قد تتزعزع الثقة أحيانًا لدى المؤمنين، وتذهب من نفوسهم معية الله، وحكمته في تدبير الأمور ووقوع النصر، فتخور النفوس، وتتصدع الأفئدة قائلةً لو لم نذهب إلى هذا المكان ولو لم نخوض هذه الحرب لما حلّ بنا تلك المصيبة، ولما ثُلمنا بهذه الجروح الغائرة، ولما قُتلنا هاهنا، ولربما أسلمنا أرواحنا، وحفظنا أموالنا، وصنّا أعراضنا، وهذا ظنّ سيئ بالله سبحانه، وعدم ثقة بوعده وتمكينه، ألا ترى أنه يأخذ القليل ليعطي الكثير، يأخذ الشهداء ليعطي النصر، تُأخذ الأموال لتُحفظ الأمة، يُدمر بيتٍ ومسجدٍ ودار ليحيى جيل، وتنبعث أمة وقيامة جديدة.

لقد أصاب أصحاب (غزوة أُحد) ما لم يخطر على بال، أو يتصوره قائد، أو يتمتم به جندي، أو يفسره محلل، ولكنه حدث بالفعل ليربي النفوس من شحها، ويذهب إغراء الشيطان وإغوائه لمن يجتهد في وجود النص الواضح، والقول الصريح (وإن تخطفنا الطير فلا تبرحوا أماكنكم)، ودرسٌ لمن يتخذ آراء تخالف قائدها، ويصيغ عبارات تخالف نهج الطاعة، وأسلوب القيادة، لقد ابتلاهم الله بهذه الواقعة الأليمة، والمصاب الجلل، والنكاية التي نخرت القلوب، وأحرقت الكيان الداخلي للمؤمنين، وبالرغم من العبرة والدرس الأبدي لهذه الواقعة، إلا إنها أوقعت في نفوس بعض الصحابة شك وريبة، وتساؤلات حتى يقول قائلهم لماذا هزمنا؟

لمَ حل بنا القتل؟ ولمَ استشهد منّا خيرة الرجال؟ يا إلهي! أين نصر الله؟ لو كنّا في بيوتنا نائمين، أو بين أولادنا لاهين، أو مع نساءنا مستمتعين لكنّا في أمان، ولما حلّ بنا هذا الألم، ولما هُزمنا في المعركة، ولما أُصبنا بهذه الفاجعة. لمَ أاخترنا هذا القرار ووافقنا على الخروج في الوقت الذي كان باستطاعتنا رفضه.

يا سبحان الله! يأتي الرد من الله الذي يعلم سرّهم ونجواهم، ويعلم ما لحق بهم من ضرر، وما أصابهم من واقع، ويلّم ماضيهم وحاضرهم قبل حصول المعركة وأثناءها وبعدها، (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ).

يا الله! نعم، لو بقيتم في بيوتكم لربما قُتلتم فيها، وقُتل أهليكم وأولادكم، ولهُدمت بيوتكم، وانتُهكت أعراضكم، ولاستُبيحت محارمكم، ولفُجعتم أكبر مما وقع بكم، ولأخذتم على غيلة، ولربما استُأصلت شأفتكم، ولكنّ رحمة بكم أن حصل لكم أخف الأضرار، وأقل الخسائر، فاستشهد عدد منكم، وفرّ الكثير بسبب الهزيمة فأصابكم الغمّ والهمّ خوفًا على أنفسكم فنسيتم أمر الغنائم، وذهب كل واحد محاولًا النجاة بنفسه، حتى أنكم تركتم رسول الله في أرض المعركة ظنًّا أنّه قُتل، فأنّبكم ضميركم، وهانت عليكم أنفسكم، ونسيتم أمور الدنيا فكان ذلك تخفيف من ربكم، ومواساة لما حلّ بكم من شدة وعسر، وسببًا في مغفرة ربكم إن رجعتم إليه وصبرتم على البلاء، ووثقتم بنصره، ولئن حصل لكم قتلًا أو شهادةً في سبيل الله فهو خير لكم، فكل الناس ستعود إلى ربها، وسيفنى أهل الأرض بخيرهم وشرّهم وأفضلهم من مات شهادةً وفي سبيل الله مدافعًا عن الدين والعرض والشرف، خير من الموت على لعاعة الدنيا، وفتات المادة، ومحادة الله ورسوله، ومخالفة نهجه وشرعه.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فمأرب رمز للحرية، وسورٌ منيع لردع الشر، ودرع الجمهورية، فما أصابهم أوجع النفوس، وآلم القلوب، وأدمى الأفئدة حتى يقول قائلهم لماذا حلّ بنا هذا النكال، ولمَ اجتمع علينا الخصوم، ألسنا على الحق؟

فالجواب ما أجابه ربنا سبحانه لغزاة أحد، وصحابة الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وسلم – فالواقعة تضاهيها، ولو كنتم في بيوتكم لقتلتم ولشردتم، ولهدمت بيوتكم، ودُنست مساجدكم.

هذا وقد حصل وأنتم شاهدون، فلنتمعن في آي ربنا سبحانه وكأنها مثال اليوم، وواقع الحال قال تعالى: (يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ).

فلنتأمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد