صاحب أسلوب متفرد معدود في قلة قليلة ممن امتلكوا أزمة البيان العربي في الديار اليمنية، صاحب هم إصلاحي وذكاء متوقد وممن وضعوا أهم لبنات النهضة الحضرمية الحديثة، التي لو استمرت لضارعت نهضات مصر والشام في نفس الفترة، فهو كما قال عنه العلامة عبدالله بن حسين بلفقيه: «شهرة هذا الأستاذ لا تحتاج إلى التعريف به وهو الطائر الصيت والفارس المجلى والطراز المعلم في كل ناحية من نواحي الحياة الفكرية وفي كل مطلع من مطالع النهضة بالمهجر والوطن وله عبقرية وبراعة وبلاغة وسخر وبيان تحبيره الطلي البليغ وأسلوبه الفتان البديع يخلبان الألباب وله مع ذلك شاعرية عالية».

هو شيخ الصحافة الحضرمية محمد بن هاشم بن طاهر المولود في قرية المسيلة جنوب مدينة تريم سنة 1300 الموافق 1883م في بيت جده العلامة عبدالله بن حسين طاهر بدأ الدراسة في سن مبكرة متنقلاً بين أربطة العلم في تريم وسيئون وقد تخرج بأئمة عصره من أمثال: عبدالله بن عمر الشاطري (ت 1361) والفقيه محمد بن عثمان بن عبدالله بن عقيل بن يحيى (ت 1316) وحسن بن علوي بن شهاب (ت 1333) والعلامة محمد بن علي الخطيب وأبو بكر بن عبدالرحمن بن شهاب (1262 – 1341) و محمد بن عقيل بن يحيى (ت 1350) وغيرهم كثير.

نشاطه وسفره

ولما أناف على العشرين من عمره عزم السفر إلى جاوة فوصلها سنة 1325 الموافق 1907 م ومارس التجارة والتعليم فيها على عادة أغلب الحضارم وقد أسس في تلك البلاد العديد من المدارس منها: مدرسة شمائل الهدى في باكلنجان وسط مدينة جاوة ومدرسة حضرموت في مدينة سورابايا، وقد تخرج على يديه المئات من الطلبة والطالبات في إندونيسيا ممن كانوا منارات هدى ومشاعل هداية في بلدانهم وقد كان رحمه الله شديد الحمية على الإصلاح عظيم الرغبة في التغيير، ولعلك تدرك مسلكه الإصلاحي وحضور هموم أمته وقدرته على تشريح أمراضها من خلال مقاله المنشور في مجلة المنار في 7 شوال 1329/ أكتوبر 1911 بعنوان: حالة المسلمين في جاوة والإصلاح يقول فيها واصفاً حال العرب والمسلمين في تلك البلاد:

«من أية وجهة ألقيت بصرك على مجموع العرب هنا تجدهم قد أجادوا في تمثيل أدوار الهمجية الغابرة والجهالة الفاضحة وأحسنوا الارتطام في حمأة التوحش وأطربوا الشامتين بغطيطهم الناشئ عن سباتهم العميق بل موتهم الفظيع… فقد أخذ الجمود من كبرائنا مأخذه وتمكن في نفوسهم اعتقاد أن كل جديد ضار وأن العكوف على العادات القديمة أنفع ما كان وما سيكون وأن ما سبقتنا إليه رجال أوروبا من الخير لا يجوز لنا فعله شرعًا ونُسخ هذا الاعتقاد في قلوبهم وامتزج بعقولهم وأرواحهم حتى صدهم عن استماع الدين وسدوا فجاج الإصلاح ودفعوا في صدر الأمة حتى قهقروها عن التقدم، زاعمين أن التحسين والتنظيم وتسهيل وسائل التعليم مخل بالنسب الكريم أو الدين القويم ومعاذ الله أن يكونوا في هذا من الصادقين … وبلغ من تعصب كبرائنا أن حظروا جعل المدارس على الطريقة الحديثة من إقامة طاولات ومكتبات قدام التلاميذ توضع عليها أدواتهم وسرر يجلسون عليها ولوح خشبي توضح فيه مشكلات المسائل وعدوا ذلك من المنكرات والواجب تغييرها باليد لمن قدر عليهم لأن في هذا كما لا يخفى تشبهًا بالكفار ومجاراة لأصحاب النار! ..».

ثم يقول شارحًا سبب إنشائه كثير من المدارس والجمعيات: «كنا لما رأينا العجمة الجاوية تمكنت جيدًا في أولاد العرب هنا، حتى إن بعضهم لا يفهم لفظ الأعداد البسيطة بالعربية ورأينا الأوروبيين يدأبون في نشر لغتهم وعقائدهم الدينية في أولاد الجاويين ويحاولون ردهم عن دينهم الإسلامي الذي ما بقوا متمسكين إلا باسمه ورأينا إخواننا العرب جامدين سامدين لا يتألمون ولا يتكلمون لما رأينا كل ذلك نهضنا على ما بنا بمساعدة بعض الإخوان وفتحنا مدرسة لتعليم اللغة إجمالاً: فأولاً يُدرس فيها إتقان الألفاظ وتركبها ثم النحو والصرف وغيرها من الفنون العربية ويدرس أيضًا فيها الجغرافية والتاريخ الإسلامي والعقائد الإسلامية وطرفًا من اللغة الإنجليزية… ولكن مع كل هذا نرى الجامدين والمتعصبين من قومنا العرب لم يرضهم فعلنا، بل قاموا يشتموننا ويقدحون في أعراضنا ويصادرون نهضتنا وينفرون الناس عن مدرستنا في وقت نحن أحوج الناس فيه إلى مساعدتهم».

ولفرط عنايته باللغة وهموم الإصلاح التي حملها مذ كان يافعًا سعى لاستكتاب الصحف في كثير من بقاع الإسلام كصحيفة الإصلاح في سنغافورة وصحيفة المنار المعروفة، بل أنشأ العديد من الصحف والمجلات في بقاع سنغافورة وإندونيسيا بعضها بالملاوية وأخرى بالعربية وقد أبان في كتاباته تلك عن مقدرة لغوية كبيرة وأنه صاحب أسلوب متفرد في الكتابة ومدرسة مستقلة في البيان، فقلمه حقيق بوصفه هو بأنه: «يراعة خلابة طالما امتلكت ألباب القراء بوشيها الذهبي وأسلوبها الأدبي وطالما ركبت بهم متن سابحة من بنات الخيال تحلق في عوالمه وتحلي أجياد أفكارهم بعقود زاهية تلقطها لهم من كثبان السُهى وقيعان الشِعرى».

غير أنه حين يُستنفر للحق ويغيظه الباطل ويحدوه حادي التغيير والإصلاح يصبح قلمه كما قال عنه: «قلم يواجه الفكر ببديهياته ويتسرب إلى القلب من كل جهاته ويعمد إلى الحقائق فيقدمها كما هي ناصعة البنية عديمة الحلية لا يكسوها من زخارف الخيال ولا يمدها بكحل الألفاظ ولا يزفها إلى طلابها إلا بدوية المذهب صافية المشرب» وكان كثير النقد لإسفاف بعض المجلات وابتذال بعض كتابها وخلوها من أي هم إصلاحي وطموح تغييري وقد جُمع بعض ما كتبه شيخ الصحافة في كتابين الأول للأستاذ محمد بن أبي بكر باذيب جمع فيه ما نشره الأستاذ في مجلة الإخاء الصادرة عن جمعية الأخوة والمعاونة بتريم حضرموت للفترة من محرم 1357 إلى جمادى الآخرة 1359 والكتاب الآخر مختارات متفرقة من كتاباته جمعها الأستاذ علي بن أنس الكاف.

وقد اُختير رئيسًا للبعثة العلمية المتوجهة إلى مصر في شهر شوال سنة 1344الموافق 1925 والمكونة من بضعة عشر طالبًا من الطلبة الحضارم بأندوونيسيا بهدف الدراسة في المعاهد العلمية المصرية، وقد كتب هناك في بعض الصحف وألقى بعض المحاضرات، لكنه سرعان ما عاد برفقة شيخه العلامة محمد بن عقيل بن يحيى إلى حضرموت.

عودته إلى حضرموت

وقد حثه السادة آل الكاف على الاستقرار في حضرموت والمشاركة في الإصلاحات، التي بدأت تشهدها البلاد حينذاك فلبى طلبهم بعد عودة عجلى إلى مصر فوصل حضرموت في مطلع سنة 1346 الموافق 1928م وباشر العمل في الإصلاحات وتولى إدارة مدرسة جمعية الحق بمدينة تريم ثم اختير ضمن ثمانية أشخاص لمجلس إدارة الكاف الكبرى الخيرية التي تأسست في شهر رجب سنة 1351 وباشر التدريس فيها وله الدور الرئيس في وضع المناهج التعليمية، لهذه المدرسة وخاصة علوم العربية والفلك والتاريخ وقد أسس في تلك الفترة العديد من الأندية الشبابية والتثقيفية، وكتب في العديد من المجلات والصحف في تريم وغيرها من حواضر اليمن وكذلك في مجلات وصحف المهجر.

وقد كان شديد الحماسة لنهضة البلاد علميًا وفكريًا وأدبيًا فلم يترك مجالاً إلا وله فيه مشاركة، وهو مع ذلك مدرك لحقيقة البدايات غير متسرع لتحصيل الغايات، بل كان صاحب تؤدة وأناة في التغيير والإصلاح ففي حديثه عن النقد الأدبي في المجتمع الحضرمي حينئذٍ ذكر أنه طفولي متطفل، غير أن هذه طبيعة البدايات الموصلة إلى أسمى الغايات فيقول: «إننا نحن الحضارمة العصريين لا ينبغي لنا أن نستنكف من الاعتراف لطفولتنا في الأدب وتطفلنا على موائده ولا أرى من سبيل إلى تنقيصنا، بأننا أطفال لأن الطفولية ضرورية للأعمار ولا من سبيل إلى لومنا على التطفل في هذا الموقف، لأننا إذا لم نتطفل اليوم فلا نستأهل فيما بعد أن نكون من الرجال المدعوين أو الداعين إلى هذه الموائد الأنيقة» ولعمري أن طفولتهم تلك بالمقارنة إلى حاضرنا اليوم لتعد كهولة واعية لا نكاد نحلم بها أو نستشرف إليها.

مناصبه الإدارية

وقد كان ابن هاشم موضع ثقة السلطان علي بن منصور الكثيري واستشارته فعينه سكرتيرا له وعُين بعد ذلك أمين سر في لجنة أمان حضرموت التي شكلها السلطانان صالح بن غالب القعيطي وعلي بن منصور الكثيري وعدد من رجال الإصلاح الحضرمي بعد التوقيع على الهدنة بين القبائل سنة 1355 الموافق 1936، وكانت وظيفة اللجنة الفصل في أية قضية من قضايا النزاع القبلي حفاظًا على ما أنجز من توقيع الهدنة التي مهدت الأمان لحضرموت وكذلك اختير في لجنة أهل الحل والعقد، التي شُكلت بعد وفاة السلطان علي بن منصور لاختيار خلف له وعينه السلطان جعفر بن منصور بعد توليه السلطنة سكرتيرًا للسلطنة غير أن ابن هاشم استقال من هذا المنصب بعد فترة وجيزة تفرغا للتأليف وشؤون التعليم وتولى إدارة المدرسة السلطانية بمدينة سيؤون.

إنتاجه العلمي

وقد أنتج العديد من الكتب والمؤلفات من أهمها تاريخ الدولة الكثيرية في ثلاثة أجزاء طبع الأول منها وكتاب الرحلة إلى الثغرين الشحر والمكلا وكتاب دروس الطبيعة وهو كتاب تعليمي ألفه لبعض المدارس في اندونيسيا طبع في ذي القعدة 1336 الموافق 1917م وكتاب مدارج الإنشاء وكتاب تاريخ الثروة الكافية ورجالها وكتاب الخريت شرح منظومة المواقيت طبع سنة 1967 وكتاب الحكم والأمثال الحضرمية وله العديد من الكتب المفقودة منها: تاريخ جاوه وذكرياتي عن 67 سنة وتاريخ حضرموت الحديث والدروس الوطنية ودروس في الفلك والنوافح الوردية في تقويم الهند الهولندية وكان رحمه الله يجيد اللغتين الإنجليزية والملاوية وقد ترجم بعض الموضوعات المتعلقة بتاريخ حضرموت من الإنجليزية كمحاضرة المستر إنجرامس التي تحمل عنوان الأمان بحضرموت وما كتبه الرحالة المستشرق الإنجليزي جاكوب عن حضرموت في كتابه ملوك العرب وله مقالات كان يكتبها بالملاوية في صحف المهجر.

وفاته

وقد استقر في آخر حياته بمدينة تريم ولازم مجالس العلامة علوي بن عبدالله بن شهاب وفي العشر السنوات الأخيرة من عمره فقد بصره ثم توفي سنة 1380 الموافق 1960 ودفن في مقبرة تريم رحمه الله وبل بوابل الرحمة ثراه وأخلف على يمننا من أمثاله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد