أحدث الصراع في اليمن صعوبة في الحياة، وضيقًا في العيش، وبؤسًا على وجوه القوم، ويأسًا وفقدانًا للأمل والنظر إلى المستقبل.

فلو نظرنا إلى الحالة التي يعيشها اليمن من وضع سياسي عام، واقتصادي بشكل أخص، نجد أن الصراع أدى إلى انكماش الناتج المحلي، بل إنه شبه متوقف، وانحسار صادرات النفط مما أدى إلى انخفاض الإيرادات العامة، وشحت مصادر الدخل، واسُتنفد الاحتياطي العام من العملة الأجنبية الذي أثر بدوره على الحياة المباشرة لليمنيين، وقدراتهم في الحصول على الكفاف من أساسيات الحياة، والانعتاق من ظلم الفقر المدقع، وشبح الموت الذي يلوح فوق رؤوسهم وبين أيديهم ومن خلفهم؛ فقد انخفضت القوة الشرائية للريال اليمني، وتدهورت العملة بشكل مريع حتى وصلت خلال نهاية العام الجاري إلى أكثر من 600 ريال مقابل الدولار الواحد، وضعفت القدرة الشرائية للفرد بشكل ملحوظ حتى عجز عن توفير أبسط مقومات الحياة، فصار اليمني عاجزًا عن استيفاء مستلزمات الحياة الأساسية له ولأسرته.

فمنذ تغول الحوثيون على السلطة، وسيطرتهم على البنك المركزي اليمني ومقدرات الدولة جرى تسخيرها لتغذية الحروب، وإنشاء ثروات للقيادات والمشرفين، وامتلاك العقارات حتى صارت أسعار العقارات تتصاعد بشكل مهول وتتناسب عكسيًّا مع أوضاع الحروب، ففي الوقت الذي تفتح الجبهات، وتحصد الحروب الأخضر واليابس نجد أسعار العقارات تتصاعد يومًا بعد آخر ليدلنا على أن هناك حرب من أجل التجارة، كما ظهرت رؤوس أموال جديدة، ووجوه غير مألوفة تتحكم بالأسواق، وتحتكر السلع والخدمات، وتضاعف أسعارها بشكل سافر، كما انتشرت الأسواق السوداء للنفط والغاز وغيرها من السلع التي يحتاج إليها المواطن، وفي الوقت نفسه وفي ظل تصاعد الأرصدة للقيادات، قُطعت الرواتب منذ 2016 حتى اليوم عن الموظفين والمعلمين بشكل تعسفي، والذي لم يكن يتوقع اليمني أن يطل عليه يوم بدون مصدر رزق، أو جذوة دخل، أو يُقطع حقه ورفيق معيشته، وصار المعلم محرومًا من أبسط حقوقه، إلا من أعتق نفسه من المنظمات أو كسب آخر، كما أنه مجبر في الوقت ذاته على أداء مهمته دون النظر إلى حاجته، وأمعاء أسرته.

ولم يكتف الحوثيون بهدم حق المعلم، والموظف المغلوب على أمره، بل سيطرت الجماعة على كل المفاصل ومارست شتى أنواع الضغط على التجار الكبار، والمحال الصغيرة في كل المهن والخدمات وابتزازهم بالعتاوات التي لا حد لها، ولا حصر للمبررات والإطارات التي يستظلون تحتها، فتارة الحرب، وتارة العدوان، وأخرى للمناسبات والمالي، وهكذا دواليك.

ولم تصل الأمور إلى نهايتها، بل ازداد الأمر سوءًا، وانتشرت الأمراض وحصدت الأرواح، في المستشفيات كجبهة أخرى من جبهات الموت، دونما شعور أو إحساس بالمسؤولية، وكيف يشعر بذلك من هدم حقك في الحياة، وحقك في الكرامة، وحقك في الإنسانية.

وفي الأيام الأخيرة وُقف التعامل بالعملة المتداولة التي طبعتها الحكومة الهشة، حتى إن المواطن يذهب ليشتري حاجته فيرفض التاجر، أو البقال، أو الصيدلي، أو الخباز، بيعه شيئًا؛ كون العملة في عداد الموتى، وعديمة الثقة، ويتم سحبها من المواطنين وتبديلها بفارق ربوي لحساب الصرافين، والمتهبشين، وبناة الثروات على حساب جوع المواطن وفقره، وتضور أمعاء المساكين، وموتهم، وبكاء الأطفال والنساء وضعفهم، وقهر الرجال وقلة حيلتهم، وكلها سجلات من نار الجماعة السوداوية والمأساوية في حق الشعب، بسلب ما تبقى لدى المواطن من مدخرات مالية، وحصر الشعب في زاوية الموت البطيء، والحياة التعيسة، والشقاء المؤلم.

كما تستمر  سيطرة الجماعة على الموانئ التي أضافت معاناة إلى معاناة المواطن الغلبان، من خلال فرض قيود كبيرة على السلع التجارية والإنسانية، مع زيادة الكلفات التي تمر عبرها، والتي كانت تخلق العملة الصعبة، وتشكل سبيل عيش واقتيات للمواطن المنهك، لكنها نارٌ تستمر بالاشتعال لتحرق كل من ينضوي تحتها، أو حتى يشاهدها.

وفي الطرف الآخر فإن هناك شرعية هشة، وقيادات ساذجة، وسياسيين هزيلين، ولا يملكون من أمرهم شيئًا سوى الإذعان للبرامج والقررات التي تُملى عليهم من قبل السعودية وغيرها من دول التحالف، وبالتأكيد لن تقوى السلطات في صنعاء، ولن تقدم على خطوة كهذه بدون ضوء أخضر خارجي، لكن ما يميزها أنها تعمل على أرض الواقع فتغير وتبدل ما تراه مناسبًا لسياساتها، والحفاظ على موقعها ومكانها.

لذلك فمن يتحمل هذا البلاء وهذا الواقع هي الشرعية بدرجة أساسية؛ كونها عجزت عن إثبات نفسها، فقد عملت على نقل البنك المركزي إلى عدن، كما أنه من المفترض أنها قامت بحلول لتضخم العملة، وغياب العملة الصعبة، كي تكون محل ثقة من قبل الجماهير التي تسعى للخروج من قمقم المعاناة، وسوء الحال، والخروج من النفق الذي يكاد يكون لا نهائي الطرف.

ولكن الواقع يقول إن اليمني قد وقع فريسة تنهشه تدخلات الخارج وعلى رأسها السعودية، والتي تحاصر موانئه، وتوقف صادراته، وتدمر بنيته التحتية، والشرعية الهشة العاجزة عن امتلاك زمام أمورها كالعبد الذي لا يرى إلا ما يراه سيده، وبين نيران الجماعة الذين يفعلون ما يرونه مناسبًا، بل الجرأة على اتخاذ خطوات فعليه تجعلها على واقع صلب، يسفر عن انتصار حقيقي سياسي واقتصادي على تركة السعودية المريضة (الشرعية).

(فرحمة الله على شعب يقع بين الهشاشة والنار).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد