يعيش اليمنيون اليوم عالمهم المليء بالتناقضات المنطقية، إذ إن الحرب الطاحنة التي تدور في السر وفي العلن تتوقف ثم تعود فجأة رغم وجود هدنة، مناطق تحرر وأخرى تنتظر رضى التحالف قبل أن تحصل على حريتها، المضحك المبكي في الأمر أن الحكومة الشرعية تحكم البلاد من خارج أسوار البلاد، وهذا لا يعتبر ضمن عناصر القوة التي تضمن للحاكم قوته وفق الشروط الذي وضعها ميكافيللي في كتاب الأمير، بمعنى أن على الشرعية أن تنطلق من الداخل حتى تحدث فرقـًا قبل أن تطمح إلى حسم المعركة.

يواجه اليمن اليوم معضلة حقيقية في تاريخه الحديث، فالدولة بدون دستور حقيقي، إذ إن المرحلة الانتقالية كانت مسنودة بشرعية المبادرة الخليجية التي سقطت بتوقيع اتفاقية السلم والشراكة التي اشتركت فيها مختلف القوى السياسية في اليمن بإشراف المبعوث الأممي جمال بن عمر، والتي تمخضت عن تشكيل حكومة التكنوقراط بقيادة بحاح، والتي انتهت بسقوط العاصمة في يد الحوثي صاحب مبادرة اتفاقية السلم والشراكة.

إذا لخصنا المشهد اليمني في الظروف الراهنة سنجد أن الأمر أشبه بلعبة مليئة بالأدوار المتناقضة، لهذا من الصعب فهم حركتها كونها مرتبطة بخيوط كثيرة، تجعل من فهم المشهد أمرًا شبه مستحيل، فاليمن الذي يستند على قاعدته القبلية التي تشكل جزءًا كبيرًا من جغرافيته وثقله السكاني، يستند في الوقت نفسه على كم مهول من الإشكالات السياسية المتراكمة منذ ظهور نظامه الحديث، فقبل أن نتحدث عن إشكالية الوحدة، سنتحدث عن إشكالية التركيب السكاني العقائدي الذي حكم اليمنيين لأكثر من عشرة قرون، فالسيد الذي كان يحكم باسم الله اعتمد بشكل أساسي على النظام الطبقي، والذي ترسخ بدوره في العقلية اليمنية، التي لم تتمكن من التخلص من ذلك الورم الخبيث حتى بعد مرور أكثر من نصف قرن من غياب نظام الإمامة، أما بالنسبة لإشكالية الوحدة عملت المظالم السياسية والاجتماعية التي مارسها على صالح صاحب العقلية العسكرية على تكريسها، بحيث أصبح كل اليمن بالنسبة لسكان الجنوب عبارة عن قبيلي متخلف لا يفكر بشيء سوى نهب الجنوب.

أمام ذلك الإرث الاجتماعي والسياسي المخنوق بالمناكفات السياسية والصورة المكرسة بشكل مغلوط بين اليمنيين أنفسهم حملت الحكومة الانتقالية على عاتقها هم التغيير، وكان طموح اليمنين أكبر من أن تحمله حكومة عرجاء كالحكومة الانتقالية التي سقطت قبل أن تكمل مهامها، والسبب في ذلك أنها من البداية لم تستند على قاعدة شرعية صلبة، كانت قاعدتها الأساسية هي المبادرة الخليجية التي منحت صالح الحصانة في محاولة يائسة لخنق ثورة 2011، بالطبع عوامل ضعف الحكومة الحالية والتي تعتبر امتدادًا لما سمي بحكومة الوفاق، لم ترتبط بظروف داخلية وحسب، بل ارتبطت أيضًا بظروف خارجية، كان لها الدور الأبرز في عرقلة سير تلك الحكومة قبل أن تتوقف تمامًا.

بالنسبة لكثير من اليمنيين هادي الذي يمثل شرعية الجمهورية الحالية ليس سوى شخص لا يوثق به، إذ لا ينسى اليمنيون ابتسامته الضاحكة وهو يعلن عمران منطقة آمنة بعد أن سحل الحوثيون آخر معقل للدولة فيها، بالنسبة لهادي كان الهدف الرئيسي قبل الدولة هو التخلص من بؤر السلطة القديمة المتمثلة بالقيادات العسكرية القوية والأحزاب التي تمثل ظلاً ثقيلاً بسبب قاعدتها الشعبية، لم يضع هادي يده بشكل مباشر في يد الحوثي، لكنه فعلها من خلال المبعوث الأممي الذي برر كل شيء، كان الحوثي قد تمكن من خلق أسطورته التي لا تقهر، إذ أنه لم يتوقف عن التوغل والتوسع في القرى المجاورة ، دماج الشوكة التي لم يتقبلها الصدر الزيدي في شمال الشمال تم اجتثاثها وتم طرد أكثر من 10 آلاف يمني من قراهم فقط لأنهم وهابيون يكرهون الزيود، لم يكن في اليمن أية نكهة للطائفية قبل أن تظهر شروط الحوثي في هدنته الأخيرة في 2013، لم يكن الحوثي قويًا، هذا ما يقوله كثير من الخبراء والمحللين السياسين، لكنه كان ذكيًا، وكان وضع اليمن هشًا للغاية، لذا كل ما قام به الحوثي هو سد الفراغ، الفراغ الذي أحدثه غياب السلطات القديمة التي لم تكن جيدة على كل حال، لكنها لم تكن بقدر سوء الحوثي.

قبل أن يختطف الحوثيون مدير مكتب الرئاسة أحمد عوض بن مبارك، كان الدستور الذي قد تم تعديله في طريقه للتنفيذ، لم يكن من السهل على علي صالح أن يتخيل نفسه خارج اللعبة تمامًا، كما لم يكن من المتخيل أن يستمر هادي بالحكم بشكل مستقبل بعد أن مد يده مسبقًا للحوثي، لذا بمجرد أن سقطت الدولة اتضحت كل الأدوار التي لعبتها أطراف في الحكومة السابقة ابتداءً بدور الرئيس الانتقالي نفسه، ومروًا بدور وزير الدفاع وغيره، لم يتمكن اليمنيون من التعبير عن دهشتهم إذ إن الحرب الطاحنة التي شنتها قوات الحوثي مستخدمة قوات الجيش اليمني نفسه أفاقتهم من سبات الحلم الوطني، والجيش الوطني، والحكومة الوطنية، لذا في الظروف الراهنة ربما لا يليق بنا أن نقلل من أهلية هادي كقائد للشرعية في الليالي السوداء التي صنعها بيده، لكن حتى لا نفيق مرة أخرى على سقوط اليمن، يجب أن نتنبه، وتتحدث بصوت عال، ما يقوم به بعضهم لا يمت للوطن بصلة، وما يقوم به هادي من دور وطني هو أقل كفارة يقدمها للشهداء الذين ذهبت أرواحهم هدرًا بسبب سوء تدبيره، يجب أن نشد على أيدي الوطنين الذين يقفون في صف الوطن، الوطن الجمهوري لا النظام السلالي البغيض الذي ذاق اليمن من ويلاته لقرون، يجب أن نحدق جيدًا لنبصر الصديق من العدو، لأن الصديق في مرحلة ما بإمكانه أن يكون عدوًا حتى وإن كان شقيقـًا، ومن هنا على اليمنيين ألا ينسوا حكمتهم، حكمتهم التي تخبرهم بأن الحكومة الحالية ليست جزءًا من الحل بل جزءًا من المشكلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد