ينظر بعض الناس للاجئ الذي أخرج من بلده وماله ودياره على أنه في منزلة أقل من غيره على مقياس الإنسانية، حتى لو تشارك معه هذا اللاجئ في الدين واللغة والأصول! فهذا المنبوذ جاء إلى البلد وهو لا يملك شيئًا إلا بعض ما يكسيه ويكسي عياله وما استطاع حمله على عجل تحت وطأة القصف والخوف. النظرة في أحد جوانبها نظرة مادية وهي تشبه نظرة كثير من الناس للفقراء ولمن هم أقل منهم في السلم الاجتماعي والااقتصادي حتى لو كانوا من نفس البلد ولكن الأمر لا يتوقف فقط على هذا الجانب!

أحيانًا يستطيع أن يهرب هذا اللاجئ ببعض ماله الذي يعينه على بدء مشروع أو عمل في بلد اللجوء وبما تسمح به قوانين البلد وهنا لا بد من اختراع مقياس آخر غير مقياس المال لإبقاء هذا اللاجئ في دائرة (الدونية) فيتم الحكم عليه بمقياس الجنسية فهو (إنسان) درجة ثانية أو ثالثة ما دام لا يملك جنسية البلد باعتبار أن الجنسية تزرع في جسد من يحملونها جينات التفوق والسمو والتميز عن غيرهم ومن لا يحملها سيبقى إنسانًا أقل من غيره.

الغريب في الأمر أن هذا التصنيف الجاهلي ينتشر في بلاد العرب والمسلمين أكثر من غيرهم، هذه البلاد التي يقرأ سكانها قرآنا يذكرهم دائما أن المؤمنون أخوة وتذكرهم أحاديث نبيهم أن مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد!

الغريب أيضًا أن بعض هؤلاء المهاجرين تحركوا عدة كيلومترات فقط ليجدوا نفسهم في بلد مجاور على الطرف الآخر من الحدود وغالبًا ما تربط هؤلاء المهاجرين بأهل البلد الجديد صلات قربى ونسب وما تفرقوا إلا بعد أن رسم المستعمر هذه الخطوط على عجل فصار أبناء العشيرة الواحدة منقسمين بين بلدين ولو أن هذا المستعمر اهتزت يده قليلا وهو يرسم هذه الخطوط لأصبح هذا الكاره للاجئين من ضمنهم!

أنت لاجئ إذا أنت منبوذ! أنت كإنسان درجة ثانية يجب أن تبقى مذلولا ومهانًا ويجب أن تعمل في المهن الدنيا وعليك أن تظل في مخيمات اللجوء خلف أسلاك شائكة وعليك أن تعيش بلا أدنى حقوق ولا يجب أن تتحصل على أي ميزة من ميزات أهل البلد، يكفي البلد أنها آوتك ولمتك وتفضلت عليك بقبولك فيها فلا تطالب بأكثر من ذلك.

هؤلاء العنصريون يؤمنون أن اللاجئ يجب أن يبقى في دائرة صغيرة لا يخرج منها وكأنه حالة جرب معدية يخشى أن تصيب أهل البلد! فإن هم رأوا لاجئًا قد بدأ عملًا تجاريًا أو طور من وضعه المادي أو زاحم أبناؤه أبناءهم في المدارس أو ضايقهم في العمل والمواصلات والمستشفيات فالويل له! هذا اللاجئ عليه فقط أن يمارس البقاء لا الحياة وعليه أن يحمد البلد ويشكرها دبر كل صلاة لأنها مكنته من البقاء حيًا وعليه أن يصمت على كل ما ينتهك آدميته وكل ما ينتقص من حقوقه كإنسان فهو في موضع لا يسمح له أن يعترض أو يحتج! بمعنى آخر هذا اللاجئ عليه أن يموت وهو على قيد الحياة!

يحاول بعض كارهي اللاجئين أن يلصقوا سبب كراهيتهم هذه ببعض تصرفات اللاجئين، فإن حدثت مشكلة سببها لاجئ فإنهم يحولون الأمر إلى قضية رأي عام ويتم تناوله باعتبارها ظاهرة خطيرة تهدد الاستقرار والسلم المجتمعي على اعتبار أن هؤلاء اللاجئين قادمين من بيئات بدائية متخلفة من مجاهيل الأمازون أو أفريقيا أو من جزر نائية من وراء البحار وعلى اعتبار أن أهل البلد الأصليين مجموعة من الملائكة الأطهار ولا يخرج منهم (العيب) وأنهم ما عرفوا مثل هذا الأحداث والظواهر إلا بعد قدوم هؤلاء اللاجئين!

يكفي أن تحدث جريمة أو حادثة منسوبة إلى أحد اللاجئين حتى تشتغل ماكينة التعميم الزائد الإعلامية التي تنسب الجريمة الفردية إلى المجموع بأكمله، فيتم لعن شعب اللاجئين بجميع مكوناته وتتعالى الأصوات المطالبة بنفيهم وإرجاعهم إلى بلدانهم حيث الموت ومصادرة أموالهم أو على الأقل بناء سور حول تجماعتهم وهذا أضعف الخذلان! لا أدري من هذا الذي يفترض أن اللاجئين قادمون من الجنة وأنهم لا يخطئون؟

حينما تتأمل واقع أبناء جلدتنا من اللاجئين في بلادنا تزداد يقينا أننا شعوب بعض أفرادها لا يعرفون من الدين إلا عباداته وطقوسه وليس لهم نصيب حقيقي من جوهره وأخلاقه، انطلق الدين من بين ظهرانينا ولكننا افترقنا وسرنا في اتجاهين: نحن في اتجاه وجوهر الدين في اتجاه معاكس ولم يسر معنا من هذا الدين سوى عبادات وشعائر لم تحدث معنا أي فرق وكلما تقدم الزمن كلما ابتعدت بيننا المسافات، والأدهى أننا ابتعدنا عن الإنسانية أيضًا ولم يعد لنا منها نصيب.

راجعت حال مهاجري مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدموا إلى المدينة لعلي أجد حوادث مشابهة لما يجري اليوم ولكني لم أجد! لم أقرأ عن أنصاري عير مهاجرًا بلجوئه أو فقره أو أصله! ولم أقرأ عن أنصاري اشتكى من مزاحمة القادمين الجدد لأهل المدينة في عملهم ورزقهم وسائر شؤون حياتهم، ولم أقرأ عن أنصاري طالب بمصادرة أموال المهاجرين وطردهم من حيث جاؤوا! كل ما قرأت عنه حالات لم يشهد لها التاريخ مثيلا من التآلف والتآخي والإيثار والتواد والتراحم والتعاطف! لذلك تستطيع أن تدرك بسهولة لماذا (رضي الله) عن هؤلاء المهاجرين والأنصار ولماذا أخضع لهم الدنيا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

أطفال الشوارع
شارك 3
منذ أسبوع
حقوق إنسان
أعضاء بشرية للبيع حلال!
شارك 1
منذ 3 أسابيع
حقوق إنسان
المنبوذون من إسطنبول
شارك 1
حقوق إنسان
منذ 3 أسابيع
إبادة عمرانية تطال مئات الشقق السكنية
شارك 36
الاحتلال الإسرائيلي
منذ 4 أسابيع
استيقاظ أبي جهل
الربيع العربي
منذ 4 أسابيع