لقد كنت أهتم وأبحث وأستمع وأقرأ كتب جيل العظماء والكتّاب الراحلين، وكانت نفسي الثقافية الأمارة بالسوء تتعالى عن القراءة للأدباء المعاصرين، كنت أعتقد أن الأمر لا يعدو روايات رجل المستحيل، وغراميات الجيب التي أدمناها ونحن صغار، ولكن رحيل الكاتب الدكتور أحمد خالد توفيق هو ذلك الشيء الأساسي الذي دفعني لتغيير قناعتي نحو جيل الكتاب المعاصرين، لقد لمس قلبي وآلم روحي ما كتب عنه وما قيل عند رحيله.

ولقد كانت يوتوبيا، وهي أحد إبداعات أحمد خالد توفيق، وهي أولى محطاتي معه، يرسم الكاتب المبدع صورتين متضادتين، إحداهما في أقصى درجات الغنى والوفرة، والأخرى في أقصى درجات الفقر والحاجة، تدمي قلبك وتدمع عينك تلك المعاناة التي رسمها الكاتب المبدع لمجتمع الفقر والفقراء ولمعاناتهم اليومية المتصلة والمتواصلة، وانتشار العنف، والشجار، والسباب، بوصفها صورة انعكاسية لأخلاقيات الزحام، والبؤس، والفقر.

ضع 20 دجاجة في مساحة صغيرة، وستجد كلًّا منهم تهجم على أختها وتنقر جناحها أو تفقأ عينيها. *يوتوبيا

إنه الكناباليزم أو الافتراس الاجتماعي كما يعرفه مختصو أمراض الطيور، ووسط هذا الواقع المرير لا يوجد إلا وميض ضوء خافت في شخصية البطل، وهو ذلك الإنسان الفقير الذي يملك العقل الواعي المفكر القارئ.

يوتوبيا هي كيبوتس منعزل من نخب المال والجاه، وهي جزيرة غنية بعيدة عن الفقراء المعدومين، تعيش قمة الانفتاح في كل شيء، وتملؤها أمراض المجتمعات المرفهة التافهة، من مخدرات، وعلاقات، وكذب وإدمان. إنهم غارقون لحد الموت في كل الموبقات والآثام، والمقارنة صارخة مؤلمة مؤثرة، وكذلك مبكية مضحكة، وشر البلية ما يضحك.

الفقراء يموتون من حوادث السيارات، والأمراض، والطعام المسرطن، وحوادث السرقة، أما الأغنياء فيموتون في سباقات السيارات ورياضاتها التي يجدون فيها الإثارة، حيث تصطدم السيارات بعضها ببعض، وتنقلب فيما يضحك اللاعب، أو يصاب، أو يموت، فلا فرق، إنه تحت تأثير المخدرات.

في ما يشبه هول علامات يوم القيامة، تدق هذه الرواية المثيرة ناقوس الخطر، تكاد تشك إذ تنهيها أهي بالفعل رواية متخيلة، أم أن كاتبها تسلل من المستقبل القريب لينقل لك هوله بحياد مذهل. *تعليقات القراء

والمبكى حقًّا والمؤلم بشدة، هو تلك الصور لمجتمع الفقراء المعدمين الذين يعملون في مسالخ للدجاج الميت، ويحصلون على دجاجة يوميًّا مقابل عملهم، ولا أستطيع أن أصف مدى الألم الذي تشعر بها حينما تقرأ هذا الوصف الشنيع لمجتمع إنساني.

هل سخر أحمد خالد توفيق من معاناة الفقراء؟ هل آلمنا بالمهم أم تنبأ بالمستقبل؟ هل فظاعة المجتمعات الفقيرة المعدمة يمكن أن تصل إلى حد أكل الكلاب والقطط، واعتبار الدجاج الميت رفاهية؟ هل يوتوبيا ثورة سياسية اجتماعيه جارفة؟ أم نص أدبي غزير ومفعم ومليء بالحياة؟ هل يوتوبيا هي ثورة الجياع القادمة؟ أهي نبوءة سياسية؟ أم هي صرخة الألم حزنًا على الوطن المنقسم إلى شعبين؛ واحد يموت في القمة، وآخر يختنق في القاع؟

هل الأخلاق حكر على الضحايا والفقراء والمعدمين، وأن الثروة المطلقة، والرفاهية المطلقة، والدعة المطلقة هي فساد مطلق، وانهيار مطلق، وموت مطلق؟

هل الغنى يعني أن يخلع الغني رداء أخلاقه مع أول مليار، ويهبط في سلم الأخلاق والإنسانية إلى أسفل السافلين، وإلى أظلم الدركات، كلما انتفشت ثروته وزادت أمواله؟

هل صرخة أحمد توفيق في يوتوبيا هي صرخة الحياة أم صرخة الموت؟ هي جرس الإنذار أم بوق الانهيار، أم صور القيامة الذي يقضي على كل شيء؟

لا يمكن أن تعيش مع نص يوتوبيا ولا تبكي، ولا تحزن، ولا تشعر بعمق الشعور، وسهام النص تلك التي تمكن منها الدكتور، كما يتمكن الجراح من مشرط الجراحة، فينطق بكل ثقة بين يديه، يقطع به قطعًا دقيقًا يفرق بين الشرايين والأوردة والأعصاب، يغوص بكل براعه في أعماقنا، وفي أعماق النفس والإنسان.

فهل يتلمس الإنسان النور، ويفيق الناس من ثبات اللاشعور واللاإحساس؟ أم تستمر المأساة حتى تصبح يوتوبيا الأوراق هي يوتوبيا الواقع؟ وعندها تكون النهاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد