سؤال الهوية ليس سؤالا مرتجلاً أو نزوة طارئة أو (تقليعة) ليس لها ما يبررها، إنه سؤال مُلِح اليوم، فالعالم كله وبالذات الدول الفاعلة فيه والمؤثرة أصبحت تتحكم فيه مسائل الهوية أكثر مما تتحكم فيه القضايا الاقتصادية والحياتية.

والسبب في ذلك أن السياسات كانت إلى وقت قريب يُحددها البعد الاقتصادي، حيث يركز اليسار على برامج الرفاه الاجتماعي للطبقة الوسطى، ويركز اليمين على تعزيز القطاع الخاص وتحجيم الدور الحكومي. ولقد رأينا مؤخرًا أن قلق الهوية هو الذي دفع الرئيس الفرنسي ماكرون لاختراع (إسلام فرنسي) والحلم باستعادة الفرانكفونية لمكانتها في التأريخ.

وسياسات ترامب التي أفرزت ثقافة أربكت الخيال الأمريكي الجمعي فوجد نفسه كما رأينا في نتائج انتخابات نوفمبر2020 ينزع إلي الهوية الأمريكية الواحدة عوض الانقسام الحاد الذي سببته فترة الرئيس ترامب.

أمّا في اليمن فقد كان انقلاب الحوثيين في 21 سبتمبر 2014  بمثابة قنبلة انفجرت في وجه اليمنيين وجدوا أنفسهم أشتاتًا ممزقين كل ممزق. وإذا بالأحزاب بمختلف توجهاتها تكرس حالة الانقسام عوض أن تأتلف على مشروع وطني جامع يجسد الهوية اليمنية.

تأريخيًا عرف مسار الهوية اليمنية تغييبًا لجهة صعود تيارات أيدلوجية عابرة للحدود أممية مثّلها اليسار والقومية وإسلامية ذات منزع عالمي الرسالة ،فلا العرق (الكور) باللهجة اليمنية الذي استقدمه اليسار يمني ولا العمامة تشبه العمامة اليمنية. وإذا بالشخصية اليمنية تجتالها تيارات تأخذها ذات اليمين وذات الشمال.

وعندما تحاول تكوين ملامح الهوية اليمنية بوصفها عناصر الشخصية اليمنيه الفردية أو بوصفها ثقافة جمعية، تبحث عن ملامح اليمني في ملبوسه ومنطوقه وعاداته وتقاليده فيُعييك البحث.

خذ مثلًا التوجه الإسلامي وقد كنا إلي وقت قريب لا نضيف كلمة (السُّنِّي) لنميزه عن كيان ولّىٰ شطره نحو إثني عشرية إيران، هذ التوجه الإسلامي السُّني ينقسم إلى تيارات، ففيه المحافظ أو السلفي وفيه أتباع مدرسة الإصلاح الإسلامي من رشيد رضا إلي الإخوان وفيه دعاة الإسلام الديمقراطي التحديثي.

الأول يمثله خريجو الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وجامعة محمد بن سعود المتأثرة بدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وقد جاسوا خلال الديار اليمنيه وابتنوا قلاعًا علمية ومدارس في طول البلاد وعرضها لا تزال ارتداداتها شاهدة.

وتيار الإخوان أو مدرسة الإصلاح كما يحلو لهم أن يتسموا الذي يرى أنه كلما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صُلب أوطاني ،حتى ترددت طرفة غير حقيقية لكنها معبرة أثناء جمع تبرعات لمعركة تورا بورا في أفغانستان، أن صحفيًا سأل الشيخ الأحمر ممثل التيار القبلي في حزب الإصلاح عن ماذا تعرف عن تورا بورا؟ فقال (زيما عندنا زيطي ميطي).

وتيار ثالث تحديثي يمثله مثقفون اطلعوا على ثقافات عصريه ولديهم محاولات تحديث داخل أحزابهم وجماعاتهم ولكن صوتهم خفيض ضعيف النبرات.

أحاول أن أُدقق هنا خشية أن أحاكمهم إلى أفكارهم المؤسسة، آخذًا في الاعتبار أن هناك تطورًا فكريًا ومسارًا تأريخيًا للأفكار وأن أدبياتهم أفسحت المجال لمفاهيم الوطن والوطنيه والقيم الحديثه كالديمقراطية وغيرها، وأنه لم تعد الهوية الوطنية والقومية رجسٌ من عمل الشيطان وانحراف عن العقيدة الصحيحة، ولكن العيان والممارسة يكذبان الخبر!

لا مجال أمام اليمنيين مجتمعًا ونخبًا سوى أن يخوضوا معركة التوحد والتعايش والائتلاف على مشروع (ذو منزع وطني) مشروع وطني جامع يأخذ في الاعتبار العروبة والإسلام والجوار أو المحيط الإقليمي والموقع الجيوسياسي لليمن كروافد للهوية اليمنية.

على اليمنيين أن يواصلوا جدلهم بشأن الهوية اليمنيه الجامعة عميقة الجذور المتأصلة في أعماق التربة اليمنيه، ويفتشوا عنها في عقلية اليمني التاجر الطموح صياد البروق جواب العصور المنفتح على العالم التي تتجلى زمن الرخاء، وفي روح المزارع اليمني نبت الأرض وابن السماء التي تتجلى في أوقات الشدة الذي يثور ولا يرضى الضيم، اليمني الكريم العزيز الجبار ومن هؤلاء تتشكل الشخصية اليمنية بكل تنوعاتها وإشعاعها وخطواتها نحو المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد