إن أسوأ ما قد يواجه الفرد منا هو عدم قدرته على إتمام شيء واحد من كل تلك الأشياء التي نبدأها يوميًا. فكلنا وبلا استثناء قد مررنا بتجربة تَأمُل كم الكتب التي نَملكها، ولم نُكمل قراءتها، فكل كتابٍ أغلقناه بعد بضع صفحات، ولم نكمله، صار يُمثل عِبئًا على كاهلنا. وكل تلك الكورسات التي سجلنا فيها فالتزمنا بها بضعة أيام ولم نتممها أصبحت تصيبنا بالتراخي. كل البوستات التي قرأناها وكل الأفلام التي شاهدناها فتركت فينا إحساسًا بالمعرفة فاحتفظنا بها على أمل أن نتطلع عليها مرةً أخرى يومًا ما لأنها لا تساير أيامنا الحالية فربما تكون مفيدة في المستقبل، لكننا لم نعد لتلك المحفوظات أبدًا. فظلت أفكارًا معلقة لا تهبط إلى حيز التنفيذ على الإطلاق. ربما نشعر أن أوقاتنا ضائعة على كل ما ليس له قيمة، وربما أصبحنا ننام أكثر ونفكر أعمق ونسرح أبعد، ولكن ذلك لن يطول كثيرًا بطبيعة الحال. لكن عليك أن تمعن النظر في الأسباب وتسأل نفسك ما الذي يجعلك لا تُكمل ما بدأت؟

صديقي الملتزم

–على لسان الراوي ومنذ عدة سنوات بدأ صديقٌ لي في الالتزام بشكل كامل، استيقظنا من النوم ذات صباح فرأيناه يُشهدنا على قراره بالالتزام، لم يكن الأمر مفاجئًا بقدر ما كان صارمًا. فقد قرر أن يُصلي الخمس صلوات مع النوافل يوميًا في المسجد وأن يصحبها بالتسبيح، بالإضافة إلى أذكار الصباح والمساء وصيام يومين من كل أسبوع وقراءة ورد من القرآن الكريم كل يوم. كان أمرًا جميلًا أن تكن لديه تلك الروح بكل تأكيد. بعد ثلاثة أيام من الالتزام أصبح يُنكر علينا عباداتنا المتقطعة وقراءتنا القليلة للقرآن وذهابنا الغير مستقر إلى المسجد، فصار أكثر التزامًا لأنه لا يريد أن يظهر بمظهر الناصح الذي لا يفعل.

وبعد 10 أيامٍ انقطع تمامًا عن العبادة، فلم يعد يصلى حتى في المنزل، أو يقرأ القرآن؛ وذلك لأنه أحس أن هذا الكم من الالتزام يكلفه أكثر من أربع ساعات يوميًا، وأنه لم يعد لديه وقت لفعل أشياءٍ أخرى قد اعتادها طوال حياته. ولكن لم يسخر منه أحد أو يحاول أن يقلل من شأن قراره بالالتزام؛ لأنه في النهاية قد نجح في إخبار نفسه وإخبارنا بأن البدء بنظام كهذا كان أكبر خطأ من الممكن أن يرتكبه.

التدرج

– إن كنت تريد أن تقرأ فابدأ بالقصص القصيرة، ثم الروايات، ومن ثم الكتب وإن كنت تريد أن تتريض فمارس المشي السريع لمدة ١٠ دقائق في البداية ثم انتقل لمرحلةٍ أصعب. إن كنت تحاول تعلم لغة جديدة فاحفظ ثلاث كلمات يوميًا حتى وإن كنت قادرًا على حفظ ثلاثين كلمة في البداية فلا تفعل. إن أحد أهم أسباب المداومة والمواظبة هو التدرج في العمل. ابدأ دائمًا بكل سهل فيما يحببك فيما تفعل ويجذب انتباهك للمواظبة علية واعتياده، أنت لا تريد أن ترهق عقلك أو جسدك في أول يوم ثم يتحول الأمر إلى خيال أو حلم منسي. أنت لا تستطيع أن تكمل ما بدأت أحيانا لأنك بدأت بكميات كبيرة فنظرت إلى الكم ولم تنظر إلى الجودة؛ فأتعبت عقلك وعقلك تحكم بجسدك فلم يعودا ينويان على مساعدتك في تحقيق ما تريد. ساعد عقلك وجسدك حتى يعتادا الأمر بتلقائية فتتدرج بين المستويات من السهل إلى الصعب حتى تحقيق هدفك دون ملل أو تراخ. وكما قال رسول الله صل الله عليه وسلم: خير الأعمال أدومها وإن قل. فأسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تبدأ بكثافةٍ تقضي بك إلى ضياعٍ تام.

من هو رفيقك؟

هل تجلس مع أصحابك المعهودين لمناقشة الأهداف وتحقيق الأحلام؟ أم تفعل ذلك مع من لدية نفس الطموح والهدف فقط؟

دعني أقُل لك إنك يجب أن تنتقي شخصًا ليس لديك أي صلةٍ قوية به سوى أنه يشاركك ما تريد أن تفعله، خطط مهامك من البداية مرورًا بالشروع فيها وإنهائها معه، لا تفعل ذلك مع الأصدقاء حتى وإن كان صديقك متاحًا لوقت أطول بتعاون أكثر وروحٍ أفضل؛ لأن جلستك مع الأصدقاء ستلهيك، والأمر لن يلبث إلا أن يتحول إلى جلسة للعب البلايستيشن أو المسامرة على هذا وذاك كحديث جانبي مع القهوة أو الشاي، وستتحول الجلسة إلى جلسة إضاعة للوقت، وليست لتحقيق الأهداف. أما الشخص الذي لا تربطك به علاقات وثيقة فستقابله وتجلس معه لأنك يجب أن تجلس معه بغرض المذاكرة والتخطيط لأعمال مهمة ثم ترحل، مهمة محدودة توفر الوقت والطاقة وتعود بالنفع.

هل تتريض؟

– إن كنت من أصحاب الأحلام والكلام الذي لا ينقطع عن تحقيق ما تتمنى لكنك لا تتريض، فلا أظن أنك ستنجح بالشكل الكافي أو بصورةٍ أفضل.. فلماذا لن تنجح بالشكل الكافي إن كنت لا تتريض على الإطلاق؟

الأمر ببساطة أن الرياضة ستنظم أوقات نومك وراحتك كما ستحدد أولوياتك داخل عقلك أولًا فلا تلبث أن تكون في أفضل حالاتك بعد ممارسة الرياضة لفترات طويلة، فجسدك يكون في أقصى حدود راحته، وعقلك يكون في أصفى حالاته وأفضلها مزاجًا فيجد المساحة الكافية للتفكير والتخطيط فيما يشغله ثم يوفر لك حلولًا أولية تنتقل بعد ذلك إلى خطط بديلة. الرياضة تساعدك على رفع قوة تحملك البدنية للإرهاق اليومي الذي تلقاه فتنجز مهامًا أكثر يومًا بعد يوم دون أن تشعر بالإرهاق فتحتفظ بحيويتك ونشاطك لفترات أطول. ولا تنسى أن الرياضة ستزيد ثقتك بنفسك وسترفع معدل الإرادة لديك بشكل كبير. واسأل بنفسك الرياضيين عن فوائدها والعائد منها. فالرياضة لا تعرف رجلًا أو امرأة، شابًا أوهرمًا، ولا يهم إن كنت تتريض ١٥ دقيقة يوميًا أو ساعتين، تذكر أن المهم هو أن تتريض.

حاول أن تفعل أشياءً في عالمك الحقيقي تنسيك دخول العالم الافتراضي

– صعب وصولك لمواقع التواصل الإجتماعي ولا تكن متاحًا عليها طوال الوقت، وتذكر أن الكل متصل لكن لا أحد يتواصل، حدد مهامك هناك كغرض التواصل مع شخص ما لعدة دقائق أو تصفح شيء ما. اقطع الإنترنت عن هاتفك لعدة ساعات كل يوم، ستجد الأمر في البداية مشجعًا على الملل، لكنك ستتفاجأ بكم الوقت وراحة البال الذي سيعود به عليك هذا الأمر، فيصبح لديك أوقات أكثر لممارسة الرياضة أو القراءة أو السفر. أما التفصح المستمر فلا عائد منه إلا إضاعة الوقت. عاهد نفسك على أنه وكلما اشتقت لتصفح الإنترنت فيجب عليك أن تنهي مهمة محددة ومفيدة في يومك. فيما يعد من مجاهدة النفس ومحاسبتها، لكن بما يعود بالنفع. فهو سلاح ذو حدين.

لا تخبر أحدًا بما تنوى فعله حتى تنهيه

– إن كنت من الذين يفضلون الحديث عن أشياء لم ينجزوها بعد فلديك حب الظهور لا أكثر، أما إن كنت تفضل العمل بخفية وهدوء حتى إنهاء المهمة فأنت على الطريق الصحيح. عود نفسك على أن حُب الظهور يأخذ الهالة ويؤدى لإنهاء المشاريع قبل البدء فيها. أخبر نفسك أنه ليس لأحد من الامر شيئ ليعرفه فيما سيجنبك ملامة الناس إن لم يكمل المشروع لأي سبب، وسيحفذك على حفظ هدفك والتفرد به حتى يصبح حقيقة.

صارح نفسك

– المشكلة هو أننا جميعًا نريد الحصول على الجائزة وكلنا نطمح في النجاح، لكن لا أحد يريد أن يتعب أو يدفع ثمن ذلك النجاح، لا أحد يريد أن يحرك ساكنًا فننتظر التغيير من رئيس دولة بإصدار قرار يصب في مصلحة الجميع، أو من مجلسٍ تشريعي يأتي بحقبةٍ من القوانين التي تخدمنا فلا نتعب، حتى وصل الأمر لانتظار التغيير من الخارج بأن ينظروا إلينا نظرة المحتاج إلى الإصلاح. لذلك لا أحد يريد أن يعمل أو يضحي ببعض الوقت والجهد أو حتى القليل من التفكير، فالكل أصبح يخاف من شبح الفشل في تجربةٍ يزرع فيها ولا يجني. إن كنا نريد حقًا أن نحقق ما نريد فعلينا أن نوقن أن الأمر لن يكون سهلًا على الإطلاق.

يجب أن تخبر نفسك بهذا في كل مرةٍ لا تشعر فيها بالرغبة في البدء أو عند كل فرصةٍ للإستسلام. وإن سألك أحدهم خلال مسيرتك قائلًا: لماذا يجب أن أختار الطريق الصعب مادام هناك طريقًا أسهل؟ فأجبهم أنت سائلًا لماذا تقارن الصعب بالسهل؟ ولماذا هناك دائمًا خياران؟ لم نسمع أبدًا أن أحد الناجحين المثابرين المتفوقين قال: إن الأمر كان سهلًا. كما أنك لا يجب أن تقل هذا أيضًا، فأنت لا تريدها أن تكن سهله أو يسيره لأن هذا يعني أنك لم تكن الأول في فعلها وليس لديك ما يميزك أو تفخر به. فكل ما فعلته هو إعادة ما فعله الآخرون، فالأمر لا يستدعى التباهي على الإطلاق.

لو كانت كل الأهداف العظيمة سهله لفعلها الجميع وما احتجنا إلى التشجيع أو السهر أو السفر أو مفارقة الأحباب أو مجاهدة النفس وتحديها قبل تحدي الآخرين، ولكان الكل أبطالًا ولأصبح الجميع من أصحاب الملايين ولبات الكل ناجحين من المشاهير ورجال أعمال ورياضيين وعلماء ولم تعد هناك أحلام أو أهداف عظيمة، لأن الأمر سهلًا على الجميع، لكنه ليس سهلًا، وهذا ما يميز اختيارك وفعلك، وهذا هو الهدف منه. دع كلمة سهلة للتيسير على المرضي في المستشفيات ولطمأنت الطلاب في لجان الامتحانات ولمواساة الغير وقت الشدائد. أما أنت فيجب أن تصارح نفسك بحقيقة الأمر وصعوبته. عليك أن تعلم أن الصعود إلى القمم وارتقاء المعالـي وارتياد السمو يحتاج إلى جهد ومثابرة وإلى تحمل وتفان.

وأن الشيء السهل يحسنه كل الناس، ولكن ما كل الناس يحسن صناعة الأمجاد ولا طلب العلو ولا ارتقاء السمو ولا استشراف القمم، وتأكد أنه في كل مرحلةٍ يزداد الأمر فيها صعوبةً سيفضي بك إلى أمرٍ لم يقم به أحد من قبل على الإطلاق، وأنه لا أحد سيكرر ما وصلت أنت إليه. فكل شيء ذات قيمة وكل ما يستحق الفخر والتباهي والشهرة وحب الناس وحصد الجوائز يجب أن يكون صعبًا.

لا فشل ولا مستحيل

– كل المراحل التي عُدت فشلًا هي في الأصل طُرق أخرى لتحقيق المرجو. وكل ما سُمي مستحيلًا كان لأن أصحابه قد استسلموا لصعوبته. كل تلك الصعوبات والعوائق أمام الإرادة التى حباك الله إياها هي لا شيء عندما تتذكر أن كل عظيم ورائع وكل ما تراه مستحيلًا قد أنجزه شخص ما في مكان ما بطريةٍ ما. لكنه في النهاية بشر مثلك! واعمل بقول الله تعالى: وهو علي هين.

كل ماذكر في هذا المقال لا علاقة له بمفاهيم الأحلام والطموحات والإحباطات والخوف أو أي من تلك المفاهيم بمعانيها المفرغة ما لم توضع في حيز التنفيذ أو تُصحب بإرادة وعزيمة، لكن إن لم يكن لديك إرادة فقد أضعت وقتك في قراءته.

دُمتم في نَعيمْ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد