كم هي العلاقاتُ الإنسانية هادفةٌ إلى توطيد الأواصر بين الإنسان وأخيه، وكم هي الكلماتُ الرائعة والنّاعمة نعمةٌ يُحسدُ عليها بنو البشر وهم يتبادلونها وكأنّها هدايا الإخوان وورودُ الأحباب، وكم هم المتزوّجون قادرون على أن يرتفعوا بمؤسّسة الزواج هذه إلى فضاءٍ لا ضبابَ فيه وأجواءٍ عُليا لا مُنغّصات بها بما هو في متناول ألسنتهم وأفواههم من طِيبِ القول وعاطر الكلمات وبديع الألفاظ النابعة من يقينٍ صادقٍ بأنّ البلدَ الطيّبَ يَخرُجُ نباتُه بإذنِ ربّهِ والذي خَبُثَ لا يَخرُجُ إلا نَكِدا.

والرؤيةُ تختلفُ والنّظرةُ تتغيّرُ بتبدّل الكلام واختلاف المضامين لكنّ الكلامَ والألفاظ لن تتغيّر إن أضحَتْ عملًا يوميًّا وهمًّا متعبًا يجنحُ له الخائفونَ من عواقب النّقاش، لا لشيء سوى لأنهم لم يتذوّقوا حلاوة الكلِمِ الطّيّب سماعًا وقولًا، ولم يروا أثّرَ الإحسانِ بانتقاءِ أفضلِ ما في حدائق اللسان من جواهرٍ تُهدى دونَ أن تُكلّفَ صاحبها مالًا أو جهدًا يعرِقُ لأجله، لكنّها تؤتي أكُلَها كلَّ حينٍ بإذن ربِّها وتعملُ عمَلَ الأسحارِ في قلوبِ من نُحبّهم ومن لا نحبّهم وتُطفئُ الغلّ فلا يعودُ له أثرٌ، وكأنّ من بينَكَ وبينَهُ عداوةٌ وليٌّ حميم.

وللمرأة الإنسانة التي وطئِتْ قدماها هذا الكون لتعمرَهُ بكلّ ما لديها وما ليس لديها من حنَانٍ ورقّةٍ وعذوبةٍ تُحيطُ به الرّجل وذرّيتَه وبيتَه وحياته وكآبتَه وثقلَ دمّه وغطرستِه دورٌ بارزٌ في استدعاءِ الكلماتِ السحريّة والألفاظ الياسمينيّة دونما عناءٍ أو مهارة أو تعليم، فهيَ بطبيعتها الباقية عليها تمتلك من جِيناتِ فرْضِ الشخصيّة الجاذبة ما لا يملكه ألفُ رجلٍ ولو اجتمعوا لهذا الأمر، ولهذه الممارسة الكلاميّة مع الأنثى ما يقلِبُ الأمور السيئة ظهرًا على عقِبْ ويحوّلَ مدارَ الخصام لوئامٍ مفروشٍ أمامَ الذكر وكأنّه في جنّةٍ من ثمار الرمان يقطف منها ما يشاء ويستمتع وهو يسمَعُ ما لم تسمعه أّذنه من قبل.

قالَ لها اليوم قبلَ أن يخرُجَ لعمله “أنتِ جميلة” وذَهبَ مع الرّيح وبقيَتْ هي تصنعُ من تلكَ الكلمة مساحيقَ تجميل وعطورَ غرامٍ وثيابَ سرور وسعَتْ بأفكارِها حيثُ اليومَ الأوّل الذي عرَفتهُ فيه وتزوَّجَتْ به قبل خمسَ عشرَةَ سنة وتذكّرت كلّ أيامها الخوالي التي لم تحمِلْ لها سوى الرّوتين والعادة واليوميّات القاتمة ماعدا طرَفيْ المُدّة، أولهما حينَ قال لها وهي بثوبِ الزّفاف “أنتِ جميلة” وثانيهما حينَ أعادَ ذات الكلمة بعدَ خمسَ عشرة سنة وقالَ لها قبلَ قليل “أنتِ جميلة”، تنفّسَتْ الصُّعداء وعلِمَتْ بأنّ كلّ ما كانتْ تُعاني منهُ “دلَعْ بنات” فهيّ تُحبُّ أن تكونَ لزوجها “بنتًا” وقالت لقدْ ظلَمْتُه كثيرًا.

في المطعَمْ الذي يبيع “الشّاورما” التّركيّة يعملُ شابٌّ لبِقُ اللسان جميلُ المُحيّا يعرفُ اللغة العربيّة باللهجة السوريّة ويعتبرهُ صاحبُ المحلّ من أكثرِ موظّفيه وعُمّاله نشاطًا وجلبًا للزبائنِ لما يُمطرُ به كلّ من يشتري منه مِن أنواع الكلام المعسول والمجاملات الخفيفة الظريفة التي لا تخلو من مِدْحٍ للسمين بأنّه رائع وللنحيف بأنّه متميّز وللسمراء بأنّها بنت حلال وللشقراء بأنّها فاتحةُ خير وللبيضاء بأنّها قدَمُ السّعد، وهذه المرّة جاءَتْ فأسُ هذا الشاب في رأسِ امرأة في الحيّ وقورة السّير مركّزة النظر صلبة الميلان لها من الأخلاق ما يفرضُ عليها حدودًا في الكلمات وكأنّها تُخرجُ الكلمة وتنتظرُ أختها الأخرى كي تُفرَجَ عنها شفتيها، طلَبَت من بائع “الشاورما” طلَبها العادي فعاجَلَها بكلمةٍ ليستْ في حُسبانها وقال لها “أنتِ جميلة” فلم تنبُس المرأة الأربعينيّة ببنتِ شفة ومضَتْ في حالِ سبيلها وهي تحمل “الشاورما” وثقةً منحَها إيّاها بائعها فابتسمَتْ لأوّل مرّة في الشارع ورآها “جارٌ لها” فشمّرَ عن ساعدِ الجدّ وقرّرَ أن يتزوّجَ بها بعدَ أن رفضَ اقتراحَ صديقه عليه مرارًا بحجّة أنّها لا تبتسم لكنّها اليوم ابتَسَمَت وابتسمَ الحظّ لها بسبب أنّها عرَفَت “بأنّها جميلة”.

في المطَار رجلٌ وزوجتُه ومعهما طفلان يلعبان ويلهوان أمامها ينتظرُ الجميع موعدَ إقلاع الطائرة المتّجهة بهم لرحلةٍ صيفيّة معتادة، ولكنّ المتفحّص لهذا المشهد يستغربُ من انهماك الرّجل في جهازه الجوال ومتابعته له وكأنّه ينتظر مكالمة أو يُتابع إرسال رسائل قصيرة لقناة فضائيّة أو يحاول التقاطَ من تستدرجه من بعيد بسنّارة “البلوتوث” وأمّا زوجته فهيَ غارقةٌ في نُعاسٍ شديد حتّى لكأنّها تكادُ تسقط من على الكرسيّ لولا أصواتُ الأطفال، استيقظت هذه المرأة فجأةً على زوجها وهو ينظرُ إليها بعينِ لم تُشاهدها من قبل وما أن همَّتْ بأن تسأله عن الأمر حتى قالَ لها “أنتِ جميلة” فتورّدَ الخدّان وطارَ النّعاس وسكَتَ الأطفال وأغلقَ الجوّال وانطلَقَ هؤلاء العصافير الأربعة لرحلة لن ينسوها طيلة حياتهم.

بدوري أنا أحلفُ بالله “أنَكِ جميلة” ولا مجالَ أبدًا إلا أن تكوني جميلة بل وأجمل من كلّ الجميلات إن أحببتِ، بل وسيّدةُ الجمالِ أنتِ لأنّي أنا أراكِ جميلةً بالفعل، كيفَ لا تكوني جميلةً وأنتِ الزوجة والأم والحاضنة والرّفيقة، كيفَ لا تكوني جميلةٌ وأنتِ الصّاحبُ والصّديق ومأمن السّر وحامية الظّهر، بل أنتِ لولا جمالكِ لما كانَ للجمال اسمٌ ولا وجود ولولا أنّكِ جميلةٌ لما عرَفَ الناسُ بأنّ للجمال درجات وأنّك أنتِ من يتربّعُ على أعلاها وأفخمها، كوني على يقينٍ بأنّني إن قلتُ بأنّكِ جميلة فلن أضيفَ سوى من محبّتي لك وإن كرّرتُ هذه الكلمة فأنا أراقبُ ما تمتازينَ به من تجدّدٍ مستمرّ فأنت جميلةٌ حقًّا.

ولن يكونَ للنفاقِ ولا للخداعِ ولا للزّيف في مثل هذه الجملة المكوّنة من “مبتدأ وخبَر” في لفظها ومكوّنةٍ من حبٍّ وخُلُقٍ في مضمونها ومعناها لكنّنا نسهو عن الذي يُسعدنا ونتساهل في الذي يسعدُ من معنا ونمنعُ أنفسنا من متعةٍ لا غنى لنا عنها بسبب الانجراف وراءَ المادّيات والمحسوسات التي ملأتْ خزانة كلّ امرأة لكنّها لم تدخل قلبَ أيّ امرأة، ومن حقّ من يرى الجمال أن يعبّرَ عنه بأنّه جميل وإلا سيكونُ من الذين تسنّتْ لهم فرصةُ العمر ولم يغتنموها.

أنا أجزِمُ بأنّها جميلة طالما أنتَ من اختارها وهي من اختارتْكَ، وأجزِمُ كذلك بأنّها تراكَ جميلًا وأنتَ جميلٌ في الواقع لو استطعتَ أن تجدَ الوقتَ المناسب لتقولَ لها “أنتِ جميلة” وعندها سأجدُ منكَ آلافَ الدعوات التي تدعو لي بها جرّاءَ ما صنعتْهُ هذه الكلمة في قلبكَ أنت قبلَ أن تصنعه في حياتها هيَ، وعليكَ بعدها أن تجعلَ هذه العبارة مفتاحَ الخير وبادرة السعادة وعصا التغيير ومقدّمة الشعر وآخر النثر ولا تبخل على نفسِكَ أن تغيّرَ نكهةَ فمِكَ بكلمتين من أحسنِ أنواعِ البخور هما ومن أجود أنواع الترنيمات هما، وقُلْ لها ولا تخَفْ: “أنتِ …… جميلَة”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد