يحدث أحيانًا أن نكتشف أن بعض التجارب الحياتية التي يمر بها أحدنا قد يتضح فيما بعد أنها لم تكن تقدر بثمن. في يوليو (تموز) من عام 1997 أي منذ 20 عامًا مضت عندما كنت في بداياتي كطالب في كلية طب القصر العيني أتيحت لي فرصة ثمينة للسفر إلى إسبانيا في مهمة تدريب في إطار إتفاقية طبية مشتركة بين الكلية مع المستشفى الجامعي بمدينة باداخوث بمقاطعة إكسترامادورا في أقصى الغرب الإسباني على الحدود مع البرتغال. من خلال قراءاتي في التاريخ الذي أعشقه فقد كان الانطباع السائد لدي قبل السفر هو أن هؤلاء الإسبان قوم عنصريين كارهون بالضرورة لكل ما يمت للعرب والإسلام بصلة على اعتبار أن المسلمين في نظرهم كانوا غزاةً محتلين لأرضهم حتى تم طردهم مع سقوط غرناطة عام 1492.

عندما وصلت إلى مطار أدولفو سواريز بالعاصمة مدريد بدأ يتأكد لدي هذا الشعور، حيث لم أجد كارولينا الزميلة الإسبانية التي كان من المفترض أن تكون في استقبالي رغم علمها مسبقًا بموعد الوصول. لم تكن هذه هي المعضلة الوحيدة التي واجهتني في مدريد، المعضلة الأكبر كانت صعوبة التواصل مع الإسبان الذين كان معظمهم باستثناء بعض الشباب لا يتكلمون سوى اللغة الإسبانية ولا يجيدون التواصل بالإنجليزية على الإطلاق!

إذًا هذا هو الموقف بالضبط: طالب في كلية الطب يصل إلى إسبانيا بعد رحلة سفر طويلة قادمًا من القاهرة ليجد نفسه وحيدًا في مدريد دون القدره على التواصل مع من حوله من إسبان. المهم تعرفت على أحد الشباب الفرنسيين والذي كان قادمًا من باريس إلى مدريد في مهمة عمل وكان هو الآخر شبه تائه في المطار، حيث لم تسعفه لغته الفرنسية بالضبط كما لم تسعفني الإنجليزية. بعد نصف ساعة من الشلل الفكري في المطار قررنا الانطلاق نحو وسط المدينة للبحث عن فندق للإقامة.

استطعنا بعد ساعتين من المغامرات أن نحصل على غرفة لا بأس بها في فندق صغير في البلازا مايور في قلب العاصمة الإسبانية. استمررت في الغرفة مع صديقي الفرنسي لمدة ثلاثة أيام قبل أن يفترق كلٌ منا نحو وجهته، هو إلى برشلونة، حيث مجال عمله كمهندس برمجيات، وأنا إلى باداخوث، حيث التدريب في المستشفى. كانت هذه هي بداياتي الصعبة في بلاد الأندلس، والتي لم تختلف كثيرًا مع توقعاتي المسبقة عن إسبانيا والإسبان.

ولكن كما أردد دائمًا فإنه ليس بالضرورة أبدًا أن تشير البدايات إلى النهايات. مكثت في إسبانيا قرابة الشهرين متنقلًا بين مدريد وبرشلونة وفالنسيا وإشبيليه وبلباو؛ مما أتاح لي فرصة هائلة للفهم والتواصل والتعايش مع الشعب الإسباني. في الحقيقة فإن ما مررت به من تحديات ومواقف خلال هذين الشهرين كان سببًا في تغيير وجهة نظري تمامًا في كل ما يتعلق بإسبانيا.

وجدت هناك شعبًا طيبًا كريمًا مضيافًا محبًا للجميع، شعب يعي ويقدر قيمة مصر وعراقة حضارتها الملهمه لكل شعوب العالم. عشت قرابة الشهرين دون أن أشعر بالغربة بين العشرات من الأصدقاء الإسبان الذين أحاطوني بكل معاني اللطف والحب والمودة. مررنا معًا بذكريات لا تنسي وما زلت على الاتصال بالكثير منهم حتى الآن. أفكاري عن كرههم للعرب والمسلمين تغيرت إلى النقيض تمامًا، ما أستطيع أن أؤكده من خلال عشرتي مع الإسبان أنهم يفخرون ويعتزون بتاريخهم الإسلامي والآثار التي خلفها المسلمون في الأندلس لدرجة أنهم كانوا ينتهزون الفرصة تلو الأخرى ليؤكدوا لي أن الحضارة الإسلامية في الأندلس كانت هي الأساس الذي قامت عليها النهضة الفكرية والثقافية في إسبانيا وأوروبا كلها فيما بعد.

تحولت مشاعري السلبية نحو الإسبان إلى شعور متبادل بالحب والتقدير ما زال مستمرًا حتى يومنا هذا، لقد وصلت منذ 20 سنة لنفس الاستنتاج الذي وصل إليه الإمام علي بن أبي طالب منذ 1400 عام: الناس أعداء ما جهلوا، إن الجذور الأساسية لغالبية الصراعات الدينية والطائفية والحضارية تنجم في الأساس عن نقص حاد في المعرفة والاستيعاب للطرف الآخر. إنني أستطيع أن أزعم بأريحية شديدة أن توافر القدر الكافي من التفهم والتقدير بين الشعوب كان من الممكن أن يجنب الإنسانية الكثير من الويلات والمآسي التي لم تكن لتحدث لو أن كل الأطراف قد قامت بواجبها الصحيح في البحث عما يجمعنا بدلًا عن التفتيش عن الفروق الهامشية بيننا كبشر.

قلتها مرة لأحد أصدقائي الإسبان وأقولها ثانية؛ إذا كانت السياسة هي الحاكم في العلاقات بين الدول والأنظمة فإن مجال العلاقات بين الشعوب يجب أن يخضع فقط لأحكام الحب والتقدير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد