إن النفس البشرية بها من النواقص والاختلال ما يصل بها لتخطي أي منطق. لا يدرك المرء في وعيه الحي أغلب تلك النواقص فتجد أن النفس قادرة على تبرير كل ذنب حد القتل. هنالك إخوة يوسف وقد مهدوا لأنفسهم إزاحة أخيهم عن الصورة، عن عيني أبيهم، وحتى لا يفتك بهم ضميرهم – هذا الذي زُرع فينا لينير لنا في الظلمات – أقنعوا أنفسهم بصورة غير مباشرة أنهم إنما سيفعلون هذا من أجل الخير. «إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ» وأعالوا ضلاله هذا على منطق العدد؛ أيُحب أبونا يوُسف وأخاه بنيامين أكثر منا «وَنَحْنُ عُصْبَةٌ». خلقوا السبب وخدروا الضمير ثم دعموا قرارهم بأن هذا إنما فقط لحبهم لأبيهم. أحيانًا تكون الغاية نبيلة ولكنها الوسيلة هي الملعونة؛ «يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ» فقط، فقط من أجل هذا أرادوا قتل يوسف. ثم تجد النفس وشياطينها يبثون مسكنًا لليقظة فيتوهمون أو أنهم يوهمون أنفسهم – عن عمد أحيانًا – «وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ» قولهم هذا في حد ذاته هو دليل إدانة على ظلمهم لئن كنت ستأتي فعلًا ما ثم من بعد تحاول أن تكون صالحًا هذا لا يعني سوى أنك فاسد في فعلك هذا.

الندم المؤجل؛ الندم المؤجل إحدى اللعنات التي استطاع الشيطان أن يُجريها في دم الإنسان؛ أن تأخذ قرارًا على نفسك أنك ستندم لاحقًا بعدما تنتهي من الإتيان بفاحشة ما. إن الخلل الذي نصب ذاته فينا واستحوذ على قطعة كبيرة من ذواتنا يُعمينا عن رؤية نواقصنا فنزين السوء ونجمّل القبح ونلقي بالتهم جميعها على كل البشر إلا أنفسنا. أحيانًا نعلم مدى حجم الجرم الذي نُقدِم عليه ومع ذلك نُغفِّل دواخلنا عن إدراك الجرم هذا فنُسقِط ضمائرنا فنأتي بالسقطة فتجد أحدهم – روبيل – الأخ الأكبر ولم يقسُ كل قلبه بعد يخبرهم «أَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ» بعدما كان قرارهم «اقْتُلُواْ يُوسُفَ» ويكأنه هكذا قد أراح ضميره وأتى بأقل الخسائر، بل إنه يقتنع بأن هذا إنما عرض ليس إلا يُلقيه ليجنب أخاه الموت «إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ». الإنسان بطبعه تابع حتى ولو كان رافضًا تمامًا لأمر ما تجده ينصاع للعدد فكيف له يسير عكس التيار، العدد دومًا يُغري البشر بأنه الكفة الراجحة بغض النظر عن منطقية الطريق هذا أو الصواب والخطأ.

«لقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ» لو قُمت بالإسقاط، تري بني آدم جميعهم متمثلين في يوسف وإخوته! تدبَّر في نفسك وأفعالها. أمعن النظر في تحركاتك وأصواتك الداخلية، أبحر في قرار نفسك والمس نواقصها لتتجنب منها الممكن تجنبه. ألا يشبهنا أغلبهم إخوة يوسف في «وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ» ولو اختلف الفعل. انظر للمعنى. نحن نملك فعلًا مقدرة مرعبة على أن نقتنع بما ليس حقيقيًا على الإطلاق.

علم يوسف مدى الخلل في النفس فلم يتباهَ بأنه مختلف أو أقدر على نفسه من غيره. أبحر في نفسه فأدرك ما لا ندركه؛ «وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ». لجأ لخالقه قبل أن تفسد عليه نفسه نفسه. وفي قوله «إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» يكمن الحل لو أردت التجلي والنجاة من السقوط، يكمن في أن لا توكل نفسك إلى نفسك فليس لك منها مقدرة ولا تملك لها ضرًا ولا نفعًا إلا بحول الله.

«نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي» وحين ترقى إلى الله ستعفو وتسامح كل من يسيء إليك فقد أضاعوه وفرقوا بينه وبين أبيه وها هو يوسف يعذر إخوته ويعزو هذا إلى أن الشيطان هو الذي أفسد بينهم.

لا تفسد نفسك بظنك أنك غير مخطئ، راجع حياتك تكتشف أنك في تصرفات منها كثيرة بررت قتل يوسف!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد