جميعنا يسعى إلى الاختلاف، نسعى لأن نكون مُنْفردين بأفكارِنا وتوجُّهاتنا، نسعى دائمًا لكي نكون مِثالًا يُحتذى به، لا أن نَتْبعَ أحد الأشخاص –اتباع العِميان– في أفكاره وتوجُّهاته، ولا مانع أيضًا من أن نجدَ لنا أتباعًا يتَّبِعون أفكارَنا؛ يؤيّدونها وينشرونها ويدافعون عنها، فزيادة الخير: خيرين!

لكن ماذا إن عَلِمْتَ أن تلك الأفكار – في صميمها – ما هي إلا اتباعٌ لآخرين قد نالوا من التأييدِ ما نالوا، حتى تأثَّر الأتباع، وتأثرَّتَ أنتَ بهؤلاء الأتباع، وأصبحت حاضنًا لفكرةِ “التغيير” المنبثقةِ من أفكار أحدهم بالأصل؟ أعلمُ أن عقلك الباطن ينازع الآن.. يُكَذِّبني ورُبما يَسُبَّني حتى.. فدعني أشرحُ لكَ، وأصدمك.

تجارب “آش”.. الأمتع في التاريخ النفسي

عزيزي القارئ، انظر إلى الصورةِ التالية لعدّة ثوانٍ، ثُم عُدْ لتجيب على سؤالي..

Untitled

أرىَ أنّك تأملتها جيّدًا.. حسنًا.. سأطرح عليك سؤالي الآن: أيُ خطٍ من خطوط الجانب الأيمن (A,B,C) يُطابِق – في طوله – الخط الموجود على الجانبِ الأيسر؟

لا يا صديقي، هي ليست خدعة بصرية.. الأمرُ قد يبدو كذلك للوهلة الأولى، لكنَّ تلك الصورةِ هي من أحد التجارب التي قام بها عالِم النفس الاجتماعي “سولومون آش” وذلك في عام 1956 تحت اسم “تجربة المطابقة الذهنية” أو “نموذج آش للمطابقة”.

كانت التجربة هي أن يُحضِر “آش” مجموعة من فريقِ عمله، ويُجلسْهُم أمام نموذج لعرضِ تلك الصور –صور الخطوط السابق ذكرها– أمامهم، لكنَّ هذا كان يتم في حضور أحدِ الأشخاص الغُرباء عن فريق العملِ هذا، وكان هذا الشخص هو المُستهدَف الرئيسي في التجربة.

التجربة تمّت على مرحلتين:

  1. طلب العالِم “آش” من الأشخاص الجالسين أمامه – تذكَّر أنهم فريق عمله وهم يعرفون تفاصيل التجربة، وآخرٌ مستهدف لا يعرف عن تفاصيلها وغرضها شيء – أن يكتبوا رقم الخَط الصحيح المطابِق في ورقة مستقلة، كلّ على حِدَة، وكان يعرض عليهم بين الحينِ والآخر صورة مختلفة لخطوط مختلفة ويدوّنون أيضًا إجابتهم عليها.
    بعد ذلك قام بجمع أوراق الإجابة منهم – وذلك طبعًا لكي يرىَ إجابات الشخص المُستهدَف.
  2. طلب منهم أن يُجيبوا على الأسئلةِ ذاتها، لكن بصورةٍ شفهية وأمام بعضهم البعض، على أن يجعل –قصدًا– الشخص المستهدَف هو آخرُ شخصٍ يعرضُ إجابته.
    أضف إلى ذلك، أن “آش” قد اتفق سلفًا مع فريقِ عمله أن يجيبوا –شفهيًّا– على السؤال بإجابة موحّدة، خاطئة طبعًا.

أخذ ناش يدوّن إجابات المُستهدَف –في المرحلتين– ويعقِد بينهم المقارنات، وأخذ يستبدل الشخص المستهدَف بشخصٍ آخر، مع تثبيت باقي الفريق المشارِك في التجربة.
كانت النتائج مذهلة، كما يلي:

  • عندما كان يجيب الأشخاص المستهدَفون بالتجربة على الأسئلة بشكلٍ فرديٍّ مستقل، 99% منهم أعطىَ الإجابة الصحيحة على الأسئلة.
  • ولكن عندما كانت الإجابة جماعية في المرحلة الثانية –أي تحت الضغط الجماعي– فإن 76% منهم فقط أعطوا إجابات خاطئة على نفس الأسئلة التي أجابوها صحيحةً سلفًا.

الأمر مخيف، أليس كذلك؟!

دعني الآن أطرح عليك استنتاج تلك التجربة:

إنَّ الأشخاص الذين هُم في موضعٍ معيّن من مواضع التشكك بعدم معرفة الحقيقة، هُم أكثر الأشخاص تعرّضًا لتبعيّة الأغلبية: إن كانت تلك الأغلبية تمتلك ظروفًا مشابهةً لظروفهم التي أدخلتهم في دائرة الشكِّ تلك.

والاستنتاج الأعظم، هو أنّه يُمكِنُنا، وبكلِّ إخلاصِ وتصديق، أن نشوّه حُكمَنا على أحدِ الأشخاص، ما دُمنا تحت حُكم الأغلبية، ونحنُ جزءٌ من أقلّية.

يُمكنك أن تشاهد تفاصيل تلك التجربة من هذا الفيديو:

والبُرهان العملي؟                               

ما زلت متشككًا بعض الشيء في كلامي وتريد أن ترى واقعًا عمليًّا لهذا؟ إليك تلك الأدلة:

  • إستراتيجيات التصويت العام “الدراسات الاستقصائية التي تتم على مرآى ومسمع من البشرِ كافّة”.
  • المقارنات التي تُعقَد بين عنصريّ اختيار في أمرٍ معيّن “كالمناظرات والمقارنات بين مرشحي رئاسة الجمهورية مثلًا”.
  • إعلانات “4 من أصل 5 أطباء أسنان ينصحون به”.. حتى وإن اقتصر المسح التحليلي على 5 أطباء أصلًا!
  • أصوات الضَحِك المصطنع في الخلفيات الصوتية لحلقات المسلسلات الكوميدية.

كل هذه الدلائل تجعلك تفكر مرارًا وتكرارًا في كلِّ خطوةِ، وكل قرارِ، أنت مقبلٌ عليه بناءً على توصيةِ من أحد؛ ما مصلحة هذا الشخص في ذلك؟ ولماذا أشار عليَّ بهذا الأمرِ بالذات؟

وللدينِ نصيبٌ أيضًا..

أقفُ طويلًا، متعجبًا، أمام عظمةِ تناولِ هذا الدين لجوانبِ سيكولوجية الإنسان.. فالله دائمًا ما يأمرنا بأداءِ العبادةِ اجتماعًا وليّسَ تفرُّدًا.

  • فالصوم يؤدَّىَ في شهرٍ واحد للمسلمين كافة.
  • والصلاة ثوابها في الجماعة أعظم من ثوابها فرديةً.
  • وعتقُ الرِق، كان بتشجيعٍ قرآنيِ جماعيّ.
  • والحجُ وما فيه من مظاهر الاجتماع الإسلاميّ الأضخم.
  • والآيات العِظام التي تحثُّنا على التعاونِ والألفةِ والاتحاد، وما إلى ذلك من مظاهرِ ما يُسَمِّيه علم النفس بـ “cognitive dissonance”.

عجبًا لهذا الدينِ والله!

وختامًا..

الأمرُ ليسَ مخيفًا لهذه الدرجة، فأن تخاف من طبيعتك التي فُطِرْتَ عليها ما هو إلا اعتراضُ منْكَ على ما هو ليس مِلكك، إنها الطبيعة البشرية يا سيّدي، التي تجعلنا نتبع الآخرين.

الأمر قد يصبح مخيفًا فعلًا، بل وكارثي، إن ارتضيّتَ أن تتَّبِع، دون أن تُحَلِّل.

ليست كُل تبعيّة هي بالأمر السيّء! فنحنُ –معشر المسلمين– نتبعُ رسولًا لم نَرَه، نتبعُ إمامًا واحدًا في الصلاةِ الجماعية، والجيشُ يتبع قائده، والرعيّة يتبعون الرئيس، وهكذا..

هكذا هي الحياة.. كُلُّ ما أود أن أستسمحك عطفًا أن تفعله “قبل الفاس ما تقع في الراس”، هو أن تُفَكِّر في كل ما تفعله من اتباعٍ لشخصٍ آخر غيرك، ودعني أُوَسِّع مجال التبعية تلك قليلًا، ليشمل تبعيّتك العمياء لعقلك أنت شخصيًّا.. فأنت لا تعلم ماذا تحويه تلك الفصوص الدماغية من معلوماتٍ في العقلِ الباطنِ قد تكوّنت نتيجة ترسبات الرسائل التوجيهية التي تمّت تحت ضغطة الجماعة.. والتي قد تؤثر –وستؤثر– على اتجاهك الحياتيّ.

واعلم أنّك، وبإنهائك لقراءة مقالي الآن، قد عرفتَ مَكْمَن ضعفٍ في الذات البشرية، تُمَكِّنك من السيطرة على شعوبِ الأرض جميعًا دون حتى أن تحظىَ أمامهم بصورةٍ رسميةٍ واضحة، أو منصبٍ سُلطويّ واضح.

أما أنا، فاسمح لي أن أعرض مقالي على غيركَ من القُرّاءِ الذين أعرف أنهم سيوافقوني في الرأي.. مش من حقّي أحس بالرضا عن نفسي شوية برضا الأغلبية عنّي ولا إيه؟

لمعلومات أخرىَ:

1- تجربة أُخرىَ للعظيم سولومون آش يؤكد فيها على نفس الفِكرة:

 

2- التجربة التي أجراها عالِم النفس “فيليب زيمباردو” والتي حملت اسم “اختبار سجن ستانفورد” والتي تؤكد على نفس المعنىَ من التبعية:

https://www.youtube.com/watch?v=gb4Q20z0T1Q
(وقد عُرِضَ فيلمًا يحمل اسم التجربة أيضًا يمكنك مشاهدته).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علم النفس
عرض التعليقات
تحميل المزيد