هل تشعر بحزن كلما اقترب عيد ميلادك؟ إذا كان الأمر كذلك، دعني أخبرك إنك لست وحدك.

أن عيد الميلاد لا يأتي إلا مرة واحدة في السنة، وبالنسبة للكثيرين، فهو الممارسة الوحيدة التي يحصلون فيها على مركز الاهتمام. في بداية كل عام يمر يوم مولدي ولا أتذكره إلا بعد عدة أيام، أو حين يُقال أمامي إنه تاريخ مولدي دون قصد، أي أن لا أحد تذكر يوم مولدي ولا حتى أنا. لا شك أني أشعر بكآبة كل عام في مثل هذا التاريخ، ربما لأنه يرتبط ويذكرني بتاريخ الوفاة لوالدي في نفس هذا الشهر من كل عام، وربما لأنه يرتبط بأحداث وخبرات سلبية عميقة مررت بها في فترات حياتي السابقة، حيث إن ارتباط الأماكن والأحداث سواء كانت سلبية أو إيجابية قد يمنحها صبغة وجدانية كلما مرت بنا. وهذا ما دفعني للبحث في ما يحصل خلال أعياد الميلاد وخاصة ميلادنا نحن وما يرتبط به من مشاعر وأحاسيس وأحداث والدراسات التي أجريت عليها.

يجب أن تكون أعياد الميلاد مناسبات سعيدة، مع ذلك يخشى بعض الناس في كل مرة يقترب عيد ميلادهم يتغير سلوكهم، يصبحوا متوترين وحزينين وذلك ما يدعى (بعيد ميلاد البلوز) أي اكتئاب يوم الميلاد.

في كل أعياد الميلاد هناك (شموع وهدايا ولافتات وأغاني ومفاجآت) ولكن لسوء الحظ يزداد الشعور بالقلق والرهبة مع اقتراب هذا اليوم، أنها حالة كلاسيكية لما يسمى في علم النفس (اكتئاب أو شجن يوم الميلاد).

لطالما كانت أعياد الميلاد حافلة بالعائلات الكبيرة، ولكن كلما كبرنا وأصبحنا. بالغين وابتعدنا عن منازلنا وعائلاتنا وقل أصدقاؤنا يصبح الأمر أشبه بأزمة وجودية ليس عند معظم الناس ولكن لدى الكثير منهم ممن يهتم بتلك الأمور.

هل يجب أن نشعر بالحزن والوحدة في عيد الميلاد؟

إن اكتئاب عيد الميلاد حقيقي حين يتوقع منك المجتمع أن تكون سعيدًا في ذاك اليوم، وإن حصل العكس فلا بد أن هناك خطأ ما معك، مع ذلك لا يوجد دليل إرشادي أو تعليمات حول ما يجب أن تشعر به أو تتصرف به في عيد ميلادك.

بعض الأشخاص يكون يوم ميلادهم مثير للقلق ومليء بالضغوط لذلك يلجأون إلى الإلهاء، قد يقضون يومهم بالعمل أو إجبار أنفسهم على نسيان هذا التاريخ والقيام بمهمة تشغلهم طوال اليوم فقط لكي يتجاوزوا اكتئاب يوم الميلاد.

ولكن لم إذا أعياد الميلاد صعبة عند عدد من البالغين أو المحرومين؟

إن الشعور بالاكتئاب عند اقتراب يوم الميلاد أمر شائع، إنه عاطفة مختلفة عن نوع الاكتئاب المستمر. قد يكون هناك العديد من الأسباب التي تشعرنا بالإحباط في ذاك اليوم، ومن أكثرها شيوعًا:

 

التقدم بالسن

تذكرنا أعياد الميلاد بأننا نتقدم بالسن، إنه اليوم الرسمي الذي نتقدم فيه سنة واحدة، على الرغم من أننا نشعر بنفس الشعور السابق، إلا أن 30 أو 40 أو 50 تجعل الأمر أكثر وضوحًا (أي أن الوقت بدأ ينفد). العمر حقًا سمة مميزة أو هويتنا، خاصة بالنسبة لبعض البالغين عندما يقتربون من سن وفاة أحد الوالدين، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إثارة القلق بشان صحتهم والموت.

 

 نقص الحب

عندما كنا صغارًا، كنا نعتمد على عوائلنا في تذكر وإقامة أعياد الميلاد، كلما كنت صغيرًا كان الاهتمام بك كبيرًا، كلما كبرت وأصبحت بالغًا سيوليك الآخرون اهتمامًا أقل، إن كان هناك اهتمام أصلًا. فعمر (12) ليس كعمر (49) أو (50).

 

قلة الأشخاص الراغبين لك بالخير

بعض الأشخاص ليس لديهم الكثير من الأصدقاء أو الكثير من أفراد الأسرة المساندين أو لديهم الكثير من الأصدقاء ولكنهم (أصدقاء مزيفون)الذين لا يهتمون بهم بما يكفي للالتفاف حولهم في عيد الميلاد. قد يعاني هؤلاء الأشخاص من اكتئاب لعدم وجود شخص حقيقي يحتويهم ويحتفل بهم من تلقاء نفسه وليس مجاملة أو تملقًا أو لأغراض الشفقة والعطف.

 

نقص في الإنجازات أو عدمها

تعتبر الأهداف غير المتحققة من العام السابق أو الذي قبله سببًا شائعًا للاكتئاب في يوم الميلاد. في عصر طموح، قد يكون من الصعب التعامل مع الشعور بأنك لست في المكان المناسب الذي يجب أن تكون فيه أو تعتقد أنك تستحقه أو تحب أن تكون فيه وأنت تحتفل بيوم ميلادك.

 

الحنين أو التوق إلى الماضي

يمكن أن يزيد الحنين من الشعور بالاكتئاب في عيد الميلاد، على سبيل المثال، إذا فشل وضعك الحالي في أن يكون مطابقًا للسعادة مع المستوى الذي تختبره في ذكرياتك.

 

ليس هناك تغيير

عندما تود أن تجري تغييرات مهمة في حياتك على أصعدة أنت تود أن تتغير ولكن لا يحصل ما كنت تبغيه، كلما اقترب موعد يوم ميلادك أحسست أنك لم تكن مع شخص وددت أن تكون معه، أو في مكان وددت أن تتواجد فيه، أو وضعية كافحت لأن تغيرها ولكن لم يحصل ذلك التغيير، كل ذلك يؤدي إلى اكتئاب عيد الميلاد.

 

وسائل التواصل الاجتماعي

كان الأشخاص سابقًا يحتفلون بأعياد ميلادهم بصورة سرية وبسيطة لا تتعدى العائلة، ولكن بعد أن ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي وبدأ الكل يتدخل فيما يعنيه ولا يعنيه، قد يشعر المرء بشيء من الاكتئاب عندما يقارن نفسه مع شخص آخر بوضعيته البسيطة ويبذخ الآخرون وبصورة غير منطقية مسرفة ليس فقط الجانب المادي إنما الأعداد الكبيرة من الحضور والفرحة الكبيرة وسط أجواء ساحرة ويرى هذا الفرد نفسه وحيدًا، وخير مثال على أعياد الميلاد ما يقوم به المشاهير في أعياد الميلاد وقد تتكرر في العام الواحد أكثر من مرة لأغراض متعددة.

 

هل يرتبط يوم الميلاد بنتائج سلبية مثل الانتحار؟ أو هل هناك علاقة بين يوم الميلاد والانتحار؟

على الرغم من وجود عدد قليل جدًا من الدراسات حول أعياد الميلاد على وجه التحديد، فقد وجد الباحثون زيادة في خطر الانتحار في أعياد الميلاد. توصلت ورقة أخرى إلى أنه مع اقتراب الناس من عقد جديد، يبدأ الكثيرون في البحث عن معنى وجودي، مما يؤدي إلى سلوك مثل البحث عن إقامة علاقة صداقة حميمة أو بدأ نظام لياقة بدنية شديدة.

وجدت (فيليبس) فاصلًا زمنيًا قريبًا بين تاريخ عيد الميلاد ووفاة (1200) من المشاهير. وأظهر بحث بريطاني على وجود (247) حالة ميل للانتحار عند يوم الميلاد ووجدوا أن الضحايا يميلون إلى الانتحار في غضون (30) يومًا من عيد ميلادهم ولكن تكثر هذه الحالة عندما تزيد الأعمار عن (75) عامًا.

في دراسة أخرى وجد أن الانتحار أكثر تواترًا في الأشهر الثلاثة التي تقترب من عيد الميلاد مقارنة بالأشهر الأخرى من العام. وقال (ليستر) إنه لا توجد حقيقة لما يسمى (اكتئاب عيد الميلاد) مع ذلك، درس لاحقًا (74) حالة انتحار لدى لاعبي البيسبول المشهورين في دوري البيسبول الأمر يكي ووجد أن هناك شهر واحد فقط بين عيد الميلاد وتاريخ الانتحار في حالات أكثر مما كان متوقعًا.

حيث إن الأشخاص الذين ركزوا على المجال العام للحياة (أي الأشخاص الذين يقودون حياتهم المهنية أو الرياضيون المحترفون) بأن أيام مجدهم قد مرت، في حين أن أولئك الذين عاشوا أكثر في المجال الخاص (مثل الآباء المقيمين في المنزل واللاعبين الهواة) يكونوا أكثر وعيًا فيما سيخسرونه في الموت ويحاولون الاحتفاظ به.

فيما يتعلق بالاختلاف بين الجنسين، فمن المعطيات الكتابية تبين أن عدد النساء اللواتي ينتحرن في عيد ميلادهن أقل بكثير من الرجال، وهو ما يمكن تفسيره بأسباب بيولوجية وجينية واجتماعية ونفسية تؤدي إلى اساليب عمل نفسية وعقلية وتفاعلية مختلفة تمامًا عن الرجال. النساء أكثر تسامحًا وحذرًا وأكثر ميلًا إلى الاعتبار والبحث عن حل وسط.

كيف نفسر محاولة الانتحار بقرب عيد الميلاد؟

حسب نظرية (تأثير الوعد المحطم) تكون الشخصية أكثر حساسة للأيام الأولى من كل فترة زمنية عندما يضع الفرد لنفسه توقعات (بوعي إلى حد ما) يتوقع الأحداث الإيجابية على أنها (وعد). إذا لم تحقق الحياة هذه التوقعات فسوف تتبعها خيبات الأمل، وسوف (يتحطم) الوعي والأمل. الربيع يعني واحدة من أبرز الفترات الزمنية في حياة المرء. بداية تحقيق الأحلام والخطط العزيزة. نقطة التحول في الشخصية واليوم الذي يظهر بداية الحياة الشخصية يتناسب أيضا مع نظرية (تأثير الوعدالمحطم) عندما تتراكم الإخفاقات خلال (المراجعة) المعتادة والوعود التي لم يتم الوفاء بها (والآمال) المحطمة للحياة.

يوفر يوم الميلاد تاريخًا ثابتًا للتركيز عليه، مما يسمح للمرضى الميؤوس من شفائهم بالبقاء حتى اليوم نفسه. من ناحية أخرى يُذكر عيد الميلاد أيضًا الفرد بالفناء ويوفر فرصة للنظر إلى الوراء في الحياة، ووفقًا لنظرية إدارة الإرهاب، فان هذا يسبب ضغوطًا يمكن أن تسرع الموت.

وهناك تفسير آخر حسب (نظرية الساعة البيولوجية) التي لها إيقاع لمدة (24) ساعة، فإن الجسم لديه إيقاع بيولوجي (دائري) سنوي، أي أن الظروف المناخية عند الولادة تعمل بمثابة (الموقت) الذي يسبب الإجهاد الداخلي ويزيد من فرص الموت.

كيف نستطيع تجاوز شجن واكتئاب يوم الميلاد؟

هل نستطيع تغيير عقلية عيد الميلاد؟ بالتأكيد يمكن التفكير بأشياءتجعلنا نتجاوز الكثير من الامور السيئة:الطريقة التي نفكر بها تؤثر على الطريقة التي نشعر بها.

 

لا تشعر بالسوء والحزن

من الطبيعي أن تشعر بشيء من الشجن بين فترة وأخرى، لأنك كائن طبيعي يود أن يشعر بالتغيير لكن هناك معارضات في حياته وأحيانا لا يكون هو سبب فيها. هذا الأمر عندما تدركه بتلك الطريقة أي عندما تعزو بعض الأمور السيئة للخارج وليس لك قد يخفف بعض مما لديك من الأم. لقد أدركت أني أشعر بالقلق خلال الفترة التي تقترب من يوم الميلاد ولكن أدركت أنه يوم ويمر وبمجرد مرور اليوم سوف يغمرني شعور مختلف نهائيًا وأنني قادرة على مواصلة حياتي.

 

-إن كان لا يتذكر يوم ميلادك أحد، (أخبر الناس بذلك) أو ذكرهم بطريقة غير مباشرة.

لأهمية هذا اليوم ولأثاره على بعض الأشخاص يضع المختصون في وسائل التواصل الاجتماعي ذكرى ميلاد الأشخاص، لتذكير الآخرين بهم أن لم يتذكرهم أحد آخر، أن حصل ورأيت تذكير قم بإرسال وردة أو كارت أو عبارة جميلة تخبره أنه مهم وأنك تذكرته. وكما يقول الرومي (أيها المسافر اشتر الورد لعلك تقابل في الطريق من يستحقه) أو كما يعاتب جبران خليل جبران فيقول: (وردة واحدة لإنسان على قيد الحياة أفضل من باقة كاملة على قبره). أو كما يشعر ديستوفسكي بالوحدة ويرفض الورد ويفضل ما هو أهم للكائنات الأخرى فيقول (وحين يهيلون على قبري التراب انثر فتات الخبز، فتتهافت عليه العصافير، فاسمع صوتها ولا أشعر أني وحيد). إن كنت من الأشخاص الذين يهتمون بعيد الميلاد ويسعدك تواجد وتذكر الآخرين له، لا ضير أن أخبرت من تحبهم ويحبونك بصدق بيوم ميلادك. ولكن الاعتماد المفرط على الآخرين من أجل إسعادك خاصة إذا كانوا لا يرغبون ولم يسعوا إلى معرفة يوم ميلادك فهذا الأمر غير مستحسن أبدا. ويذكر ديستوفسكي ذلك بقوله (لم أطلب يدًا تمسح دموع الفزع ولم أوقظ أحدًا ليعانقني كي أهدأ علام يجب أن أكون ممنونًا؟ لقد عشت أسوأ اللحظات بمفردي). تأكد أن تضع لنفسك خططًا إذا كان لديك شك بأن الآخرين لن يتذكروا يوم مولدك.

 

افعل شيئا مميزًا

ليس شرطًا أن يسعدك شخص آخر، قم أنت بإسعاد نفسك ودللها، كأن تجلس في مطعم أو توفر أجواء احتفالية في بيتك أو تقرر مشاهدة فيلم وكأنما العالم كله سيحتفل معك ولك، أي ارفع من روحك المعنوية.

 

كن منتجًا

أكتب أهداف العام المقبل وقم بإنهاء اليوم بشكل إيجابي واشعر بشيء بالإلهام والدافع للحصول على عيد ميلاد أفضل في المرة القادمة. أو قم بقلب التركيز من خلال اعتبار عيد ميلادك فرصة لفعل شيء للآخرين.

إن كنت تفضل البقاء وحيدًا، فلا داعي لآن تطلب من الآخرين مشاركتك عيد الميلاد ولا داعي للحزن. أما إن كنت تحب أن يشاركك الآخرون فاجعل هذا اليوم وقتًا رائعًا لرؤية الأشخاص الذين تعذر عليك رؤيتهم لمدة طويلة.

المهم في الأمر أنك تستطيع أن تدير يوم ميلادك كيفما تريد، إن تمكنت من إدارة مشاعرك السلبية ووضع خطة قوية فقد تبدأ بالتطلع إلى أعياد ميلاد مقبلة. ولنرفع معنويات بعضنا البعض في بداية كل عام ونتذكر قول غسان كنفاني: (لا تتعلق بشخص لا يكتُب لك، لا يُزاحِم يومك، لا يقرأ ما بك، لا يحفظ أهم تواريخِك، ولا يَملأ حياتك بالمفاجآت).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد