لعلَّك سمعت من أسلافك عن التعليم، سمعتَ عن الشهادة الجامعية قديمًا التي تعدل شهادة الدكتوراه اليوم!

أو لربَّما لاحظت كيف تغيب الرموز النخبوية التي كانت حاضرة بقوَّة فيما سلف.

بالمقابل فإن التعليم اليوم قد أصبح أكثر شموليَّة عن ذي قبل، ما عدتَ تسمع عن أمِّيَّة ولا تفاوتٍ معرفيٍّ مثل ذي قبل، نستطيع أن نقول إن التعليم قديمًا توسَّع بشكل عاموديًّ نخبويّ، أمّا اليوم فقد توسّع بشكل أفقي إذ لم يدع بيتًا وبرًّا ولا مدرًا إلا دخله!

التعليم عند العرب القدامى

كانت المساجد بالأمس تعادل الجامعات اليوم، ولم تكن ظروف التعليم مواتية كما يظنُّ الظانُّون، بل على العكس فقد كان التعليم شاقًّا على كثير، وقد نُقل عن كثير من أهل العلم فقرهم وعوزهم وعدم مقدرتهم على تأمين قوت يومهم، فضلًا عن تكاليف السفر والتعلم.

لكن مع ذلك فقد كان العالم الواحد يعادل أمَّة من علماء اليوم، فإنَّك تعجب حين تقرأ مؤلَّفات ابن الجوزيّ على سبيل المثال في التاريخ والوعظ واللغة والشعر والفقه والمصطلح، وهكذا مع السيوطيّ وغيرهم من العلماء حتى تكاد تعجب كيف اتسعت أعمارهم لكل تلك العلوم.

القراءة على المعلِّم:

أهم ما يجب ذكره هاهنا هو أن العرب قد اشتهر عندهم أسلوب القراءة على الشيخ، وهي أعلى مرتبة من قراءة الشيخ على الطالب، وهو اليوم ما يكاد يشبه ما يسمَّى اليوم بمناقشة رسالة الماجستير أو رسالة الدكتوراه، ولم يكتفِ عالم فيما سبق بالقراءة على شيخ واحد ولا على كتاب واحد، فإنَّك لو أردت أن تقرأ مثلًا أسماء شيوخ البخاريّ لعددت الصفحات الطوال وما فرغتَ.

المتون أو المختصرات:

كانت عمليَّة نسخ الكتب واقتنائها جهدًا شاقًّا، لذلك فقد انتشرت المتون المختصرة التي تضمّ العلوم، وتلخِّص أصول العلم، وقد قيل: «من حفظ المتون حاز الفنون»، ثم جيء بعد ذلك للشروح لها، وهي عكس ما يلجأ له الدارس اليوم، إذ ينتقل من المطوَّلات للمختصرات!

المنظومات:

العرب أمَّة تحبُّ التغنِّي بالمنظومات، فقد كانوا يرقِّصون أطفالهم بالشعر، ويبدؤون حروبهم بالشعر، ويقطعون أسفارهم بالشعر، ولذلك جاءت المنظومات التي تُرسي أصول العلم في كل اختصاص، فمن يجهل ألفيَّة ابن مالك في النحو، وألفيَّة العراق في الحديث، والمنظومة البيقونيَّة، ومائة المعاني، والشاطبيَّة والجزريَّة، وغيرها من المؤلفات الجليلة النفيسة.

وأهمُّ ما يميِّز تلك المنظومات الاختصار والضبط المتين للمعلومة، إذ المعروف أنَّ حافظي تلك المنظومات لا ينسونها بسهولة، فهي لصيقة بالوجدان محبوبة للنفس لما فيه من إيقاع محبَّب منسجم متَّسق متوازن.

التعليم المعاصر

التعليم اليوم يطمح لاستهداف أكبر شريحة ممكنة من المجتمع، وهو يجنح للتخصُّص الدقيق، فبعد أن كان العالم قديمًا محيطًا بالطب والفلسفة والموسيقى كالفارابي مثلًا، أصبح الطب أكثر اختصاصيَّة حتى صرت تسمع عن اختصاصات دقيقة، فتسمع بطبيب مختصٍّ بالمفاصل، وآخر باليد، وآخر بالغدد الصمَّاء.

التعلم النشط:

أبناؤنا اليوم أسرع مللًا وأقلُّ جلدًا، حتى برامج الأطفال والتسلية قد اختُصرتْ مدَّتها عن ذي سبق، وقد أدرك المعاصرون أنّه لا بدَّ من جذب انتباه الطلَّاب وتحبيبهم بالعلم عن طريق وسائل تدفع السأم، وتوصِّل المعلومة وترسِّخها في الذهن.

المنهاج المعاصر:

أصبح التعليم اليوم مقسَّمًا وفق شرائح عمريَّة من قبل مختصين، فلم يعد الطالب ينتقل من مرحلة إلى أخرى كيفما اتّفق، كما أن المنهاج بات يضمّ الرسومات والصور والأناشيد والأنشطة الحركة والبدنية.

الطالب هو الأساس:

التعليم فيما سبق هو مجرّد سرد للمعلومات، وما على الطالب إلا الحفظ والترديد، والتعليم اليوم هو مشاركة للطالب في الأنشطة ويهدف لترسيخ المعلومة من خلال أساليب معاصرة مثل مشاهدة التجارب التعليميَّة، والمشاركة في الأنشطة الحركيَّة، وأصبح في كل مدرسة مرشد نفسيٌّ مسؤول عن متابعة مشكلات الطلَّاب النفسيَّة ومحاولة اتخاذ الإجراء الأنسب لها.

ختامًا:

الذي يظنّ أن أساليب التعلُّم النشط المعاصرة يمكن أن تحلَّ محل التعليم التقليديِّ بشكل كامل فهو واهم؛ إذ إن العلم ثقيل على النفس، ولا بدَّ لطالب العلم أن يدرك أن الصبر على العلم هو مفتاح التلذُّذ بالمعرفة فيما بعد، ويبقى دور أساليب التعليم المعاصر حاضرًا في تحبيب الطلَّاب بالمعلومة وترسيخها في نفوسهم وتطبيقها عمليًّا في مراحل أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد