على وزن ما كتبه أبي فراس الحمدانيّ وما تغنت به أم كلثوم أشعر بلسان حال الكثيرين في المغرب والجزائر يتلخص في (نعم أنا أمازيغيّ وعندي لوعة ولكنّ مثلي لا يذاع له سرّ).

فهم يشعرون ببعض الغبن والغبطة مما حولهم ليس لأن كثيرًا من العرب ينعتوهم بالبربر قاصدين المعنى غير الحضاري متجاهلين لفظ الأمازيغيّ المشتقّ من الإنسان الحرّ. فلفظ البربر الشّائع عند بعض العرب ربما يكون موروثا من الرّومان الّذين أطلقوا ذلك الوصف على كلّ ما اختلف عنهم. إن عزة النفس الامازيغية تحول دون انفجار ذلك الغبن والغبطة، ولنفهم سبب ذلك دعونا نسألهم.

صديقي الأمازيغي: هل تشعر بأنّ الثقافة العربيّة فُرضت عليك؟ هل فُرض عليك أن تصبح عربيّا وأن تتكلّم العربيّة وتنتمي للعربيّة أكثر من انتمائك الأمازيغيّ؟

هل تشعر أنّ الدّولة تفرض عليك الهويّة العربيّة وربّما تنتزع منك الهويّة الأمازيغيّة؟

هل تستمع للدّعوات القائلة: لسنا عرب وأنّ الاحتلال العربيّ جاء من الجزيرة العربيّة؟ وأن أهل الجزيرة العربية هم العرب وأما الشعب المغربي والجزائي ليسوا بعرب.

لكن يا صديقي المحبّ أن تكون أمازيغيّا أكثر من كونك عربيا، ما رأيك أن نعكس هذا الأمر قليلا ونتخيّل أنّك تعيش في دولة أمازيغيّة من ناحية الهوية واللغة والثقافة، بل إن تلك الدولة قطعت كلّ ما يقرّبها للعرب من حيث اللغة والثقافة والانتماء، وربّما أنشأنا حدودا لتلك الدولة تختلف عن الحدود الدّوليّة القائمة في شمال إفريقيا لتتماشى مع الأعراق الأمازيغيّة ومن كان مختلفا عن ذلك فرضنا عليه الهوية واللغة والثقافة الأمازيغيّة على اعتبار أن تلك الدولة التي سننشئها أغلب سكانها من الأمازيغ.

هل تشعرك تلك الدولة بالسعادة؟

ولكن في تلك الحالة ما موقفك تجاه العرب في شمال إفريقيا بغضّ النّظر عن تعريفك ما هو عربيّ وما هو ليس بعربي . أنا متأكّد أنّك تعرف أشخاصا حولك يشعرون بوجود مُكون ما عربيّ سواء من ناحية اللّغة أو الثقافة أوالهوية، ماذا نفعل مع هؤلاء؟

حتى إن كان ذلك البلد الأمازيغي المتخيل أغلب من فيه من الأمازيغ لا نستطيع أن نستخدم تلك الحجة لفرض ثقافة ولغة وهوية واحدة وأن ننتزع ثقافة ولغة وحضارة الآخرين.

إن فعلنا ذلك فأنت ترتكب نفس الجريمة التي تعاني منها، ما الحلّ إذن؟

المشكلة يا صديقي ليست في اللغة أو الهوية أو الثّقافة العربيّة وليست المشكلة إن كانت الثقافة أواللغة الأمازيغيّة أرقى أو أدنى من العربيّة. المشكلة هي الدّولة الّتي تعيش فيها وأسلوب الحكم المتبع.

إن مشاكل الأمازيغ في المغرب والجزائر لا تختلف كثيرًا من ناحية السبب وطريقة الحل عن مشاكل الأكراد في العراق وسوريا ومشاكل الشيعة في البحرين والسعودية ومشاكل المسيحيين في مصر ومشاكل الدروز في سوريا ولبنان ومشاكل الشركس والنوبيين والعلويين والسنة والبدون والموارنة واليزيدين … القائمة طويلة.

فبغض النظر عن نوعية تلك الأقليات وتركيبة تلك المجتمعات، جميع الدّول العربيّة من المحيط إلى الخليج ومن البحرين إلى المغرب دول غير حديثة جميعها بصورة أو بأخرى أسلوب الحكم فيها يقوم على فكرة العصبية الواحدة الحاكمة ويقوم على فكرة الرعية ولم تظهر في أي منها بعد فكرة المواطنة فوجود أبنية شاهقة ووسائل اتصال حديثة ومراكز تسوق فاخرة ليس دليلا على حداثة وتتطور بنية الدولة إنما هو من مظاهر الحداثة التي ترتبط بالقدرة على نقل أو شراء تلك المظاهر أكثر من ارتباطها بحداثة الدولة.

دعونا ننظر لتلك الفكرة من منظور تاريخي لنلقي الضوء على فكرة العصبية، المواطنة والأقليات.

العصبية وما قبل الدولة الحديثة

قبل نشأة الدولة الحديثة كانت العصبيّات هي العنصر الأساسي لبناء أي دولة. ففي الماضي كانت تنشأ الدولة بناء على عصبيّة ما، عصبية تجمع بين مؤسسي الدولة على أساس لغة أو فكر أو عرق أو دين أو مذهب أو القبيلة. وحينما يمتلك أصحاب تلك العصبية القدرة على فرض سيطرتهم على مساحه معينة من الأرض يقومون بتأسيسس تلك دولة سواء بقبول أو برفض من يعيش داخل حدود تلك الدولة. وتسمى تلك الدولة نسبة لمؤسسيها أو نسبة لما وحد مؤسسيها تحت تلك العصبية ففي المنطقة العربية ظهرت الدّولة الأمويّة، العثمانيّة، العلويّة، الفاطمية، العباسية، الصفوية، الأيويبة والوهابية وغيرها.

حدود تلك الدولة كانت تتمدد حتى آخر جندي لتلك الدولة بغض النظر عن هوية وقبول من يعيش داخل تلك الحدود وتتحرك الحدود بالزيادة والنقصان حسب قدرة الدولة العسكرية وصراعها مع العصبيات المشكلة لدول الجوار تحت مظلّة هذه الدّول المتعاقبة كانت الشعوب – في أفضل حالتها – تحت حاكم صالح يرى ويعامل عموم الناس كالرعية. وتعبير الرعية هو تعبير دقيق مأخوذ عن اهتمام الراعي بأغنامه حيث يفرض الراعي ما يراه صالحًا ولا يعير أدنى اهتمام لخلفية ورأي الأغنام.

فوحدة الرعية ووحدة المسار هو ما يظهر ذكاء وفطنة الراعي. بل إن خروج فرد من تلك الأغنام عن القطيع معناه هلاك ذلك الفرد وإن كانت العصبية المُشكلة للدولة تختلف كثيرا عن عموم الشعب في منطقة ما من حيث العرق أو الدين أو الفكر أو المذهب أو القبيلة. تحاول الدولة فرض عصبيتها وحجب أي عصبية مختلفة وربما منحهم حقوقا أقل لأن ذلك لا يتناسب مع فكرة الراعي ووحدة الرعية ويهدد استقرار تلك الدولة.

وهنا يظهر مفهوم الأقلية والأغلبية بمعناه الأوسع من التعداد السكاني حيث تُعامل الدولة مجموعة أخرى كأقلية وتفرض عليهم أن يحترموا ويتقبّلوا – أحيانا بقوّة السّلاح – العصبية الحاكمة.

إذن لم تكن الدولة هي الممثل الحقيقي لسكان منطقة ما بل كانت الدولة مُمثلة للعصبية المتغلبة ولم تكن الدولة الحاكمة في منطقة ما تمثل لغة وعرق وثقافة سكانها بل إن الدولة الحاكمة عملت دوما – إما بالاقناع أو بالسيف – على فرض هويتها ونزع هوية وثقافة السكان الأصليين إن تعارضت مع العصبية المُشكلة للدولة. فمن ينتمي للعصبية الحاكمة يحصل على حقوق أكبر وواجبات أقل من الآخرين.

لتبسيط الأمر دعونا نفكر الآن فقط في الأقليات العددية. فعلى سبيل المثال الشيعي أو المسيحي أو الدرزي أو الماروني الذي عاش تحت حكم دولة سنية كان يُنظر له كأقلّية تمثل جزءًا مختلفًا عن الرعية الباقية ولذلك تحتاج تلك الأقلية معاملة خاصة سواء كانت معاملة تفضيلية أو معاملة عقابية ولا أقصد هنا القول بأن ذلك كان حصرًا على الدول السنية أو على الإسلام فحتى الإمبراطورية الرومانية كانت كذلك وجميع الدول التي تشكلت قديما كانت كذلك. فالقضية هنا هي كيف تنظر الدولة إلى الشعوب التي تعيش داخل الحدود التي رسمتها الجيوش وكيف تتعامل الدولة مع السكان الأصليين وكيف تتعامل الدولة مع الأقليات المختلفة عن عصبيتها.

تولدت معظم الأقليات في منطقتنا حينما استقرت الأمور لدولة ما واستطاعت أن تفرض هويتها أو ثقافتها أو لغتها أو مذهبها على عموم الناس وتبقى أقلية مختلفة لا تتبع التغييرات الناشئة عن وجود تلك الدولة.

ففي بعض الحالات تفُرض على تلك الأقلّيات مجموعة من المحاذير والشروط المجحفة من حيث نوعية الأعمال التي يقومون بها وأماكن السكن ونوع الزي وطقوس العبادة. وفي حالات أخرى تفُرض عليهم مجموعة محدودة من القواعد التنظيمية.

ولكن في جميع الحالات تتعامل معهم الدولة من منطلق القطيع المختلف عن القطيع الأساسي وتتعامل معهم ككتلة واحدة. فعلى سبيل المثال إن كنت من طائفة الأرمن في دولة ذات عصبية أخرى عليك إذن أن تتبع القواعد المنظمة للأرمن بحكم انتمائك لهم فلا تعتبرك الدولة إلا جزءًا من طائفة واقعة في منطقة ما تحت سيطرتها ومقدار الحقوق والواجبات المحددة لك مربوط دوما بحقوق ووجبات تلك الطائفة.

وبالتأكيد إن كنت من الأقلية فإنك تشعر أن الطائفة أو المذهب أو العرق أو الدين أو القبيلة الذي تنتمي له يمثلك أكثر من تلك الدولة ولم تكن تُعرف نفسك كمواطن من مواطني الدولة الأيوبية أو العلوية أو الفاطمية أو العثمانية أو … لأنك لم تكن مواطنًا بل أنت من الرعية التي تعيش تحت حكم تلك الدولة وتُعرف نفسك بالجهة أو الناحية أو الدين أو المذهب فتكون الأسيوطي المسيحي أو الامازيغي المراكشي أو البغدادي أو المقدسي المسيحي.

الدولة الحديثة ومفهوم المواطن

مفهوم المواطن هو مفهوم حديث أخذ في التشكل في الثلاثة قرون الأخيرة مع تتطور فكرة الدولة. ففكرة الدولة الحديث نشأت مع تحديد سلطات الحاكم ودخول الشخص العادي للمجال السياسي عن طريق الانتخابات التي بدأت بصورة محدودة واتسعت مع مرور الوقت حتى أصبحت الحكومات التي تمثل شعوبها هي الحكومات الشرعية وأصبح انتزاع السلطة عن طريق القوة المعتمدة على العصبية يُفقد الشرعية.

ويعتمد مفهوم الانتماء لتلك الدولة الحديثة على المساواة والخدمات المقدمة للأفراد. فمع التطور العمراني والمعرفي وفرت الدولة الحديثة خدمات لا تستطيع الجماعات المحلية أو الطوائف تقديمها بنفس الكفاءة من تعليم إجباري وصحة وتأمين اجتماعي وكهرباء ومياه و… ولكن أهم من ذلك كله كان ضمان المساواة بين جميع قاطني الدولة بغض النظر عن الدين أو المذهب أو العرق أو اللغة أو القبيلة أو … هو الرابط الحقيقي بين الفرد والدولة.

فلا يحتاج المواطن لهويته الأصلية للحصول على خدمة أفضل أو واجبات أقل فالدولة الحديثة لا تعتبر ولا ترى المواطن كجزء من طائفة أو قبيلة أو مذهب أو دين بل هو مجرد مواطن ويتحول مفهوم الرعية إلى مفهوم المواطن ويتلاشى مفهوم الأقلية فلا حاجة لمناقشة حقوق الأقليات ونسبتهم التمثيلية ولا حاجة للمطالبة بالمساواة لأن الدولة الحديثة لا تفرق بين مواطنيها من الأساس وبالتالي لا نطالب فيها بحقوق الأقلية.

وليس معنى هذه أنك تفقد هويتك أو لغتك أو عرقك أو دينك في الدولة الحديثة ولكن هذا معناه أنك لا تحتاج لهويتك أو عرقك أو نسبك حينما تتعامل مع الدولة لتحصل على حقوق أكثر وواجبات أقل، في الدولة الحديثة جميع انتماءاتك الأخرى هي اختيارية وتتدخل الدولة فقط لتحمي اختياراتك ولا تعمل الدولة على محوها بل إنها تستفيد من الاختلاف والتنوع العرقي والديني والمذهبي بين أبنائها وأخيرا فالدولة الحديثة تمثل مواطنيها ولا تمثل العصبية الحاكمة.

المشكلة أبعد من كونها بين الأمازيغ والعرب، فإن أعدت قراءة هذا المقال واستبدلت الأمازيغ بأي طائفة أخرى كالكاثوليك أو الشّيعة أو العلويّين أو اليزيديّين أو الأكراد أو الدّروز أو الأرمن أو الموارنة أو النوبيينأاو… جميع هؤلاء وآخرين في أفضل حالتهم يتحدثون عن حقوق الأقليات أو المحاصصة السياسية لأنهم يعيشون في دول ليست حديثة.

الأقليات وتفكيك وحدة الدولة

ولكن هل إحياء تلك الهويات والقوميات يفكك الدولة وتتحلل كما نرى في العراق وسوريا؟

الإجابة نعم إن كانت الدولة غير حديثة تعتمد على القوة لفرض وجودها وتتعامل مع شعبها كالرعية. ففشل الدولة في تقديم الخدمات مع انعدام مفهوم المواطنة يضعف الدولة ويهدد بتفكيكها حيث يشعر الفرد بالانتماء للطائفة أو العشيرة أو القبيلة أو المذهب أكثر من الدولة القائمة لأنها لا تمثله ولا تقدم له أي خدمات ولا تتعامل معه بمساواة.

فكرة الراعي الصالح مع وحدة الرعية كشرط لتماسك الدولة لا تشرح لنا لماذا لا تتفكك بلجيكا وسويسرا حيث لا يتكلّم المواطنون لغة واحدة، فما بالك بانتمائهم لأعراق وثقافات مختلفة وما رأيك في كندا وأسترليا حيث يتكون المواطنيون من أعراق ومذاهب وأديان ولغات مختلفة.

ببساطة الاختلافات العرقية والدينية والمذهبية تضعف الدول القديمة ولكنها تقوي وتثري الدول الحديثة.

فإن كنت تعتز بكونك أمازيغيا أو كنت تعتز أكثر بكونك عربيا

فدعني أقول لك:

«أمِنْ تَــذَكِّرِ جيرانٍ بــذي سَــلَمِ مَزَجْتَ دَمعــا جرى مِن مُقلَةٍ بِدَمٍ

….

لولا الهوى لم تُرِقْ دمعـــا على طَلِلِ ولا أَرِقْتَ لِــذِكْرِ البـانِ والعَلَـمِ».

أعتقد أنك استمعت لتلك الكلمات من قبل سواء كقصيدة أو في موال، إنها بردة المديح للإمام البوصيري التي تعد من عيون الثقافة العربية ومن أهم ما كتب في المديح. أتعلم أن الإمام البوصيري من أصل صنهاجي (من قبائل الأمازيغ) ولد في صعيد مصر بل إن افضل ما كتب ردا على تلك القصيدة كانت نهج البردة للشاعر المصري أحمد شوقي أمير الشعراء والذي كان أيضًا من أصول كردية.

ماذا لو قام والد احمد شوقي بنزع الثقافة العربية عن ابنه وزرع الكردية وماذا لو انتسبت عائلة البوصيري للأمازيغية أكثر من العربية؟

أدعوك أن تبحث عن جميع أعلام العرب وبل وأعلام جميع الطوائف الأخرى التي تسكن منطقتنا لتجد أن الحضارات والثقافات تُصنع بمزج وصهر ثقافات أخرى لإخراج منتج جديد. ذلك المنتج الجديد لا تستطيع أن تحدد مكوناته فما بالك بفصل مكوناته.

ببساطة الدولة الحديثة الناجحة كطبق الفاكهة الذي يحتوي على مختلف الأنواع والأشكال كلما ازداد تنوعه ازدات قيمته.

إن الاختلافات الموجودة في منطقتنا من المغرب إلى البحرين كانت ولا تزال مصدر ثراء تلك المنطقة وإذا انتزعنا المكون المختلف من ثقافتنا ولغتنا وحضارتنا لن يبقى شيء.

الدولة الحديثة هي ما يصهر كل تلك الاختلافات ويصنع مزيجًا معبرًا عن مواطنيه.

في رأيي القضيّة ليست الأمازيغية ولا أي أقلية أخرى بل القضية هي غياب مفهوم الدولة الحديثة، فإن كنت أمازيغيّا أو شيعيّا أو كرديّا ٱو سنيا أو علويا أو درزيًا أو مسيحيا أو مارونيًا … مهما كنت، عليك أن تطالب بدولة حديثة لا يستطيع أحد فيها أن يفرض عليك أي لغة أو ثقافة أو مذهب ولا يستطيع أحد أن ينتزع منك لغتك أو ثقافتك أو مذهبك ولا يجب عليك أن تتفاوض على حقوق الأقليات فمفهوم المواطنة الحقيقي لا يعرف فكرة المحاصصة السياسية ولا يعرف فكرة الأقليات والأغلبية، إن اختلافك هو مصدر لإثراء المجتمع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمازيغيّ
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد