تعد القبيلة اليمنية الفئة الواسعة التي يتشكل منها السكان، وحسب إحصائية أنها تمثل ما نسبته 85% من إجمالي سكان اليمن، وحسب بعض الإحصائيات فإنه يوجد أكثر من 200 قبيلة في اليمن، وقد ورث الشعب اليمني عادات وتقاليد اجتماعية قديمة، تتعلق بالأنماط الاجتماعية وأدوارها، ومنها أنهم ينظرون إلى المشايخ والعلماء نظرة تبجيل واحترام، كونهم من يمثل السلطة الدينية للمجتمع، فضلًا عن أن وحدة التعامل في «المجتمع القبلي» هي العائلة لا الفرد، وحسب إحصائية يشكل الهاشميون بـ10% من اليمنيين العمود الفقري لجماعة الحوثيين، وقد احتلوا مكانة اجتماعية عالية بين القبائل التي ارتبطوا بها، خصوصًا في عهد الأئمة الذين حكموا اليمن بفعل القوة والتسلط لعقود من الزمن في اليمن، رغم أن وظيفتهم الأساسية كانت الوساطة بين القبائل، وقد كان السيد كما يُدعى لا يقاتل ولا يحمل السلاح، وكانوا يعيشون تحت حماية القبائل.

تليهم طبقة «المشايخ أو القضاة» وهؤلاء من أصول قبلية، لكنهم لا يحملون السلاح في الغالب، ثم «القبيلي» وهو في العادة من يحمل السلاح، وهي أعلى وأوسع طبقة اجتماعية، وتكاد تكون طبقة موازية للدولة عند غيابها، فالبنية القبلية لم تتحدد فقط على أساس القرابة، بل أيضًا على أسس سياسية واقتصادية، والقبيلة اليمنية في ظل غياب الدولة، كانت تقوم بجميع الوظائف الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية التي يمكن للدولة أن تقوم بها، لذلك كانت القبيلة اليمنية تنظيمًا حربيًّا، يضمن أمن أفرادها وحماية ممتلكاتهم الفردية والجماعية.

الهاشمية في اليمن

يقول الباحث في علم الاجتماع محمد قاسم، كانت صور التمييز قبل الثورة كثيرة؛ فقد احتكر الهاشميون أغلبية الوظائف العامة ووظائف القضاء، وتملّكوا العقارات ذات القيمة الكبيرة، ويقول إن الصورة الأهم لذلك التمييز تمثلت في كونهم لا يزوّجون بناتهم لعموم الناس، في حين كانوا يتزوجون من عموم الناس، ولم يستسلم الهاشميون بسهولة، فقد قاوم الإمام البدر بعد هروبه من صنعاء وبدعم من السعودية، تمكن من تجميع أنصاره وفي مقدمتهم أبناء العائلات الهاشمية، والقبائل الموالية، وفرض على الجمهوريين خوض حروب ضارية ضده وحاصر العاصمة صنعاء عام 1967 بعد انسحاب الجيش المصري من اليمن، إلا أن الجمهوريين تمكنوا من فك هذا الحصار في فبراير (شباط) 1968، ووقّعوا مع الملكيين اتفاقًا لإنهاء الحرب، بعد اعتراف السعودية بجمهورية اليمن.

القبيلة مخزن الأئمة

وعلى الرغم من عد القبيلة خزان الأئمة، يغرفون منها المقاتلين تاريخيًّا، فإن القبائل مرنة ومواقفها متحركة، وهي مثلًا تخلت في وقت ما عن الإمام، ولعبت دورًا محوريًّا في ثورة 1962 وفي الانتصار للنظام الجمهوري، واعتمدت الجماعة الهاشمية على الثقافة القبلية والانتماء القبلي سواء في تصرفاتها أو سلوكياتها لتمتزج بالقبيلة وتؤثر فيها؛ كونها الأوسع والأقوى، وهذا ما جلب دعم جبهاتها بالمقاتلين القبليين، والدفع للتضحية بأبناء هذه القبائل، وبالفعل استطاعت الجماعة أن تستفيد من أعلى طاقات القبيلة وقدراتها، وتتجنب كل القوى المناهضة لها، وتوظفها في صالحها، عاملة على تفكيك القبيلة، والسيطرة عليها .

استفراد الجماعة الحوثية بالقبيلة

لقد استطاعت الجماعة الحوثية أن تتحاشى مواجهة هذه القبائل أو بعضها، أو حتى إحداها، فقد حرصت الجماعة، في صراعها مع القبائل وبالقبائل على خطاب التفكيك وزرع الفتن بين القبائل، ثم تدخل الجماعة كواسطة لحل الخلافات المفتعلة كمنقذ عملاق، ومصلح يطلب الخير للمجتمع والقبيلة، وهذا ما جعلها تستفرد بكل قبيلة أو قوة قبلية كلٍ على حدة، عاملة بكل ما لديها على تحاشي توحد خصومها ضدها، وهذا أسلوب الجماعة منذ بداية نشأتها واستيلائها على صعدة ثم عمران فصنعاء وبقية المناطق التي تسيطر عليها بفعل استراتيجية التفريق البيني والتفكيك.

تهميش القبيلة من قبل الحوثيين

وعلى الرغم من عد القبيلة خزان الأئمة، يغرفون منها المقاتلين تاريخيًّا، فبعد اتساع نفوذ الحوثيين، وانكسار القبائل أمامها أعادت هيكلة القبيلة، وإطاحة ثقلهم السياسي التقليدي، وبهذا تلقت أكبر صفعة في تاريخها من خلال تهميش دورها، وإهانة رموزها، وتنصيب مشايخ موالين لها، ولكنهم عمليًّا عيّنوا مشرفين من الجماعة كرقباء، سلطتهم تتجاوز سلطة هؤلاء المشايخ، فجمعوا بين الحفاظ على مشاعر القبيلة ومشيختها ظاهريًّا، وسلبهم القرار في الواقع، وقد استخدمت بعض الآليات القبلية، في عقد الاتفاقيات بينها وبين خصومها. أضف إلى ذلك أن عددًا من وسائل السيطرة على القبائل تتسم بالطابع القبلي، أو بفهم الجماعة للنزاعات القبلية، فقبل سيطرة الجماعة بقوة السلاح على الدولة، وإخضاعها للقبائل، بدأت بإرسال الوسطاء من المنتمين إليها للعمل على حل خلافات القبائل التي كانت قائمة منذ زمن طويل وعجز النظام القضائي عن حلها، كما حدث في آنس وحاشد، حين حل مندوبون من الجماعة، في 2014 وما قبلها، قضايا ثأر عالقة ومعمرة لسنوات، وهي طريقة اتبعها الحوثيون لتحسين صورتهم لدى أبناء القبائل، وخلق قبول مجتمعي بهم، كما عملت على موازاة الثقل القبلي بأسلوب القبيلة نفسه عمل الحوثيون على عقد مؤتمر قبلي كبير من الموالين لهم في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2014، في ما سمي بـ«مؤتمر عقلاء وحكماء اليمن». وقد ترأسه أحد المشايخ الذين ينتمون إلى منطقة حيدان، معقل زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، وهو الشيخ ضيف الله رسام الذي عُدّ ترأسه للمؤتمر بمثابة تنصيب له كشيخ لمشايخ اليمن.

بالإضافة إلى الاستحواذ على المؤسسات العامة والخاصة، والجهات الحكومية بكل مرفقاتها، من خلال مشرفين فوق المديرين والموظفين والعاملين، والانفراد بالقرارات مع هامش لا أهمية له من قبل مسؤولي تلك المؤسسات والمراكز والوزارات، وليس لهم خيار إلا موافقة الجماعة أو فقدان مراكزهم ومناصبهم الشكلية.

وعلى الرغم من حالات التمرد والمواجهة التي خاضتها القبائل ضد جماعة الحوثيين، فقد أذعن الكثير منها، وحرص على السلام معها في محاولة للمحافظة على الحد الأدنى من مصالحها، ومن الملاحظ أن القبيلة اليمنية التي ظلت لأزمنة قوة لا يستهان بها، ولم يحدث لها انكسار مثلما حدث لها أمام جماعة الحوثيين، وإن لم يقضِ ذلك على القبلية كثقافة.

وكانت جماعة الحوثيين قد وقّعت الكثير من الاتفاقيات والوثائق مع القبائل في بدايات صعودها وتحركاتها المسلحة، استفادت منها في تَجنُّبِ أي عنف متوقع من هذه القبائل، والعمل على الاعتراف بها كطرف. كما استفادت منها في تحييد القبائل عن مواجهتها، ما مكّنها من الاستفراد بخصومها من القبيلة نفسها أو من قبائل أخرى حليفة. وشهد العامان 2014 و2015 توقيع العديد من الاتفاقيات بين الحوثيين وعدد من القبائل، وأبرز هذه الاتفاقيات أو الوثائق هو ما سمي بـ«وثيقة الشرف القبلي» التي وقعتها الجماعة مع قبائل طوق صنعاء عند بداية تدخل «التحالف العربي» بقيادة السعودية عسكريًّا في اليمن (2015).

ومن الملاحظ أنها عادت لإحياء بنود هذه الاتفاقية، في العاشر من مارس (آذار) 2019 بعد معارك حجور، ومثل هذا التوجه يمكن توصيفه بأنه إحياء لقيم أو قوانين عرفية لتسخيرها في صالح الجماعة، فقد ركزت الوثيقة على سلب من يقف ضد الجماعة حقوقه القبلية والاجتماعية؛ وذلك حتى تبرر أعمالها الانتقامية ضده بمعزل عن قبيلته وما توفره له من حماية كفرد فيها.

وفي كل الأحوال تبقى هذه المناصب شكلية بشكل عام.

للسيد الخلود والقبيلي للمحارق

صار دور المشايخ القبليين يقتصر على المساهمة في التجييش والحشد لصالح الحوثيين وخلق القبول للحوثيين، والعمل على الزج بأبناء القبائل في جبهات القتال، ويضطر المشايخ إلى إثبات ولائهم للجماعة من خلال إرسال أبنائهم أو أقاربهم للقتال في صفوفها وتوظيف قوتها البشرية وسلاحها للقتال، بينما ما زالت تستخدم مع القبيلة الأساليب ذاتها التي كانت تستخدمها دولة الأئمة في اليمن، بما في ذلك الرهائن والخطف، ومصادرة الأملاك.

فالقبيلي الذي كان يومًا ما رجل الحماية والكلمة والمكانة أصبح عبارة عن وقود وقرابين للسيد، بل يُزج بهم في محارق فيفنى الآلاف في خنادقها بينما السادة يتمتعون بالإشراف على سير المعارك، وبناء إمبراطوريات تجارية، وعقارات خيالية، والسيطرة على المؤسسات العامة، ومراكز النفوذ، وأروقة صناعة القرار داخليًّا وخارجيًّا، بينما القبيلي لا ثقة فيه ولا مكانة له في هذه المناصب العليا، لذا تجد الشيخ، والوزير، والمدير، والضابط، والجندي، والمزارع، والتاجر تحت سلطة المشرف، ولا يعدو أن يكون بوقًا صارخًا في الدفاع عنهم والذود عن سيادتهم، ودروعًا ميتة من أجل بقائهم.

إن جماعة الحوثي اليوم لم تبق إلا على جماجم القبيلة، ولم تصمد إلا بفعل استمرار تدفق الوقود من أبناء القبائل قطيعًا تسوقه للمحارق، وجرادًا ترسله للهلاك.

وللأسف الشديد ما زال هناك الكثير من أبناء القبائل لا يعي هذا التيه، ولا يعقل هذا الخزي، بل أصبح القبيلي فرسًا يدهس ابن قبيلته من أجل أن يعيش السيد، ويدوس على كرامة ومحارم إخوانه وأبناء عمومته وأقاربه من أجل الخلود للسيد، بل جعل بعضهم نفسه وقفًا جاريًا، وكبشًا سائبًا في خدمة الحوثيين بجلب أبناء القبائل رضًا أو عنوة إلى معارك يعلم أنه هالك، ويوقن أنه خاسر.

فمتى تعي القبيلة دورها، ومتى تخرج من عباءة الموت، ومتى ترفض أن تكون سلّمًا للتسلق، وتضطلع لدورها الفاعل في حماية الجمهورية والدفاع عن الوطن كل الوطن، لا الارتهان للأفراد؛ فهم زائلون ويبقى الوطن.

لقد حصدت الحرب الآلاف المؤلفة من أرواح القبائل بينما في المقابل لا تجد إلا النزر القليل والعدد المحدود مما يضحي به الأشراف ويكتفي الكثير منهم بالتقاط الصور والاستعراض على المراكب الفاخرة، وتشييد المباني، وتقنص المواقع العقارية، والاتكاء على المجالس العربية، بينما يقوم القبيلي بجمع المقاتلين، وترحيلهم للجبهات، بسيارته ومجهوده الشخصي، ويذهب المقاتل بعدته وعتاده فإذا هلك كانت عدته محل السؤال، وموضوع البحث، والجثة آخر ما يقع عليه النظر، فلربما تُتُرك لتأكلها سباع الليالي وهوام البرية؛ كون مفعولها انتهى وأدائها انقطع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد