يصادفني كثيرًا منشور (Post) هنا، أو تعليق هناك على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي عن «تعدد أزواج» الرجل في الإسلام، فضلًا عما يصك مسامعي من خطابات وخطب عن ذلك الشأن، بله دوي المسامرات وطنين الوسوسات التي لا يخلو منها مجلس ذكوري يحض على التعدد، ويعد التقليل من شأن هذا الحكم الإسلامي الخالد كفرًا بواحًا، وجحودًا يقترب أن يضاهي جحود إبليس نفسه بامتناعه عن السجود لآدم!

ومثلما لُعن إبليس وطُرد من رحمة الله، تتوجه أنظار القوم دائمًا إلى الرجل المخالف لحكمهم المطلق في هذه المسألة بكثير من الشفقة المتربصة نزول اللعنات الإلهية على أم رأسه، ولن أزيدكم من الشعر بيتًا إذا حدثتكم عن أن (المجتمع المتدين) – بين معقوفتين – ينظر إلى المرأة الرافضة للتعدد تلك النظرة، بل تعدى الأمر حتى سمعت من يستنزل اللعنات على أم رأس المرأة التي تكره التعدد، وإن آمنت به تشريعًا ربانيًّا منزلًا في كتاب الله.

وعندئذ قررت أن يكون لي وقفة مع هذا الأمر، مع اعترافي الكامل بأني شخصية (شهريارية) تود لو جمعت نساء العالمين إلى ذمتها، وتؤمن بكل ما يؤمن به الرجل الشرقي، بل لا أكون كاذبًا إن صرحت بأني أرفض كل مسلمات ومنطلقات الرجل الغربي، والذي لا أعده رجلًا بمعاييري الشرقية، ولكني أحترم فيه مداهنته ولينه لنفسه وأهله، ما دام قد غاب عن تكوينه الشخصي نزق الرجولة الشرقية، وعنفوان نخوتها؛ فبات محبًّا لذاته هكذا.

لن أستطرد كثيرًا هنا في الحديث عن مفاهيمي الشرقية، وإنما أردت ذكر ذلك ليعلم الناس كم هو غالٍ عندي أن أتحدث عن السطوة والسيطرة، بل الهيمنة الأبوية على حماي وعريني، غير أن المقام هنا يجل عن ذلك؛ إنه الإسلام! ذلك الحمى الذي أريد له أن يكون كلأ مستباحًا لكل حاطب، وقد أهينت خطته، وحلت ربقته، وأبعدت سطوته على الناس من قبل أهله، وليس من قبل أعدائه، فلما وجد أعداؤه ذلك، لم يكن عليهم إلا أن يطرحوا الأسئلة، ثم يتركوا أهله ليمزقوا الإسلام إربًا، ويجعلوا القرآن عضين – أي نتف وأجزاء متقطعة، يذهب كل فريق بما معه فرحين معتقدين أنهم على شيء، بل هم الأخسرون أعمالًا – ففريق يصف الإسلام بالهوان الغربي للرجولة، مؤصلًا لكل مبتذلات الغرب من النصوص الدينية! وفريق يصف الإسلام بالعصبية الشرقية، مؤصلًا لكل حماقات الشرق من النصوص الدينية كذلك، والإسلام براء من هذا وذاك.

يتكلم أحدهم عن تعدد الأزواج للرجل الواحد، ليس وفق معطيات كونه عرفًا اجتماعيًّا، تواطأ عليه الرجال شرقًا وغربًا، قديمًا وحديثًا، سواء كان التعدد ضمن مؤسسة الزواج التقليدي، أو وفق علاقات الزنا السري، أو حتى وفق معايير الدعارة على مر العصور، ومختلف الأماكن، مهما كانت مسميات العلاقة بين الذكر البشري وأنثاه، بدءًا من اتخاذ الخليلات والصاحبات – زوجًا، أو عشيقة، أو محظية – وانتهاء بالعلاقات الجسدية الحيوانية الخالية من أي التقاء إنساني في أماكن الفحش الداعر.

التعدد ظاهرة اجتماعية، أو نفسية ربما، لا يمكن لكائن من كان، أو تشريع أو قانون، أن يخلص العالم منه، ما وجد ذكور وإناث، غاية ما يمكن التحكم فيه الارتقاء بآحاد الناس كي تسمو نفوسها عن ذلك التعدد، ودعوة الرجال أن يتأنَّسوا – أي يصبحوا أكثر إنسانية – في علاقتهم بالمرأة، وكل أمل الداعية في ذلك أن يجمع إليه أكبر عدد ممكن من الرجال، وإقناع الأكثرية بالاكتفاء بأنثى واحدة، تكون له المرأة التي هي السكن والطمأنينة والدافع للتقدم الإنساني.

الإسلام يعالج هذه الظاهرة، شأنه في ذلك شأن ظواهر اجتماعية كثيرة أخرى عالجها الإسلام، فمنها ما تطور الإنسان حتى حرمها على نطاق واسع، مثل ظاهرة العبودية، ومع ذلك لم تختف مطلقًا، ومنها ظواهر لم يستطع الإنسان فهم عاقبتها الوخيمة، فلم يَرْعَوِ أكثر الناس عنها، مثل ظاهرة إذهاب العقل وتغييبه بكل مسكر، كالخمر والحشيش… إلخ.

لكني وجدت للأسف كثيرًا من المؤمنين بأن شريعة الإسلام حق من الله، صالح لكل زمان ومكان، وهؤلاء يتعاملون مع علاج الإسلام للتعدد كأنه عقيدة إسلامية راسخة، ومؤصل لها في القرآن تأصيلًا إيمانيًّا، بل لقد سمعت الخطيب على المنبر الجمعة الماضية يدَّعي – كذبًا – أن المرأة التي يغضبها التعدد كافرة، أو هي على حافة الإيمان إن كادت لتهوي، ولا أدري من أين أتى هؤلاء بهذه الثقة الحنجورية، وأنى لهم ذلك التأصيل (الباذنجاني)!
أنا مثلًا لا أحب القتال، ولا أحد من الأمة يحب القتال، بل لا أحد من البشر، والله يعلم ذلك، وقد كتبه الله على الناس ليتمم سنة التدافع.. أفأكون كافرًا إن صرحت أن القتال كره لي!
قتلتم إذا كان ذلك ظنكم برب العالمين!

كذلك أنا مع أن الزوج إذا كره زوجه أن يهجرها إلى غيرها، ولكن الله يخبرنا أن الصبر على الزوج مع الكره مظنة أن يجعل فيه خيرًا كثيرًا، أفإن هجر أحدهم زوجه لما كرهها يكون عاصيًا!

قتلتم!

لم يتحدث القرآن عن تعدد أزواج الرجل إلا في معرض الحديث عن خلق الله آدم، وخلق حواء منه، ثم حديثه عن الأمانة في تعهد أموال اليتامى، ثم حديثه عن النفوس الضعيفة التي قد تأكل مال اليتيم لضعفه، وما أحطها من نفس تستبيح أموال الضعفاء، ولا تدعي العفة والشرف إلا في أموال الأقوياء، ثم حدثنا الرب، عز وجل، أن من وجد في نفسه ضعفًا فليبتعد عن الزواج بتلك اليتيمة، وله في غيرها من النساء ممن لهن أهل قد يمزقون شرايينه إربًا إربًا إذا حاول هضم حقها وسرقة مالها، وهنا يذكر ربنا أن له أن يتزوج من هؤلاء مثنى وثلاث ورباع، لعلهما أو لعلهن يملأن عينيه بمالهن المحرز بهن وأهلهن عن أن تمتد عيناه إلى مال اليتيمة.

والعجيب أن الله لم يذكر الزواج من واحدة، فقال: مثنى وثلاث ورباع. ولم يقل: واحدة واثنتين… أو فرادى ومثنى…

وليس لهذا دلالة إلا أن التفريد، والاكتفاء بزوج واحدة الأصل المعول عليه، ولكنه – سبحانه وتعالى – الرب الرحيم الذي يعلم أن النساء في حياة الرجل قد يخرجنه من الجنة، ويدعونه إلى الكفر فيستجيب، إذا رأى أن الإسلام يمنعه عنهن، فليس أغلب لعقول الرجال من ناقصات العقل والدين، ولذلك سمح للرجال بالتعدد موافقة للأصل الاجتماعي السائد، ولكنه ضيق العدد إلى أربع على الحد الأقصى.

وبالمناسبة ناقصات العقل ليس لها علاقة بنقصان الذكاء أو الفكر؛ فالعقل عند العرب ليس هو العقل عندنا اليوم في الاصطلاح المعاصر. فـ(بلاش فتي وهبد في دين الله)، ولكن لهذا الحديث حادث ومقال آخر، لعله يكون قريبًا.

السورة – سورة النساء – تتحدث عن أن الإنسان الرجل له زوج امرأة، وأن على ضعيف الإرادة وعديم الصبر عن الجور والحيف، وسريع الخوض في المطامع، أن يبتعد عن مظان الشبهة في الوقوع فيما حرم الله، لاسيما أن الله قد جعل لهؤلاء سبيلًا بالحلال مثنى وثلاث ورباع. فيستطيع أن يتزوج من أحب، وأن يجمع معها ذات الثراء، وذات الجمال، وذات السلطة، لعل ذلك يمنعه عن أكل الحرام؛ لأن آكل الحرام المستخف بدين الله (هيتنفخ)، وعقيدة الإرجاء لن تنفع لصًّا، ولا زانيًا، ولا مجرمًا مهما كان، تلك العقيدة التي تعلم صاحبها أنه في مأمن من كل عقوبة ما دام مؤمنًا بالإسلام، تلك العقيدة التي شرعها الشيطان في كل ديانة سماوية، فترى اليهودي في النعيم ما آمن بالسيد رب الجنود، وترى المسيحي في ملكوت الله ما آمن بالمخلص، وترى المسلم في الجنة ما آمن بالله الرحمن الرحيم.

هيهات هيهات! فلمن جعلت جهنم (الجحيم) إذا لم تكن قد أعدت لكل مستخف بدين الله، متطاول على ما حرم الله؟

ربنا سبحانه وتعالى فيما يتعلق بتشريع التعدد (يفرغ حجة الإنسان) – إن صح التعبير – لكي لا يقول زان: ضعفت فزنيت، ولكي لا يقول مختلس: افتقرت فسرقت!

وأخيرًا أكرر أنني لا أدعي أني ممن يجلدون عند المطامع، ولكني أحب أن يعرف الإسلام بحقيقته، ولو خالف هواي، وأحب أن يقال إن السارق خسيس، ولو كنت لصًّا عياذًا بالله من ذلك، فلا يحملن أقوامًا هبلُ الشهوات واللذات في زماننا على تحريف دين الله ليوافق مفاسقهم.

استقيموا يرحمكم الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد