في صباح يوم من أيام دراستي في الجامعة، وبعد انتهاء إحدى المحاضرات ذهبت أبحث عن زميلة لي، فوجدتها تجلس ومجموعة من الفتيات والفتيان زملائها، فيما يطلق عليه بالبلدي «شلة» يفترشون الأرض أمام إحدى الكليات، فدخلت عليهم في شيء من الوقار وقلت بتلقائية عادية «سلام عليكم» هكذا بنفس هذه الصيغة المحببة إلى قلبي، وما إن انتهيت من إلقاء التحية عليهم، بادرني بعضهم بابتسامة ساخرة من تلك المصحوبة بصوت مثل «اخخممم»، نعم هذه الابتسامة الساخرة التي عادة ما تظهر إذا صادفنا شيئًا يدعو للـ«التريقة».

قد يتبادر لذهنك الآن أن مظهري ربما كان وقتها مثيرًا للضحك، أو أني ألقيت عليهم السلام بشكل هو الآخر مثير للضحك، كلا البتة! كنت أرتدي البنطلون مثلهم بالمناسبة، لكن ما أضحك هؤلاء الشباب هو قولي «سلام عليكم»، هكذا بهذه الصيغة، فهذا الشباب «الكوول» كما يتردد، سخر من قولي «سلام عليكم»، حتى أنني شعرت للحظات وكأني فتاة البادية التي أتت إليهم تسوق في يدها ناقة، ثم ألقت عليهم السلام، كنت في نظرهم في هذه اللحظة «old fashion»، ولو أن الزمن عاد للوراء ودخلت على هؤلاء الشباب «الكوول» فقلت مثلًا «هااااي عليكوا»، لما ضحكوا ساخرين أبدًا على حد اعتقادي.

منذ شهور قليلة مضت راسلتني إحدي صديقاتي العزيزات، تخبرني أن هناك وظيفة صحفية، يمكنني القيام بها من المنزل، وأنه علي أن أراسل أنا بدوري فتاة أخرى عن طريق الإنترنت، حتى تقدمني لصاحب العمل، وبالتالي أتقدم للوظيفة بشكل رسمي بعد أن أخبره بسيرتي الذاتية المتواضعة، وهكذا فعلت، بكل وقار أيضًا دخلت أحدث هذه الفتاة عبر «الماسنجر» وبدأت حديثي معها «السلام عليكم» يا …، فردت السلام ثم استمر الحديث بيننا تخبرني فيه بما يتطلبه العمل الجديد، وما ينبغي علي أن أفعله حينما أتواصل مع هذا الصحفي. كل هذا شيء طبيعي جدًا، حتى وصلنا لنهاية الحديث وجدتها تشدد علي في حديثها وتقول: «بس لما تدخلي تكلمي الأستاذ «فلان الفلاني» متبدأيش كلامك بالسلام عليكم، قولي مساء الخير».

بالمناسبة هذا الأستاذ الصحفي اسمه «محمد»، وبالمناسبة أيضًا هو مصاب بالإسلاموفوبيا، مثله مثل هؤلاء الذين ارتعدوا سابقًا من منشورات كتب عليها «هل صليت على النبي اليوم؟»

لي صديقة عزيزة جدًا على قلبي، عملت بإحدى المحطات التليفزيونية، وكانت محجبة، لكنها أخذت قرار بخلع الحجاب – ليست هذه مشكلتي- ما في الأمر أن لها قصة قصيرة جدًا معي فيما يتعلق بـ«السلام عليكم»، ففي اتصال هاتفي بيني وبينها ، بدأته أنا كعادتي بالسلام، لكنها هذه المرة كانت «سلامو عليكوا»، المفروض والطبيعي والبديهي أن تكون الإجابة سريعًا وعليكم السلام يا حبيبتي، مثلًا، إلا أنني وجدتها ترد قائلة «مساء الخير»، فصمت أنا لبرهة، فوجدتها تسرع لتقول «وعليكم السلام».

أعرف جيدًا «مساء الخير» هذه، كنت أسمعها كثيرًا عندما عملت في إحدى الصحف الليبرالية المصرية، عرفتها بين عدد كبير من الصحفيين ذوي الفكر المتحرر، المنفتح، الذين يرحبون بالحرية ويؤمنون بمبدأ أنت حر، وافعل ما شئت، اخلعي الحجاب فأنتِ حرة، اشربي السجائر فأنتِ حرة، لكنهم يضعون لقواعدهم ومبادئهم استثناء حينما يسمعون «السلام عليكم».

هل تبادر لذهنك الآن سؤال يقول: وما المشكلة في هذا؟ هذا موقف عادي، ما الجرم إذا قالوا مساء الخير؟

سأطلعك على الأمر.. في الواقع أنها كانت حريصة ألا ترد بـ«السلام عليكم»، وفي الواقع إنها وبحسب ما عرفته أنا عنها وعن عدد ممن سبق لي التعامل معهم في مجال «الميديا»، يرون أن «السلام عليكم» هي تحية عنصرية متشددة، لا ينبغي استخدامها بشكل عام، لأنها توحي «من وجهة نظرهم» بأن لك فكرًا إسلاميًّا متشددًا، فهؤلاء موقفهم من «السلام عليكم»، شبيه بموقفهم من شخص ذي لحية طويلة، أو يرتدي جلبابًا قصيرًا، هي إسلاموفوبيا من المسلمين أنفسهم، تتجسد في نفور من مجرد كلمتين ليستا مدججتين بسلاح، ولا يحملان معنى لعنف أو تعصب، بل على العكس تبدأ أولهما بالسلام، السلام تلك الكلمة التي ينشدها العالم كله، يتجنبها البعض هنا فقط لأنها تحمل خلفية إسلامية، هكذا وصل بنا الحال مجرد «السلام عليكم» تثير قلقًا عند بعض المسلمين، ويرونها تعصبًا وتشددًا، ويعتبرها آخرون «موضة قديمة».

لا أقصد من كلامي هذا التعميم، لكنها حالات قابلتها في طريقي، وهناك غيرها لم يكن الرد فيها سوى بتعبيرات الوجه، ونظرات الأعين، لكني مصرة على تأكيد أن هناك من بين الشباب «الكووول»، أو «الروش »، من لا يزال يفضل «سلامو عليكوا»، ويقولها بطبيعية دون تحسس أو حرج، خوفًا من أن يتهمه البعض بأنه «قديم قووي»، وهناك بالتأكيد من يلقون تحية «السلام عليكم»، في قلب الأوساط المتحررة المسلمة، حتى وإن كانت «ساموا عليكوا».. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد