يهاجر الكثير من اليمنيين هربًا من الحرب الدائرة في بلادهم إلى الدول المجاورة، وإحدى تلك الوجهات هي «القرن الأفريقي» عبر عبور البحر الأحمر بحثًا عن الاستقرار والأمان، كما كان يفعل الأفارقة عندما كانت الأوضاع في بلدانهم متدهورة.

بالعودة إلى التاريخ، فإن العلاقات اليمنية الإثيوبية تمتد إلى ما قبل التاريخ مما جعل من اليمن وإثيوبيا قريبتين من بعض، فقد جمعت بينهما حضارات وممالك قديمة زادت من التقارب بين البلدين، كما جعلتهما متشابهين في الكثير من العادات والتقاليد، منها (الأكلات، والملابس، والموسيقى).

أديس أبابا والتي تعني «الزهرة الجديدة» باللغة الأمهرية والتي هي عاصمة إثيوبيا، هذه الزهرة الإثيوبية كانت مقصدًا ومفرًا لليمنيين على مر العصور وحتى اليوم، ومن المعروف أن التاريخ اليمني مليء بالحروب والصراعات، هذا ما وضع أديس أبابا محط أعين اليمنيين، نظرًا لكونها أرض متعددة الثقافات والأعراق والأديان، ومنفتحة على دول الجوار كذلك نظرًا لسهولة الدخول إليها والاستثمار فيها، ومن الجدير بالذكر أن لعلاقات النسب والتزاوج بين الشعبين سببًا في خلق نوعًا من المودة ودفء العلاقات الاجتماعية بين الشعبين، وبالمثل تم معاملة الإثيوبيين بنفس الدفء والترحاب في اليمن شمالًا وجنوبًا قبل الوحدة أو بعدها.

وللعلم والإحاطة فإن المواطن اليمني لا يلاقي صعوبة بفهم بعض اللغات المحلية في أثيوبيا؛ كونها تنتمي إلى اللغة السامية ويسهل عليه التواصل مع المجتمع المحلي، كما أن هناك الكثير من شرائح المجتمع المتعلمة والمثقفة في اليمن هم من أصول إثيوبية وقد تقلدوا العديد من المناصب الحكومية منها الوزارية سواءً في الشمال أو الجنوب، وقد تغنى العديد من الشعراء، والفنانين اليمنيين، بإثيوبيا على سبيل المثال شعر وملحمة الشاعر والمؤرخ اليمني مطهر الإرياني في قصيدته المغناة تحت عنوان «البالة» والتي تحكي هجرة المواطن اليمني إلى دول القرن الأفريقي سعيًا وراء العمل والكسب.

«خرجت أنا من بلادي في زمان (الفنا) * أيام موسم الطاعون قالوا دنا

وماتوا أهلي ومن حظ النكد عشت أنا * عشت أزرع الأرض وأحصد روحي الذاوية

ذكرت أخي كان تاجر أينما جافرش * جوا عسكر (الجن) شلوا ما معه من بقش

بكر غبش: أين رايح؟؟ قال أرض الحبش * وسار.. واليوم قالوا حالته ناهية»

وأيضًا هناك العديد من الكتاب الذين ترجموا هجرة المواطن اليمني إلى دول القرن الأفريقي عن طريق صياغة الروايات والقصص، ومنها رواية الكاتب القاص اليمني الإثيوبي محمد أحمد عبد الولي بعنوان «يموتون غرباء».

وبالمقابل تعد اليمن البوابة الأولى للأفارقة الراغبين في الدخول إلى دول الخليج للبحث عن العمل، فيفصل اليمن عن أفريقيا 30 كم عبر البحر عبر مضيق باب المندب من جيبوتي إلى عدن فكل ما يترتب على المهاجر هو فقط عبور البحر وغالبًا ما يتم ذلك عبر قوارب قد تنهار في أي لحظة في عرض البحر، ما يعرض حياة راكبيها للخطر، فمع بداية الحروب في القرن الأفريقي وعلى مدار السنوات وصل إلى اليمن مئات الآلاف من المهاجرين، فبحسب المنظمة الدولية للهجرة، وصل إلى اليمن 7 ألف مهاجر أفريقي منذ بداية العام 2020 معظمهم من إثيوبيا والذين يرغبون في الدخول إلى دول الخليج.

لم تكن هجرة الناس من جنوب غرب الجزيرة العربية إلى دول القرن الأفريقي أو العكس مبنية على فراغ، بل إنها كانت متأصلة وقديمة عبر العصور، نظرًا للبعد الثقافي والجغرافي والاجتماعي، إضافة إلى التقارب العرقي بين دول هذا المحيط، لذلك عندما حط المهاجرون والنازحون من شبه الجزيرة العربية رحالهم في دول القرن الأفريقي، لم يلاقوا الكثير من الصعوبات في مسألة اندماجهم في المجتمع المحلي وتعايشهم مع محيطهم الجديد، بل أنهم لاقوا كل ترحاب ورحابة صدر من المجتمع المحلي، الأمر الذي جعلهم ينصهرون في مجتمعهم الجديد، بل حتى أنهم ارتبطوا به، وعملوا بمبدأ الأخوة ورد الجميل لأرضهم الجديدة والانخراط بالمجتمع مع الحفاظ على هويتهم وثقافتهم الأصلية والتواصل مع وطنهم الأم، من خلال الزيارات والمصاهرة والتفاعل الثقافي والاجتماعي مع الجمعيات الخيرية والتعاونية، سواءً في دول القرن الأفريقي أو في اليمن.

وتجدر الإشارة إلى أن المواطن الأفريقي من أصول يمنية يسهل عليه الحصول على الجنسية اليمنية من خلال إبرازه لوثائق تدل على أصوله اليمنية، وفي نفس الوقت يمكنه العمل في الشركات الأجنبية العاملة في اليمن كونهم يتقنون اللغات الأجنبية، كالفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد