مشكلتنا دائمًا في التشبيهات مع النماذج التاريخية، التغاضي عن فوارق الزمن والبيئة.

سأضرب مثالًا: في دول الخليج أقلّ العائلات دخلًا يكون لها سيارة مستقلة وخادم أو خادمة، ولا يُعدّ ذلك تبذيرًا أو أرستقراطية كما يظن البعض؛ لأن مقاييس المجتمع الخليجي تختلف عن مقاييس مجتمع غزة الذي لا يألف مثل هذه المظاهر.

في المجتمع المصري الريفي أقلّ الناس دخلًا ورغم فقر حاله يكون له قطعة أرض كبيرة أو صغيرة، وبمقارنته بأهل غزة سنجد أن أفقر الناس هنا ممن لا يملك أرضًا ولا بيتًا هو مليونير بالمقارنة مع هذا الغلبان في الريف المصري الذي يملك أراضي! فضلًا عن اختلافنا الاقتصادي معهم في الأطعمة وأكل اللحوم التي لا يعرفونها إلا في الأعياد.

حتى في مجتمعنا ذاته، فمعطيات الأمس ليست كمعطيات اليوم، في الدخل ومستوى المعيشة ومقاييس الفقر والغنى، فلو وجدنا أحدهم يحمل جوالًا قبل 20 سنة لاعتبرناه من أغنى أهل البلد، بينما يحمل الجوال اليوم الصغار والأطفال والكبار والفقراء والأغنياء. الفارق يا سادة اختلاف البيئة والمقاييس.

بالرجوع إلى عهد الصحابة في زمن النبوة وما بعده، فقد كان المجتمع المكي والمجتمع المدينة يعاني من الفقر وقلة الدخل والزاد بشكلٍ عام، ومن هنا نسمع الروايات التي تقول إن بيت النبي ﷺ لم يكن يوقد فيه نار لعدة أشهر، وكان يعيش على التمر والماء، فهل هذا النموذج مُلزم لنا في عصرنا الحالي حيث توفر الغذاء، وتغير الوضع الاقتصادي؟

ورغم ذلك كان أفقر الناس في مكة والمدينة لديهم خدم وعبيد، حتى بيت النبوة الذي نستلهم منه هذه الحالات عن التقشف وشدة الحال، كان فيه عدة خدم وهم «سفينة» و«أنس بن مالك» وغيرهما. ومعظم الصحابة كانت هذه حالهم، فعليّ بن أبي طالب الذي كان لا يجد ما يأكله في بيته، طلب خادمًا من رسول الله والقصة مشهورة.

فإذا كنا مجبرين على حالات شدة الحال وقلة الأرزاق التي كانوا يعانونها ونفهمها على أنها حالات تقشف اختيارية، فنحن مُلزمون بذات المنطق أن يكون لنا خدم في عصرنا هذا، فكيف ستكون نظرتنا لذلك في بيئتنا وعصرنا الحالي؟
وكيف سننظر للفقير الذي لا يستطيع طبخ طعامه وهو يستضيف خدمًا في بيته؟!

«طبعًا سيتساءل الجميع هنا كيف يستضيف النبي صلى الله عليه وسلم الخدم وهو ليس لديه طعام ولا مؤونة، والجواب بكل بساطة أن النظام الاجتماعي في ذلك الوقت كان يتكون من خدم وعبيد هم جزء من الأسر، دون أن يكون لذلك ارتباط بالوضع الاقتصادي لاختلاف معطيات المعيشة البسيطة في ذلك الحين عن معطياتها الآن».

وكذلك مسألة تعدد الزوجات والبيوت للصحابة، رغم فقر الحال وضعف المعيشة، لأن المعطيات الاجتماعية كما قلنا وارتباطها ببعضها مختلفة عما تعودنا نحن عليه بما يجعلنا نستصعب، أو نستبعد واقعهم ذلك.
والأهم من هذا وذاك، لو كان جيل الصحابة يعيشون واقعنا الحلي، هل كانوا يمتنعون مثلًا عن اقتناء السيارات؟ والجوالات؟ ولبس الثياب المنتشرة حاليًا؟

وأن يكون لهم شقق وعقارات حسب واقع الحال؟ وشركات ومكاتب ونشاط اقتصادي واسع؟
والمتزوجون منهم 3 أو 4، ألن يكون لكلٍ منهن شقة أو بيت مستقل؟
كيف ستكون نظرتنا لهم ضمن هذه المعطيات؟!
هل سنتهمهم في دينهم وورعهم وزهدهم؟!

والبعض سيفترض -عنادًا- أنهم سوف يعيشون بنفس واقعهم الذي كانوا عليه قبل 1400 سنة، وهذا محضّ الجدال والمكابرة، والإصرار على إيقاف الزمن والتطور الحضاري عند نقطة معينة، وهو ما يتبرأ منه الصحابة الكرام كما نفهم من سيرتهم بعد أن فتحوا البلاد وانتشروا في الأرض.

بذات الإطار يجب أن نفهم كل المرويات التاريخية الأخرى، خصوصًا في أمور الحكام والخلفاء، كقصص ربط الحجر والحجرين التي لا تختلف عما نقول، ففي حصرنا الحالي، هل هناك من يربط حجرًا مهما بلغ منه الجوع؟ 

هل يُقارن واقع المدينة بواقعنا الحالي في القرن الحادي والعشرين؟! أولًا من حيث عدد السكان، وثانيًا من حيث تعقد الحياة ومعطياتها والمساحات الجغرافية، وثالثًا من حيث طبائع الناس والتعقيدات السياسية.
ثم كم كان عدد سكان المدينة في ذلك الحين أو مساحتها ليقارنها البعض اليوم بأي دولة أو مدينة في واقعنا؟!

وفي القصص التي نتناقلها حول حمله المال لبيت المال على ظهره وتعهده لبعض بيوت المدينة وفقرائها بنفسه. هل يُقارن المدينة كما قلنا من حيث عدد سكانها وبساطة قضاياها المعيشية والاجتماعية والاقتصادية بواقعنا اليوم؟! من يملك من المسؤولين وقتًا وجهدًا ليطبق هذه النماذج بحرفيتها لمئات الألوف، بل والملايين من الرعية؟!

وفي مسائل عدم وجود الحراسة للخليفة عمر وتجوله بحرية في طرقات المدينة، فهل واقع المدينة وبيئتها في ذلك الحين أمنيًّا وسكانيًّا يُقارن بواقعنا هنا في غزة مثلًا أو أي بلد مجاور؟!
ألم يُغتال الخليفة عمر ذاته بطعنة غادرة أثناء الصلاة وهو العادل العابد الزاهد؟!
فكيف تتخيلون واقعنا اليوم بلا أمن ولا حراسات ولا سيارات مصفحة، حيث انتشار الخلاف السياسي والإجرام الجنائي والتطرف الفكري؟!

يجب أن نكون واقعيين وموضوعين يا سادة.

إن المناداة بتطبيق هذه النماذج حرفيًّا، واتهام القوم بمخالفة نهج الخلفاء والصحابة لمجرد اتخاذهم تصرفات مختلفة عما حفظناه من سيرهم، هو فهم سطحي ساذج للنصوص والقصص والنماذج، يعني مثلًا تطالبونهم بألا يتخذوا حراسًا وأن يحملوا على ظهرهم وأن يباشروا الرعية في الطرقات بأنفسهم، ولا تسمحوا لهم في المقابل أن يتخذوا خدمًا أو عبيدًا كما قدّمنا في المقال، أو حتى يعدّدوا زوجاتهم كما يفعل جميع الصحابة والخلفاء؟!
«طبعًا حتى قضية تعدد الزواج من السطحية أن نطبقها بحرفيتها في زمننا؛ لأنها في زمن الصحابة كنت نظامًا اجتماعيًّا أكثر تيسيرًا وقبولًا بما يختلف كثيرًا عن واقعنا اليوم». ولكنني أضرب المثل للمحاجة ولتقريب الفكرة. إن اختلاف البيئات والمعطيات يفرض اختلاف التطبيق والسلوكيات.

فلماذا إذن صدّعتم رؤوسنا أيها الإسلاميون بهذه النماذج على مرّ عقود من التنظير والدعوة؟
لأن مرحلة التنظير والدعوة تستلزم استلهام النماذج المشرقة من تاريخنا الإسلامي المعبّر عن ثقافتنا ومرجعيتنا الفكرية، ولأن عصرنا الحديث فقير بالنماذج الإيجابية، حيث غياب الحكم الإسلامي الرشيد منذ 200 سنة، كل ذلك يدفعنا لترديد هذه النماذج لغرس القيم الإسلامية والإيجابية في أذهان الجيل والأمة، ولكن أبدًا دون أن يكون المقصود التطبيق الحرفي، الذي هو مستحيل بكل المقاييس. فإذا نزلنا إلى ميدان التطبيق ومخالطة البيئة والمجتمع كمسؤولين وحكام، فإن الصورة ستكون مختلفة بتاتًا، ألسنا نطالب الإسلاميين أن يكونوا واقعيين أو يعيشوا واقعهم؟! فلماذا نطالبهم أيضًا أن يظلوا حالمين في قصص ومرويات العصور الماضية المختلفة عن واقعنا، اقتصاديًّا واجتماعيًّا؟!
وهذا أبدًا لا يُلغي أن تظل هذه النماذج تراثًا ثقافيًا مُلهِمًا لنا على مرّ العصور.

الخلاصة يا سادة، إن حالة التناقض الداخلي الذي يعيشه الكثيرون منا في تقييم تجارب الحكم الإسلامي بين النظرية، والتطبيق تكمن مشكلته عند نقطة «توقف الزمن» التي تسيطر على عقل البعض منا، وافتراض أن «معطيات الأمس هي ذات معطيات اليوم»، والتي حتمًا لن تكون معطيات الغد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد