نحن في العموم نتعرف على جنسيات بعض الأشخاص بما يميز ملامحهم، وتتعمق أكثر إذا تعرفت على عاداتهم وتقاليدهم. فإذا رأيت بعض المواطنين من قارة آسيا، ستتعرف سريعًا على هويته إن كان صينيًّا، أو فليبينيًّا، أو حتى هنديًّا، من زي ورقص وموسيقى وفن رسم ونحت إلخ. ولكل دولة مطبخها الخاص بها والأكلات التي تشتهر بها، ومن هنا تعرَّف العالم على المطبخ الفرنسي والإيطالي والصيني والفرق بينهم، وتظهر الحضارات جلية في الفن المعماري والأشكال الهندسية التي تتميز بها المساكن والآثار لكل دولة على حدة.

وهكذا كل الحضارات الإنسانية، فلكل بلد حضارته التي تميزه عن غيره، فكلنا يعرف أن الكولسيوم في إيطاليا، وبرج إيڤل في فرنسا، والأهرامات في مصر، ولا يمكن لأحدهم تبادل هذا بذاك، بل هي حضارة فوق سطح الأرض ظاهرة ظهور الشمس في السماء. ولذلك تعال نحاول أن نتفهم لماذا الكره الشديد للإسلام ومحاربته وبالتالي للمسلمين؟

وتأكد أن هذه النتيجة تستطيع التوصل إليها بالتعامل مع أفراد أو مجموعات من هذه الشعوب، شعوب الغرب، وردود أفعالهم التي تخرج على شكل مظاهرات أو استعراض لرفض هذا المزج والبصمة الإسلامية، عن طريق أعضاء في البرلمان، يُعلنون استياءهم، والذي هو انعكاس بالطبع لآراء الناس في محافظتهم، وربما نوع من أنواع العنصرية التي لا أصل لموضوعية فيها.

والجدير بالذكر استياء عضو البرلمان الإيطالي، الذي أرسل نداء على صحيفة إيطالية مشهورة، مخاطبًا محافظ إحدى المحافظات الشمالية، وقام بنشر صورة لامرأتين مسلمتين، يرتديان الخمار الطويل أثناء عبورهن للشارع، وقال منددًا أيها المحافظ كيف تسمح لهن، وتتركهن يتجولن في شوارعنا بهذا الزي، ولكن ما خفي من خلافات في الأماكن العامة أو الشواطئ برفض منظر ملابس البحر الشرعية، والنوادي الرياضية الخاصة، بل تحدث أحد القضاة في إحدى البرامج المشهورة، بأنه يجب على الأجنبي احترام الدولة التي يقيم بها، وإذا أحب أن يقيم شعائر دينه أو يرتدي زيه، فليرجع إلى بلاده. هكذا الصراع يدور بين كواليس الحياة بين المدنين من أصحاب البلد والمهاجرين.

الدول الأوروبية لا يكرهون فينا ديننا، بقدر كراهيتهم للمآذن التي تم بناؤها على أراضيهم، وبدأت تقف جنبًا لجنب بقباب الكنائس، بل وارتفعت وارتقت بشكلها الهندسي الجميل، وبدأت تغيير ملامح حضارتهم. لا يكرهون فينا الحجاب واللحية الطويلة والجلباب الأبيض والبنطلون الذي يرتديه بعض السلفيين، أو الذي يعكس ملامح الزي الإسلامي، بقدر كرههم لتغيير ملامح هويتهم وشكل شوارعهم والذوق العام لديهم، وفرض أنواع وتصميمات جديدة في الأسواق التي اختلطت بتصميمات زي يُخالف زيه وخصوصيته.

ربما من يكره مضمون الإسلام، نوعين من الناس وهذا يُدركه الذي عاش في الغرب.

هناك نوع من الناس جُهل به عن طريق الفكر الذي انتشر وشهر بالإسلام، بأنه فُرض بالسيف فإذا هو قلقٌ منك ويكره كل أفعالك، والبعض متأكد بيقين أحيانًا أنك ستسطو على ماله وبيته وسوف تحتل بلاده، وكلما كَثرَ أعداد المسلمين في هذه الدولة، زاد قلقهم فيصبح رد الفعل أنواع شتى من العنصرية، بل البعض يعتقد أنه عليه الرحيل إلى أمريكا الجنوبية، خوفًا من استيطان المهاجرين للمنازل في المستقبل القريب، ناهيك عن كثرة الكتب الصهيونية، والتي يقوم بتأليفها بعض الكتاب الإسرائيليين، والمشوِّهة لصورة الإسلام والمسلمين، والتي يركن إلى تصديقها البعض من المثقفين أو أنصاف المتعلمين.

والنوع الآخر من تجار السلاح وبعض من أساتذة الجامعات، وربما الساسة والأنظمة الحاكمة، و الذين يستوعبون التاريخ جيدًا، وتحت أعينهم بل في بعض بلدانهم بقايا الحضارة الإسلامية، التي شقت قلب حضارتهم وأنارت جوانبها، وهم يستوعبون جيدًا من هم المسلمون، وإلى أي مدى هم قادرون على بناء نهضة جديدة ستزهو مرة أخرى إذا حصل المسلمون في بلادهم على العيش الكريم والتعليم الجيد والحرية والعدل، ولذلك هم باخعون أنفسهم حبًا وتقربًا من كل حاكم ظالم مستبد ديكتاتور، يرونه أداة تأخير لهؤلاء المسلمين، ونهضتهم وحلمهم باسترجاع القرون العظيمة التي عمت العالم، وكانت أزهى عصورها في إسبانيا، ولذلك هم قرروا والتزموا بالوقوف بجانب التيارات المتشددة، وأصبح عندنا «داعش» المستحدثة من «القاعدة» والأكثر إرهابًا وشراسة من التتار.

ولكن للحق نقول ولماذا الاستغراب؟ فنحن أيضًا حريصين على وجه حضاراتنا، ولكن ربما بشكل مختلف، فإذا كانت بلادنا مليئة بالكنائس، بجانب مساجدنا، فهذا جزء لا يتجزأ من حضارتنا المصرية والإسلامية، وكلاهما جزء لا يتجزأ من بعضه، وكذلك بعض المعابد اليهودية القديمة، التي ما زالت، ولكن من غير المقبول أن تأتي وتبني معابد للبوذية، أو معابد لعبدة النار، أو كما قال هذا على الملأ الدكتور محمد البرادعي في إحدى البرامج بعد ثورة يناير، والذى اختلف معه الكثيرون بل انتقص من شعبيته، وقلت حين ذاك، علينا إذًا أن نطلق في شوارع مصر بعض البقر والماعز، لربما يصادف أحد من هؤلاء عباد البقر، وللاحتياطي مصادفة معتقد جديد ربما يعبدون الأغنام، وبذلك يحاول البعض بقدر الإمكان تغيير وجه حضارتنا وطمس وتغطية ملامح تميزها، بإغراقها وسط أنواع من المعابد، التي هي لا أصل لها عندنا ولا دين ضمن الديانات السماوية الثلاثة.

أيضًا عندما نرى ارتداء الأجانب الملابس الخارجة عن العرف والتقاليد، والتي في بلادنا نستاء منها وربما بعض المناظر المخلة بالآداب، ورغم ذلك لم نحاصرهم أو نندد بل تركناهم في أماكن سياحية، يسمح بتداولهم بكل حرية، خلاف ما يفعلون هم في بلادهم معنا، ورغم أننا مجتمع محافظ بقدر الإمكان على أخلاقياته ودينه.

وأيضا خرج بعض من يطلق عليهم مثقفون في بلادنا، ومن هم مِنا، والذين نادوا بخلع الحجاب بحجة أنها ليست من عاداتنا وتقاليدنا وأنه نوع من التخلف، ودخيلة على مصر في حين أنهم يكرهون إسلامنا في الحجاب، فهم تمامًا عكس ما يفعله الغرب معنا، فالغرب يحاول الحفاظ على حضارته، وفي بلادنا تحت زعم العلمانية، يحاولون طمس حضارتنا الإسلامية، صراع لاستبعاد الدين وفصله عن الحياة.

ورغم استعانة البعض في مجتمعنا بسلاح العلمانية، الذي يعشقون فيه إبعاد الإسلام عن الحياة العصرية، أكتر من فهمهم لعلاقته بالعلم وبالحضارات الإنسانية، والذي يستوعبه الغرب جيدًا، ولكنهم يحافظون بل يحاولون مستميتين الحفاظ على وجه حضارتهم، وكنائسهم، وتقاليدهم، وعرفهم، والخوف عليها من الخلط أو الانقراض، أو أن يضعها على خط المساواة بحضارة الآخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صراع
عرض التعليقات
تحميل المزيد