والمحاولات الدائمة لإخفاء مشاهد الدمار الذي تكبدته البلاد نتيجة الحرب من قتل وتشريد وتدمير للبنى التحتية والمعالم التاريخية البارزة، والحول دون إجراء تحقيقات دولية حول ما يدور هناك، وكأن أزيز الرصاص وأصوات الصواريخ التي يدوي صداها في سماء اليمن وتحصد الأرواح البشرية كل يوم هي محض أوهام وخيالات.

فلم تتحرك وسائل الإعلام والصحف العربية أو حتى سعت إلى تسليط الضوء على الحرب اليمنية وبث التقارير وعرض المشاهد والصور على مدار اليوم عن الوضع المأساوي للمدنيين في الداخل لاستعطاف العالم، كما تتسابق للمتاجرة بمعاناة السوريين وصور أطفالهم وأشلاء جثث ضحاياهم، والذي لم يكن يومًا أيضًا من أجل الشعب السوري بقدر ما هو تعاطف واهتمام تُحركه الأهداف السياسية في محاولة لجذب أنظار العالم لتمرير قرارات سياسية لم تكن لتمر لولا ذلك الشحن العاطفي، بالإضافة إلى الرسائل النفسية والسياسية الموجهة من دول تلك القنوات للدول الأخرى في ظل التوترات القائمة، أو لشعوبها مفادها الاستقرار الديكتاتوري أو الدمار محفزة خوف الآمنين من شبح الحرب ليخضعوا في النهاية لمن قد يجنبهم تلك الويلات وإن كانت ضريبته القمع والفقر وتردي الأوضاع، كما لعبت الأهمية الاستراتيجية لموقع سوريا وتقاطع مصالح العديد من الدول على أرضها دورًا في ذلك الاهتمام، وهي العوامل كافة التي وإن لم تكن حاضرة لكان المشهد السوري برمته طي الكتمان كما هو الحال مع اليمنيين اليوم الذين وقعوا بين فكي الرحى وعزلهم التهميش الإعلامي عن العالم الخارجي أجمع، وأصبح اليمن مغلقًا على ما يدور داخله في مشهد علت فيه المصالح السياسية والتواطؤ العربي على كل القيم الإنسانية، حيث التعاطف توجهه السياسة وليس الضمير.

ومع استمرار ذلك التهميش وارتفاع وتيرته بلغ الوضع الإنساني في اليمن ذروة السوء، ويزداد عامًا بعد عام مع الحصار والقصف والصواريخ التي مهما بلغت دقة إصابتها للأهداف لابد أن تخيب وتحصد من لا ذنب لهم بعكس ما تحاول أطراف الحرب إظهاره حتى تتجنب الإدانة، بالإضافة إلى تعمد إطالة أمد الحرب من خلال إصرار كل طرف على إنهاء الحرب عسكريًا لصالحه مهما كلف الأمر، وفشل الحلول السياسية والمفاوضات التي لا يمكن الجزم حتى الآن أن هناك من يسعى لإنجاحها بالفعل، وتراشق الاتهامات في النهاية حول من يتحمل ذنب دماء الضحايا ودرء الجميع المسؤولية عن عاتقهم والتبرؤ منها.

وفي خضم ذلك يدفع المدنيون الثمن وحدهم وبشتى الطرق وأبشعها، حيث يغرقون في الجوع والأوبئة وتعاني غالبية المدن اليمنية من انقطاع شبه تام للكهرباء والماء والوقود على مدار العام ونقص المواد الغذائية والدوائية التي وإن توفرت لا يمتلك الغالبية العظمى المال لشرائها مع انهيار اقتصاد البلاد الهزيل وتوقف رواتب القطاع الخاص والقطاع العام بعد قصف المصانع والشركات بشكل مباشر وغير مباشر، وانهيار النظام الصحي مع تعثر وصول المساعدات الشحيحة التي يجود بها ضمير العالم حينما يفيق من سباته؛ بسبب المطارات والطرق المدمرة والحصار الذي عطل المواني والتي بدورها لم تعد تُستخدم سوى للأسلحة وأغراض الحرب، ويُضاف إلى ذلك انعدام الوجهات التي يمكن أن يقصدها المدنيون الأبرياء للاحتماء بها، حيث لا مخيمات لجوء على حدود الدول (الشقيقة) المجاورة فيضطر الغالبية العظمى منهم إلى النزوح داخل البلاد في بيئة جبلية يصعب التنقل والاحتماء فيها هربًا من حصار الحوثيين إلى حصار قوات التحالف، ومن قصف وغارات جوية إلى اشتباكات وعمليات انتحارية لتنظيم القاعدة الحاضرة في اليمن منذ زمن بعيد، وداعش التي وجدت لها موطئ قدم هناك.

وقد صرحت منظمة الأغذية العالمية أن أربعة من كل خمسة يمنيين يتناولون وجبة واحدة في اليوم ولا يمتلكون طعامًا لليوم التالي، كما صرح جيمي مكجولدريك منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن في فبراير 2017 أن ثلثي الشعب اليمني يعاني من انعدام الأمن الغذائي، وأن أكثر من 17 مليون مواطن من أصل 26 مليونًا معرضون للمجاعات والموت على أثرها، حيث يعاني 3.3 ملايين منهم من سوء التغذية الحاد من بينهم 2.1 مليون طفل وهو الوضع الصحي الذي قد لا يمهلهم انتظار وصول المساعدات التي لا تصل من الأساس حيث يموت طفل كل عشر دقائق بحسب اليونيسيف، وقد صُنفت لذلك 20 محافظة يمنية من أصل 22 ضمن مرحلة الطوارئ.

كما بينت إحصائية الأمم المتحدة (والتي لا تتحرك بدورها إلا بما يُملى عليها ويحقق مصالح مموليها من الدول العظمى) الصادرة في 25 مارس 2017 أن أكثر من 100 مدني يلقون حتفهم شهريًا، وأن عدد ضحايا الحرب منذ بدءها تجاوز 13 ألفًا بين قتيل وجريح من بينهم أكثر من 1500 طفل، وإصابة أكثر من 2150 بتشوهات وإعاقات دائمة، وهي الأرقام التي جاءت بها بناء على معلومات من المنظمات الإغاثية والمنشآت الطبية القليلة في البلاد في حين تجاوز عدد القتلى والجرحى 30 ألفًا بحسب وزارة الصحة اليمنية، ومع ذلك تُعد تلك الأرقام كافة غير معبرة عن الواقع بشكل دقيق لاعتمادها على تقارير المراكز الطبية والتي لا تتواجد في غالبية المدن أو تغطيها، وبالتالي لا إحصاءات دقيقة للمصابين أو القتلى الذين يُدفنون دون أوراق رسمية.

تلك الأوضاع والأرقام لا تُشكل فارقًا كبيرًا بالنسبة لصناع القرار في الغرب الذين سعوا وساهموا لتصل الحرب إلى ذروتها أو حتى صناع القرار من العرب (الفرقاء) والذين هم في أوج تفككهم اليوم، حيث لم يكن من المواقف الدولية إزاء ذلك سوى نداءات ومناشدات من بعض المنظمات الإغاثية تؤدي بها واجبها والتي لا تلقى حتى آذانًا مصغية أو أدنى اهتمام، منها ما كان في فبراير 2017 حينما دعت الأمم المتحدة إلى جمع 2.1 مليار دولار لمواجهة المجاعة في اليمن ولكن شيئًا لم يحدث، لتجدد نداءها في مارس الماضي داعية جميع الأطراف لإيقاف التصعيدات العسكرية وهو ما دعمته جامعة الدول العربية أيضًا ودعت إلى سرعة الاستجابة له، ولكن لا استجابة من الأساس حتى نرجو سرعتها، لذلك لا يمكن تسمية ردود الفعل تلك إلا ترهات سياسية ودبلوماسية تحفظ بها كل منظمة أو دولة ماء الوجه وما هي إلا تعبير صريح عن التخاذل والتواطؤ من سياسيين وحُكام تلك هي عاداتهم، ومن شعوب عربية شتتها الجهل والفقر والطائفية وغيبت وسائل الإعلام الجزء الأكبر من عقولهم لتقمع الديكتاتورية المتبقي منها، لذلك لا تلوح في الأفق حلول تُشير إلى إنهاء تلك الحرب العبثية عن قريب والتي تزيد كل يوم من عدد القتلى والجرحى وتزيد من سخط الشعب اليمني الذي لم تعد أمامه خيارات تُذكر بكل فئاته، لكنها تزيده مع ذلك إصرارًا للصمود منفردًا أمام كل من خذله أو جار عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عدد ضحايا الحرب في اليمن - 30 أغسطس 2016
نداء أممي جديد لتجنب المجاعة - 8 فبراير 2017
الحرب على اليمن تدخل عامها الثالث - 25 مارس 2017
عرض التعليقات
تحميل المزيد