مقدمة
في الأيام الأخيرة شهدت اليمن تغيرًا تاريخيًّا شكّل صدمة للكثيرين، حيث سقطت العاصمة صنعاء في يد الحوثيين التابعين لإيران، مما ينذر بحدوث تغيرات إقليمية وعالمية كبيرة.

وحقيقة الأمر أن اليمن بلد مليء بالأحداث والحروب والقضايا التي لها أبعاد إقليمية ودولية كثيرة، وقد قامت ثورة الشباب في اليمن في ظل ظروف وأوضاع معقّدة جدًّا على الساحة الدولية والإقليمية، حيث يوجد الحوثيون الشيعة المدعومون من إيران، والمستهدفون من قبل المملكة العربية السعودية، وتنظيم القاعدة الموجود في جنوب اليمن، والذي يحاربه الجيش اليمني بمساعدة أمريكية.

 

إذًا فنحن أمام صراع محاوره الرئيسة هي الدولة اليمنية بجيشها وحلفائها وعلى رأسهم حزب الإصلاح، وجماعة الحوثي بميليشياتها، وتنظيم القاعدة ومسلحيه.

وفي ظل هذا الوضع قامت ثورة شبابية تمثلت في اعتصام سلمي على غرار ثورتي مصر وتونس تطالب بالحرية وإسقاط النظام.

 

وبعد مرور ثلاثة أعوام على الثورة اليمينة، يدور التساؤل عن أهداف هذه الثورة وما حققته من نتائج؟ وماذا عن مستقبلها أيضًا؟

وماذا عن الدور الدولي الجديد لليمن بعد سقوطها في يد الحوثيين في ظل التحالف الدولي ضد (الإرهاب)؟

وكيف ستتعامل المملكة العربية السعودية مع الحوثيين؟ وما هو مصير تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في ظل التحالف الدولي والسيطرة الحوثية على اليمن؟

 

أولا ) الدولة اليمنية وشركاؤها في الداخل:

نشأت الدولة اليمنية بوضعها الحالى عام 1962، حيث تحولت من حكم الشيعة الزيدية الملكي إلى الحكم العسكري الجمهوري على غرار الثورة المصرية 1952.

 

وتحققت الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب عام 1990، وتم إعلان الجمهورية القائمة على التعددية الحزبية، واعتماد الوسائل الديمقراطية في اليمن.

 

وقد كانت حزب التجمع اليمني للإصلاح من أبرز المشاركين في العملية السياسية، ومن أكثر الحاصدين للمقاعد البرلمانية، حيث أنشأته حركة الإخوان عام 1990، وضم كبار الزعامات الإسلامية وزعماء القبائل، وارتكز على قاعدة شعبية قوية.

وقد بقي الحزب في موضع المعارضة السياسية بعد فوز حزب المؤتمر الشعبي بأغلبية مريحة عام 1997، وظل معارضًا سياسيًّا ينتهج الأساليب الديمقراطية التي أتاحتها الدولة للمعارضة، حيث لم يخرج على شرعية الدولة اليمنبة أبدًا، حتى قامت ثورة الشباب عام 2011. (5)

 

وقد دخلت الدولة اليمنية في صراع طويل مع الحوثيين والقاعدة، وكان حزب الإصلاح يؤيد الدولة في حربها ضد القاعدة، ويدعو إلى إنصاف الحوثيين والتهدئة معهم وتفهّم مطالبهم.

* ثورة الشباب والدولة اليمنية:
قامت ثورة شبابية سلمية عام 2011، على غرار ثورتي مصر وتونس واستمرت لشهور مطالبة بتحقيق الديمقراطية وترسيخ الحرية، وقد تفاعلت الأطراف الساعية لهدم الدولة اليمنية مع هذه الثورة – مثل الحوثيين والقاعدة- وشاركت فيها بقوّة، وقد استطاع المجتمع الدولي الالتفاف على هذه الثورة وإنهائها عن طريق المبادرة الخليجية التي تبنت عزل الرئيس عبد الله صالح وتولية نائبه، وبقاء الدولة اليمنية في مسارها التابع للمملكة العربية السعودية في محاربتها للحوثيين، وللولايات المتحدة في محاربتها للقاعدة.

 

* حزب التجمع اليمني للإصلاح والصراع على الدولة:
لم يتغير دور الدولة في اليمن كثيرًا عما كان قبل الثورة، فقد استمرت الدولة اليمنية تمارس نفس الدور الذي رسمته لها القوى الدولية والإقليمية، فظلت تحارب الحوثيين بالوكالة عن السعودية، وتحارب القاعدة بالوكالة عن الولايات المتحدة، والمتغير الوحيد هو موقف الإخوان المسلمين الذي كان مساندًا ومتفهّمًا لمواقف الحوثيين قبل الثورة، إلا أنه بعد الثورة وبعد أن أصبح مشاركًا رئيسًا في النظام اليمني تحوّل إلى محاربة الحوثيين، ومساندة الجيش اليمني ضدهم، حتى حدث ما حدث من سقوط مدوٍ للدولة اليمينة، ومعها حزب الإصلاح.

وقد كان لحزب الإصلاح جولات عديدة في محاولة الوصول إلى الدولة اليمنية وحكمها من الداخل، كما هي استراتيجية الإخوان المسلمين في كل البلاد العربية.

 

وقد شارك حزب الإصلاح في الثورة اليمينة من بدايتها، إلا أنه وقد ساهم في إخمادها ودفع الثوار للاستجابة للمبادرة الخليجية، وذلك لضمان وصوله للسلطة عن طريق الانتخابات بعد هذه المبادرة، وبالفعل أصبح حزب الإصلاح مشاركًا رئيسًا في الحكومة اليمنية بعد الثورة، حتى أصبحت له ألوية مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش اليمني ضد الحوثيين، وتحولت الساحة اليمنية إلى صراع بين الحوثيين من جانب، والدولة وحزب الإصلاح من جانب آخر.

وبدا أن النظام اليمني يحتاج إلى الإخوان المسلمين وأحزاب اللقاء المشترك لتقوية جبهته الداخلية ولكسب تأييد شعبي، وذلك لتوظيفهم في حربه ضد الحوثيين والقاعدة، بحيث يستطيع النظام ضرب خصومه التاريخيين المتمثلين في جماعة الحوثي وتنظيم القاعدة، ثم يتفرّغ للقضاء على الإخوان بدعم من المملكة العربية السعودية التي تشن حربًا دولية على جماعة الإخوان المسلمين.

 

وقد تطورت الأمور بشكل سريع فاق كل التوقعات، حيث انهار حزب الإصلاح تحت جحافل قوات الحوثيين التي اجتاحت صنعاء وسيطرت على الحكم في اليمن، ولم يمهل الحوثيون الدولة اليمنية للقضاء على الإخوان فقد قامت جماعة الحوثي بالقضاء عليهما معًا.

ثانيًا) التمرد الحوثي وأبعاده الإقليمية والدولية:

* من هم الحوثيون؟
الحوثيون في الأصل هم من الشيعة الزيدية، وهو مذهب محسوب على الشيعة ومنتشر في اليمن منذ قرون طويلة، وهذا المذهب يعد أكثر الفرق الشيعية اعتدالاً وتقاربًا مع أهل السنة، حيث لا يؤمن بمعتقدات الشيعة الاثني عشرية المنتشرين في إيران.

 

وبدأت قصة الحوثيين بخلاف حول فتوى أصدرها علماء زيدية بعد الوحدة عام 1990، وعارضها بدر الدين الحوثي تمامًا لتعارضها مع المذهب الزيدي من وجهة نظره.

ومع الوقت ازداد التطرّف الفكري لبدر الدين الحوثي حيث بدأ يدافع بشكل صريح عن المذهب الشيعي الاثني عشري، وبسبب المقاومة الشديدة لفكره من قبل علماء الزيدية فقد اضطر للهجرة إلى إيران، ومكث هناك عدة سنوات.

ورغم عدم تواجده في اليمن إلا أن أفكاره بدأت في الانتشار خاصة في منطقة (صعدة) والمناطق المحيطة بها، وذلك بفضل ابنه (حسين بدر الدين الحوثي) الذي كوّن جماعة خاصة به سعت لنشر أفكار بدر الدين الحوثي التي تتقارب مع الاثني عشرية الإيرانية.(2)

 

* بداية الصراع مع الحكومة اليمنية:
في عام 2004، خرجت مظاهرات عارمة نظمها الحوثيون بقيادة حسين الحوثي في شوارع اليمن رفضًا للغزو الأمريكي للعراق، ويبدو أن الحكومة اليمنية قد وصلت إليها معلومات تؤكد أن قوّة الحوثيين بدأت تتنامى بشكل يهدد حكمها، خصوصًا بعد عودة بدر الدين الحوثي من إيران واحتمالية كونه حصل على دعم إيراني، ليصبح الحوثيون ذراعًا إيرانية في اليمن.

ويدل على هذا القسوة الشديدة التي واجهت بها الحكومة اليمنية هذا الحراك الحوثي، حيث شنّت حربًا بالطائرات واستخدمت آلاف الجنود في هذه الحملة على الحوثيين، وأدى ذلك إلى مقتل زعيم التنظيم (حسين الحوثي) وتولّى والده (بدر الدين الحوثي) زعامة التنظيم مكان ولده.

 

* الأبعاد الإقليمية في قضية الحوثيين:
وقد تأكد الظن القائل بالتمويل الخارجي للحوثيين، حيث ثبت أن التنظيم كان قد سلّح نفسه جيدًا قبل ذلك، وتمكن من مواجهة الحكومة اليمنية لعدة سنوات.

 

ورغم النفي الإيراني للتهم الموجهة لهم بدعم الحوثيين، إلا أن شواهد عديدة تثبت الدعم الإيراني للحوثيين منها دعم الإعلام الإيراني لقضية الحوثيين، وكذلك فإن دولة إيران ذات مصلحة كبيرة في خلق ذراع جديدة لها في اليمن، وذلك لمحاصرة المملكة العربية السعودية في إطار الحرب الباردة الدائرة بين البلدين.

 

ويثبت ذلك أيضًا التحوّل الفكري الغريب الذي طرأ على بدر الدين الحوثي، وتبنيه للمذهب الشيعي الاثني عشري الذي تتبعه إيران، والذي يعتمد مبدأ (ولاية الفقيه)، وقد يكون بدر الدين الحوثي قد وجد في هذا المذهب فرصة جيدة للوصول إلى الحكم في اليمن بدعم إيراني.

 

وقد شعرت المملكة العربية السعودية بهذا الخطر الإيراني الذي يهددها في اليمن التي تعتبرها السعودية عمقًا استراتيجيًّا لها، فقامت المملكة بشن حرب على الحوثيين مستخدمة طائرات f15 في سبتمبر 2008، وذلك في محاولة لاستعادة نفوذها في اليمن في مواجهة النفوذ الإيراني، وقد تعاونت الأردن والمغرب مع السعودية في هذه الحرب، حيث شاركت الأردن مشاركة عسكرية، بينما قطعت المغرب علاقاتها مع إيران عام 2009.

الحوثيون والثورة الشبابية السلمية:

عندما قامت الثورة استغلها الحوثيون لصالحهم بشكل كبير، حيث انتهزوا فرصة انشغال الجيش اليمني عنهم، وبسطوا سيطرتهم على محافظة صعدة كاملة، وبدأوا في التوسع في المحافظات المجاورة لها مثل محافظة (عمران)، كما أعلنوا تأييدهم للثورة وأرسلوا عناصرهم المدنية للاعتصام وسط الشباب في ميدان الثورة في صنعاء.

وقد رفضت جماعة الحوثي المبادرة الخليجية التي أنهت الثورة تمامًا، ورفضوا التعامل معها، وسبب ذلك بالطبع هو ضمان هذه المبادرة استمرار (اليمن) تحت التبعية لدول الخليج وللولايات المتحدة الأمريكية، بينما تريد جماعة الحوثي انتقال الدولة اليمنية إلى تبعية محور إيران في المنطقة.

وبالرغم من هذا إلا أن الحوثيين فاجأوا الجميع بقبولهم الانضمام إلى الحوار الوطنى الذي عقد في اليمن منتصف عام 2013، والذي كان يرمي إلى التوصل إلى اتفاق يضع جميع الأطراف تحت طائلة القانون في الدولة اليمنية، وتخلى جميع الميليشيات عن أسلحتها.

وقبل انتهاء الحوار بأسابيع انقلب الحوثيون عليه، وبدأوا في عمليات عسكرية جديدة، حيث بدأوا بالهجوم على محافظة عمران ومديرية أرحب، وذلك لعلمهم بأنهم الخاسر الأكبر من هذا الحوار حيث أن قوتهم ستزول، وكذلك لتخوفهم من انتصارات الجيش الأخيرة التي حققها على القاعدة في جنوب اليمن، مما أقلق الحوثيين وأشعرهم بأن النظام سوف يتفرغ لهم بعد انتهائه من القاعدة وخطرها.

ومع توسع عمليات الحوثيين العسكرية ضد المحافظات التي تضم قبائل من حزب التجمع اليمني للإصلاح، وخاصة محافظة (عمران)، بدأ الجيش اليمني يشن هجومًا موسعًا ويرد ردًّا رادعًا على الحوثيين استخدم فيه الطيران الحربي، وذلك بالتعاون مع اللواء 310 التابع لحزب الإصلاح الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.

 

وقد استطاع الحوثيون مؤخرًا السيطرة على مدينة عمران كاملة، وطرد مسلحي حزب الإصلاح منها، وذلك يوم الثلاثاء 9 يوليو 2014.

 

بعد سقوط عمران بدأت المخاوف تثور بشدة حول إمكانية سيطرة الحوثيين على صنعاء وحكمهم لليمن بشكل كامل، وبالفعل وقع المحظور مؤخرًا، حيث سقطت صنعاء كاملة في يد الحوثيين في الحادي والعشرين من شهر سبتمبر 2014، في تطور خطير أصاب الكثيرين بالصدمة، حيث أضحت اليمن فجأة مجرد امتداد جديد لإيران، أو ولاية من ولاياتها.

البعد الإقليمي والدولي في سقوط صنعاء:

وتثور الشكوك حول سيطرة الحوثيين على صنعاء في ظل الحشد العالمي ضد ما يسمى بالإرهاب، الذي تنشغل به دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخليج بالإضافة إلى إيران، فموقف المملكة العربية السعودية ليس حاسمًا ضد الحوثيين كما كان من قبل، بالرغم من التمدد غير المسبوق للحوثيين وما سينتج عنه من تهديد إيراني للمملكة.

وقد يكون سماح المملكة وتمريرها لانتصارات الحوثيين – في الوقت الذي تغير بطائراتها على مراكز الجهاديين في سوريا- يقع في إطار استراتيجية التحالف الدولي، وما ينتج عنها من موازنات جديدة بين القوى الإقليمية، خاصة السعودية وإيران.

 

من المعروف أن السعودية وإيران تشتركان في عدائهما لتنظيمات السلفية الجهادية، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية، كذلك تشتركان في دعوتهما للمجتمع الدولي للتدخل في مواجهة (الإرهاب) وإنقاذ سوريا والعراق من الجماعات الإرهابية، وإن كان اختلاف المصالح، ورغبة كل طرف في التوسع على حساب الآخر ما تزال قائمة.

 

وبالتالي فإن الوضع الجديد والخطر البارز الذي يهدد الدولتين دفعهما لقبول واقع جديد، وإبرام توازنات جديدة لم تكن أي من الدولتين لتقبلها من قبل، فلم تكن السعودية أبدًا لتقبل بسيطرة الحوثيين على صنعاء، بمعنى حكمها لليمن بشكل كامل، إلا أنها مررت هذا الأمر مؤخرًا في مقابل تنازل آخر من قبل إيران، حيث ستتم مقايضة صنعاء بدمشق، فمن المنتظر تخلي إيران عن تمسكها بسوريا، وانسحاب مقاتليها من سوريا بعد القضاء على التنظيمات الجهادية، وتسليم سوريا للجيش الجديد الذي يتم تدريبه وتسليحه الآن في السعودية.

 

هذا بالإضافة إلى القضاء على الإخوان المسلمين في اليمن المتمثلين في حزب الإصلاح، وبالتالي يتم تسليم سوريا للمملكة العربية السعودية، وتسليم اليمن لإيران، وبذلك تتم الصفقة بالكامل برعاية التحالف الدولي، وبما يحقق مصالح النظام العالمي الذي لا تتم مثل هذه الصفقات إلا تحت سمعه وبصره.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

• أحمد محمد عبد الغنى، التجمع اليمني للإصلاح، تاريخ ومواقف، موقع مأرب برس 7 مارس 2009.
• راغب السرجانى، قصة الحوثيين، الذراع الإيراني الجديد، موقع قصة الإسلام 16 سبتمبر 2009.
• حمود ناصر القدمي، إلى أين يتجه الصراع بين الدولة وتنظيم القاعدة في اليمن، المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية 12 يونيو 2014.
• مصطفي الأنصارى، موعظة بن لادن إلى المالكي وداعش، جريدة الحياة اللبنانية 17 يونيو 2014.
• علي بكر، لماذا تصاعد نشاط تنظيم القاعدة في اليمن، مجلة السياسة الدولية 13 مارس 2012
عرض التعليقات
تحميل المزيد