في عام 1958 طلبت حكومة المملكة اليمنية، من حكومة جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشرقية)، إرسال بعثة طبية إلى اليمن لدراسة الوضع الصحي وتقديم الدعم، وبتكليف من وزارة الصحة الألمانية، توجه إلى اليمن، في شهر أغسطس (آب) 1958، الطبيبان رلف بيكر، وهانس جون، وعادا في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، وقدما تقريرًا عن اليمن لحكومتهما.

وقد تم ترجمة التقرير من قبل الدكتور أحمد الصايدي، وإصداره ككتاب بعنوان «اليمن عشية الثورة»، وفي هذا المقال سنحلق في رحلة عبر التقرير الألماني لمعرفة وضع اليمن في تلك الفترة كما وصفتها البعثة الطبية الألمانية، بحيث ندرك كيف كان وضع اليمن في عهد الإمام أحمد عشية ثورة سبتمبر (أيلول) 1962.

فلقد طافا الطبيبان أرجاء اليمن الشمالي وزارا عدة مدن وقرى، وسافرا برًا وجوًا، والتقيا علية القوم وعامة الشعب، لذلك كان التقرير دقيقًا إلى حد ما، وكاتب التقرير الطبيب هانس جون.

– المواصلات

طرق المواصلات كانت متدنية حيث يقول: «ولم تُحل مشكلة المواصلات حتى الآن، فالطرقات بالمفهوم الأوروبي، غير موجودة، باستثناء ثلاث طرق مسفلتة، وهي الطريق الرابط لمدينة تعز بمطارها القريب، والطريق الممتد من تعز نفسها إلى قصر الإمام، والطريق الرابط بين ميناء الحديدة القديم بميناءها الجديد، والطرقات المستخدمة في عموم اليمن هي طرق القوافل، المستخدمة منذ آلاف السنين، وقد جرى توسيعها وإبعاد الصخور منها، لتتمكن السيارات من السير عليها». ويضيف أن نقل البضائع تتم عبر الحمير والجمال، وأما في المدن اليمنية الرئيسة فيقول «يستخدمون الدراجات، والموتوسيكل، وعدد محدود من السيارات الأوروبية، وكذلك الحنطور، الذي ينتمي إلى عصور ماضية».

أما بالنسبة للطيران الداخلي فيذكر بأنه لا يتم النقل بواسطته إلا بإذن الإمام أو بمعنى آخر لا تستخدم الطائرة، إلا لنقل أشياء تخص الإمام أو الحكومة، والطيارون في اليمن هم: سويديون، وسوفيتيون، ويوغسلافيون، والمطارات مجرد مساحات ترابية ومدارجها غير مغطاة بالإسمنت، أما الرحلات إلى الخارج فيقوم بها الطيران الحبشي، والسعودي، وللخطوط الجوية الحبشية رحلتان أسبوعيًا، من أسمرة إلى الحديدة وتعز، ثم العودة.

ويضيف «يوجد في المدن مراكز بريد، يعين موظف البريد من قبل الإمام، وتطبع طوابع البريد خارج اليمن. وتسعيرة إرسال رسالة بسيطة في البريد الجوي 12 بقشة، أي ما يساوي 80 إلى 85 فنجا ألمانيًا، وبهذا تعتبر تسعيرة البريد اليمني أعلى تسعيرة بريد في العالم».

أما بالنسبة للموانئ فيقول «يوجد في اليمن ثلاث موانئ: الحديدة، والصليف، والمخاء. ولم يعد للميناءين الأخيرين اليوم أي أهمية، أي سنة 1958. فتراكم الرمال يجعل الحركة الملاحية فيهما غير ممكنة»، كما يذكر بأن ميناء الحديدة يلاقي صعوبات في نقل البضائع من البواخر حيث تتم بطريقة بدائية وتلحق أضرارًا بالبضائع.

– شكل الدولة

يتكون علم المملكة المتوكلية من خلفية حمراء عليها سيف أبيض وخمس نجوم بيضاء، والإمام هو الملك وقائد الجيش ويذكر في التقرير بأن الشعب خلع على الإمام أحمد لقب (الجني)؛ لأن الشعب يعتقد أن الإمام يستطيع أن يتعامل مع الجن.

أما بالنسبة للحكومة فيذكر الطبيب هانس جون بأن وزير الخارجية هو ولي العهد (ابن الإمام) ووزير التعليم هو أخو الإمام وهو في ذات الوقت وزير الصحة ووزير التجارة، وجميع الوزراء هم إما من أقارب الأسرة الحاكمة، أو من المقربين منها، ولا توجد وزارات في اليمن بالمفهوم الأوروبي.

ولم يكن يوجد في ذلك الوقت سفارات للدول في صنعاء، بل كان هناك تمثيل دبلوماسي، أو تجاري وهي لدول محدودة (السعودية، ومصر، وإيطاليا، وألمانيا الشرقية، والغربية، والإتحاد السوفيتي، وأمريكا، وبريطانيا)، ويقيمون في السعودية بحيث يعتبر ممثلًا غير مقيم لبلاده في اليمن.

– الاقتصاد

ويطرق التقرير إلى الجانب الاقتصادي في اليمن فيذكر أن ميزانية الحكومة 15 مليون دولار أمريكي، وهي ميزانية منفصلة عن ميزانية الأسرة الحاكمة، والعبء الضرييي المفروض على الشعب مرتفع جدًا، وتبلغ الضرائب الجمركية 20% من قيمة البضائع، وإن النظام الإقطاعي هو الأساس، ولا يوجد بنك محلي، والبنك السعودي هو البنك الوحيد في اليمن.

ويذكر أن العملة الرسمية في اليمن هي ريال ماريا تريزا، والبقشة، فأما الريال فعملة فضية نمساوية قديمة، تعود إلى القرن الثامن عشر ميلادي، ويعرف لدى الشعب اليمني بالريال الفرنسي، وأما البقشة فهي عملة من الفضة والنحاس، ويساوي الريال الفرنسي بـ40 بقشة.

كما يذكر بأن مجال العمل الرئيس في اليمن في تلك الفترة هو الزراعة، ولكن طرق الزراعة بدائية، وكما يقول: إن «استخراج الماء من الآبار بنفس الطريقة التي كان يُستخرج بها في زمن التوراة».

وأهم الصادرات اليمنية: البُن، والقطن، والجلود، وأصواف الماعز، وأنواع مختلفة من المحاصيل الزراعية، التي تصدر إلى البلدان المجاورة.

وأهم هذه البلدان المستوردة من اليمن، هي الاتحاد السوفيتي، وأمريكا. وتستورد أمريكا البُن بصورة رئيسة.

ويذكر بأن مشكلة الطاقة، مشكلة من الصعب جدًا حلها والمصدر الطبيعي للطاقة، هو الماء، لا يستفاد منه مطلقًا. وفي موسم الأمطار تمتلئ مجاري السيول بكميات كبيرة من المياه، التي لا يستفاد منها في أي مكان، ويستخدم النفط والبنزين للإضاءة والطباخة، أما عامة الشعب يستخدمون الحطب والفحم وروث الأبقار المجفف للطباخة.

– الصحة

أما في الجانب الصحي فيذكر «لا توجد مستشفيات خاصة في اليمن. أما المستشفيات الحكومية، فهي مستشفى واحد في كل من تعز وصنعاء والحديدة وحجة والبيضاء»، ومدراءها ليسوا أطباء ويعينوا من قبل الإمام، ويرى أن مستشفى الحديدة الوحيد الذي يعتبر مستشفى متكامل، ، كما يضيف «لا يوجد في اليمن أطباء يمنيون متخرجون من الجامعات. ويعتبر التدريب في أحد المستشفيات لمدة عامين كافيًا، ليحصل المتدرب على تصريح يخوله العمل حكيمًا (طبيبًا)، بعد أن يجتاز امتحانًا رسميًا يجريه له مدير المستشفى». كما أنه في مستشفى تعز توجد عيادة الأسنان الوحيدة في اليمن، ويعمل بها طبيب إيطالي.

ومن ناحية الأدوية فإنه لا يوجد مصنع أدوية وتجارة الأدوية غير مقيدة مما أدى إلى التلاعب بالأسعار، ويحكي «في أحد المحلات في صنعاء وجدنا كميات كبير من الهينفونج، والمصنوع في مدينة تورنجن في المانيا الغربية، ويرغب الناس في شرائه لاحتوائه على كمية كبيرة من الكحول، فبهذه الطريقة يمكن الالتفاف على منع المشروبات الكحولية».

ويذكر بأنه لا توجد إحصاءات دقيقة بالمرضى أو الأمراض المنتشرة بين أوساط الشعب، الذي كان يعاني من أمراض السل، والجذام، والكساح، والبلهارسيا.

– العمل

وأما من جانب العمل وقوانينه فيذكر «لا يوجد في اليمن قانون حق العمل ولا مؤسسات رعاية صحية، كما لا توجد أيضًا قوانين لحماية القوى العاملة ومن خلال مراقبتنا لمعامل الحرف اليدوية وأماكن الإنتاج الصغيرة، وجدنا أن شروط العمل فيها، وفقا لمفاهيمنا، لا تليق بكرامة الإنسان. وتحدد ظروف المنطقة، وضوء النهار، والمناخ، والعادات والتقاليد، ساعات العمل، ومفاهيم الإجازات والعطل مفاهيم غير معروفة في اليمن».

ومن جانب نظافة الشوارع وطرق رمي القمامة في ذلك الوقت فيقول: «وترمى قمامة المنازل إلى الشارع. وتلتقط الكلاب والقطط كل ما تحويه القمامة من مواد قابلة للأكل، ولأن الكلاب لا يتم إطعامها ولا يسمح لها بدخول البيوت؛ لأنها تعتبر نجسة، فإن الجوع يجبرها على التقاط كل ما يمكن افتراسه في الشارع. وما تبقى من مواد القمامة يستخدمها الأطفال في الشارع كأدوات للعب، وفي المدن الساحلية ترمى كل القاذورات إلى البحر».

التعليم

لم يكن هناك اهتمام بالتعليم، حيث يذكر بأن المدارس كانت متوفرة فقط في المدن الرئيسية، ومتاح للصبيان الالتحاق بها، والمدرسة ليست كما اليوم، وإنما مدرسة يُعلم فيها القرآن ويُشرح، وفي صنعاء توجد المدرسة العليا وتعتبر مدرسة داخلية، والإمام وحده هو من يقرر من يلتحق بها، والملتحقون بها هم أبناء الطبقة العليا من الشعب، وأساس المنهج الدراسي هو القرآن الكريم ودروس محدودة في الحساب، والهندسة، والفيزياء، والكيمياء.

الإعلام

توجد محطة إذاعية وحيدة في صنعاء، ولا يتجاوز بثها بضع ساعات في اليوم، وتتكون البرامج الإذاعية من الأخبار، والموسيقى، والبرامج التثقيفية، وتصدر الصحيفة الحكومية من مدينة تعز، ولا تصدر بشكل يومي، ولا توجد صحيفة غيرها في أرجاء البلاد.

وهذه نظرة بانورامية على وضع اليمن عام 1958 من وجهة نظر ألمانية، ولعلها كانت سببًا في اندلاع ثورة سبتمبر (أيلول) عام 1962، أي بعد أربعة أعوام من زيارة البعثة الطبية الألمانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ألمانية, اليمن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد