احتفل العراق قبل أيام كسائر بلاد المعمورة باليوم العالمي لحرية الصحافة ووعد سياسيوه كعادتهم خلال احتفالية كبرى أقيمت في المقر العام لنقابة الصحفيين العراقيين بضمان حرية وسائل الإعلام أولا وأمن الإعلاميين ثانيا، ولم تكد تمضي سوى أيام قلائل على تلكم الوعود البراقة التي لا تعدو أن تكون مجرد هواء في شبك، حتى صحا فرسان صاحبة الجلالة على وقع مقتل مدير معهد صحافة الحرب والسلام، عمار الشابندر، جراء تفجير بسيارة مفخخة، استهدف مطعمًا شعبيا في حي الكرادة وسط العاصمة بغداد.

وبعد أقل من 48 ساعة على مقتل الشابندر عثر على مقدم البرامج المعروف في فضائية الرشيد، رعد وعد الله الجبوري، مقتولاً في منزله في ظروف غامضة! وبين الحادثين الأليمين، أطلقت النائبة المثيرة للجدل، عالية نصيف، صيحات تحريضية ادَّعت فيها أن المشرف العام على إدارة الموقع الإلكتروني التابع لوزارة الدفاع حاليا، علي الشريفي، (رئيس تحرير وكالة المستقبل نيوز الإخبارية) كان سكرتيرًا لنجل الرئيس العراقي الأسبق، عدي صدام حسين، من دون أن تقدم دليلا واحدًا يثبت صحة ادعاءاتها، ومعلوم أن مثل هذه التهمة التحريضية في العراق تعني أن الشخص المومأ إليه قد أصبح وعائلته على شفير الهاوية.

وفي خضم ذلك كله أشارت تقارير معنية بحقوق الإنسان إلى استشهاد وإصابة 34 مراسلا ومصورًا وصحفيًا واختطاف 27 آخرين في غضون عام 2014 فقط، والأدهى من ذلك كله أن تقارير مماثلة رجحت أن تسفر الأزمة المالية الخانقة الناجمة عن انخفاض أسعار النفط فضلا عن قرارات هيئة الإعلام والاتصال الحكومية المجحفة عن إغلاق عشرات القنوات الفضائية والمحطات الإذاعية والصحف والمجلات المحلية – لعل قناة بغداد كانت البداية – مهددة مئات الصحفيين بالبطالة أو التوجه إلى أعمال حرة بعيدًا عن مهنة المتاعب وأحضان السلطة الرابعة الدافئة برغم سخونتها غير المعتادة في العراق.

دماء على ضفاف الكلمة الحرة

منذ عام 2003 وعلى مدار عقد من الزمن تعرض الصحفيون والإعلاميون في العراق إلى أشرس هجمة عرفها العالم حيث قتل 400 إعلامي وفني، بواقع 162 صحفيًا و62 فنيًا ومساعدًا إعلاميًا، فيما اختطف 65 صحفيًا ومساعدًا إعلاميًا تم قتل أغلبهم بدم بارد ومازال 14 منهم في عداد المفقودين، بحسب إحصاءات مرصد الحريات الصحفية الذي أشار بدوره إلى أن نسبة الإفلات من العقاب بالنسبة للمجرمين والقتلة وصلت إلى 100 %!

ولعل من أبرز ضحايا الكلمة الحرة نقيب الصحفيين السابق؛ شهاب التميمي، ومراسلة قناة العربية؛ الإعلامية أطوار بهجت، حيث قتلا في حادثين منفصلين غامضين لم تُكشَف ملابساتهما بعد، فيما اغتال مسلحون مجهولون المتحدث باسم محافظ نينوى الكاتب والإعلامي سعد زغلول، على أثر إطلاق النار عليه أمام منزله في حي الجامعة بالجانب الأيسر شرقي الموصل، كما أطلق مسلحون النار باتجاه مراسل قناة الشرقية محمد كريم، ومصور القناة محمد غانم، في منطقة (السرج خانة) وسط الموصل، أثناء قيامهما بتصوير إحدى التقارير الإنسانية، ما أسفر عن استشهادهما في الحال.

وفي ذات السياق الدموي اغتال مسلحون مجهولون رئيس تحرير مجلة “رايال”، ومراسل صحيفة “أوينه” الكردية، كاوة كَرمياني (31 عامًا) أمام أنظار والدته المفجوعة، ولم يكن حال مقدمة البرامج التلفزيونية نورس النعيمي (19 سنة) والتي تعمل في قناة الموصلية أفضل حين اغتالها مسلحون أمام منزلها في حي الجزائر بمدينة الموصل قبل سيطرة تنظيم داعش على المدينة في حزيران الماضي.

بدورها شهدت فضائية صلاح الدين والفضائية العراقية بمدينة تكريت اقتحام مجموعة انتحارية مبنَيَيْهما ما أسفر عن استشهاد عدد من العاملين وكان من بينهم المذيعة وسن العزاوي، ومدير الأخبار رعد البدي، والمونتير محمد عبد الحميد، إضافة إلى المقوم اللغوي أحمد الخطاب.

من جانبه تعرض المصور والصحفي العراقي ياسر فيصل الجميلي، إلى عملية إعدام من قبل مسلحين في سورية بعد اختطافه أثناء تغطيته للمعارك هناك لصالح وكالة رويترز للأنباء، فيما قتل مراسل قناة بغداد الفضائية برصاص مسلحين مجهولين هاجموا موكب تشييع أحد شيوخ العشائر في مدينة البصرة كان برفقتهم.

الصحفي عمر الدليمي مراسل صحيفة الرمادي المحلية، والبالغ من العمر 23 عامًا، قتل برصاصة قناص خلال محاولته تصوير وقائع اشتباكات مسلحة، جرت بين قوات الأمن ومسلحين ينتمون لعشيرة البو سودة جنوب غربي الرمادي، بينما قتل الصحفي فراس محمد عطية، الذي يعمل في قناة الفلوجة الفضائية، على أثر انفجار عبوة ناسفة أثناء مرافقته لقوات الجيش العراقي في جزيرة الخالدية في محافظة الأنبار إضافة إلى مقتل الصحفي همام الهمامي، مراسل قناة الغربية الفضائية بقصف مدفعي بالدبابات استهدف مركز مدينة الرمادي أثناء محاولته بث تقرير صحافي من وسط المدينة. والقائمة جد طويلة لا يتسع المقام لاستعراضها كاملة على نحو ما ذكرنا آنفًا.

السلطة الرابعة على مذبح داعش

من المفارقات العراقية أن من نجا من رصاص الميليشيات المسلحة أو ما يطلق عليها تهكما “ماعش ” ذات التبعية الإيرانية وقع في شباك ما يسمى بتنظيم “الدولة الإسلامية” داعش، الذي أعدمت عناصره الصحفي والناشط المدني الموصلي ثائر العلي، بعد اعتقال دام 20 يومًا، والعلي هو رئيس تحرير جريدة “رأي الناس”، ونائب رئيس جمعية “أسرة العراق” العاملة ضمن منظمات المجتمع المدني وذلك بعد أن أصدر قاضي ما يسمى المحكمة الشرعية في نينوى المدعو أبو هادي حكم إعدامه بتهم ترتبط بتسريب معلومات خاطئة عن أحوال التنظيم في الموصل على حد وصفه.

كما أعدم مسلحو تنظيم داعش الصحفي مهند العكيدي، في معسكر الغزلاني غربي مدينة الموصل رميًا بالرصاص بعد شهرين من اختطافه، والعكيدي مقدم برامج ثقافية ومنوعات في قناة الموصلية الفضائية.

كما أعدم التنظيمُ المتطرف الصحفي أحمد محمود الصفار، الذي يعمل في قناة ‘الموصل’ المحلية منذ تسعة أعوام، إضافة إلى إعدام الصحفي سهيل الدليمي بعد اعتقاله من قبل عناصر داعش لساعات وتعذيبه والتمثيل بجثته في قضاء الرطبة غربي الأنبار، إضافة إلى إعدام الصحفي علاء مازن عبد الله مراسل الفضائية الموصلية، وسط ناحية حمام العليل 20 كم جنوبي الموصل، بإطلاق الرصاص عليه في منطقة الرأس”.

الانشطار الإعلامي المذموم

بما أن الصحفيين ليسوا بدعًا من الناس فإنهم قد انشطروا في العراق إلى فئتين لا ثالث لهما، صحفيو شعب وصحفيو سلطة، صحفيو باصات وصحفيو همرات، صحفيو خنادق وصحفيو فنادق، صحفيو مقاهٍ وصحفيو ملاهٍ، صحفيو سجون وصحفيو حصون، صحفيو حق وصحفيو باطل، صحفيون يشدون على بطونهم الأحجار وصحفيون يأكلون الكافيار ويدخنون السيكار. صحفيون يعملون لنصرة الحق (حُسبة) وصحفيون أمام تدفق الأموال ضاعت عليهم (الحِسبة).

صحفيون لا يعرفون وأهلهم المسرات، وصحفيون يسافرون في الشهر مراتٍ ومرات. صحفيون يبيعون على قارعة الطرق كتبهم، وصحفيون يبيعون خلف الكواليس مبادئهم.

نعم لقد انشطر الصحفيون بفعل هذا الارتباك والفوضى غير الخلاقة التي عصفت بالمنظومة السيسيولوجية العراقية إلى صحفي صالح ثابت على مبادئه لا تزعزعه المتغيرات الطارئة التي تعصف بالبلاد، وصحفي طالح يبيع قلمه بعرض زائل لمن يدفع أكثر ولكل من هبَّ ودبَّ.

فاختر أيها الصحفي العراقي إلى أي الفئتين تريد أن تنتسب، إلى الأولى فترضي ربك وتريح ضميرك، أم إلى الثانية فتغضب خالقك وتغتال بقلمك ضميرك وبئس من يفعل ذلك، ويبيع مبادئه بفتات الآخرين.

صحافة الرافدين.. خطايا وأخطاء

لعل من مفارقات المشهد الإعلامي في الصحافة العراقية المقروءة والمرئية والمسموعة في وقتنا الحالي وأخص منها الصحافة الورقية والإلكترونية وكتابة المدونات، كثرة الأخطاء النحوية والإملائية؛ فبينما يركز بعضها على المضمون من دون حساب للغة والأسلوب، نرى أن البعض الآخر يركز على اللغة من دون المضمون، فضلا عن التلاعب بالمفردات – سياسيا وطائفيا وأمنيا وقبليا – ما أسهم أو لنقل عجل في عمليتي الفصل أو القتل التي تطال الصحفيين.

ومن التلاعب الخطير بالمفردات تسمية الأشياء بغير مسمياتها أو إضافة مصطلحات من بنات أفكار المحرر وسكرتارية التحرير وانطلاقا من خلفياتهما المذهبية أو الإثنية داخل النص الخبري وحشره قسرًا من غير مناسبة، إذ يصر بعضهم على سبيل المثال على إضافة عبارة “جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية ” حين يتطرق إلى محاكمة الرئيس المصري المعزول بانقلاب عسكري محمد مرسي، وإضافة عبارة “السعودية الوهابية التكفيرية” حين يتطرق إلى عاصفة الحزم في اليمن ضد الحوثيين، فيما يصر على استعمال مفردة “اتباع أهل البيت” عند التطرق إلى الميليشيات المسلحة بقيادة الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وحشر عبارة “أزلام النظام السابق ويتامى البعث” عند الحديث عن التظاهرات الشعبية العفوية في المناطق السنية، وحشر مصطلح “الدواعش” عند الحديث عن أعضاء البرلمان الممثلين للعرب السنة داخل مجلس النواب العراقي، وهكذا دواليك ما يعد تحريضًا يفضي في كثير من الأحيان إلى القتل والسحل والفصل.

أما بشأن الأخطاء اللغوية الشائعة والمؤسفة التي أطالعها كل يوم وبالأخص في الصحافة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، قولهم “ساهم الرجل بكتابة التقرير” والصحيح (أسهم الرجل بكتابة التقرير)، وقولهم “قرأت كتابا شيقا” والصحيح (قرأت كتابا شائقا)، وقولهم “الطبيب الأخصائي” والصحيح (الطبيب الاختصاص) وقولهم “توزيع الحصة التموينية على المواطنين” والصحيح (توزيع الحصة التموينية بين المواطنين) وقولهم “ارتكب المسؤول عملا مشينا” والصحيح (ارتكب الرجل عملا شائنًا) وقولهم “شخص صالح يحتذى به” والصحيح (شخص صالح يحتذى حذوه) وغيرها الكثير.

لقد أصبحت الظاهرة عرفًا، فعادة ما نسمع ونقرأ عبر وسائل الإعلام بعض الأخطاء النحوية، ففي إحدى النشرات الإخبارية على سبيل المثال قال مقدم النشرة: “خرج العشرات من أعضاء نقابة المحامين (بمظاهرة) عارمة قدموا خلالها (مطاليبهم) إلى المسؤولين وهذا لعمري الخطأ والجهل بعينه.

بناء على ما تقدم أنصح معدي النشرات الإخبارية بمطالعة بل وحفظ التصويبات اللغوية عن ظهر قلب، فبحكم عملي الطويل والمرير في مجال الإعلام استطعت أن أشخص أخطاء كارثية في هذا المجال الحيوي أجد من الضروري تصويب بعض منها من باب قل ولا تقل على خطى العلامة الكبير الدكتور مصطفى جواد رحمه الله وعلى النحو الآتي:

قل مطالب المتظاهرين ولا تقل مطاليب، قل تظاهرات عارمة ولا تقل مظاهرات عارمة، قل الطبيب الخافر ولا تقل الطبيب الخفر، قل تخرج في الجامعة ولا تقل تخرج من الجامعة، قل أذعن له ولا تقل رضخ له، قل خارج على القانون ولا تقل خارج عن القانون، قل خارطة العالم العربي ولا تقل خريطة العالم العربي، قل لا سيما ولا تقل سيما، قل سماه ولا تقل أسماه، قل نشرة الأخبار الرئيسة ولا تقل نشرة الأخبار الرئيسية.

قل أكد أن ولا تقل أكد على أن، قل هذا الأمر غير منطقي ولا تقل هذا الأمر الغير المنطقي، قل التقى عمداء الكليات ولا تقل التقى بعمداء الكليات، قل صحح الخطأ اللغوي ولا تقل صلح الغلط اللغوي، قل أعلن انسحابه من القائمة الانتخابية ولا تقل أعلن عن انسحابه من القائمة الانتخابية وكلاهما صحيح إلا أن الأول أصح، قل 16 ألف قطعة آثارية، ولا تقل قطعة أثرية، قل ما يؤسف عليه حقا ولا تقل ما يؤسف له، قل على وفق المنهج المدروس ولا تقل وفق المنهج، قل المنتجات النفطية ولا تقل المنتوجات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد