كلما جادلتني أمي في أمرٍ شخصيٍ ما، فلا تجد مني طاعة –وما أكثر عصياني- أجدها تنظر لي إما غاضبة أو يائسة، مصحوبة تلك النظرة بكلمة واحدة، «أنت حر!».

ليست الأم وحدها من تقولها، ولا الآباء والأقارب والناصحون فحسب، بل يقولها لك رئيسك المباشر في العمل، تقولها لك حكومتك، ويقولها لك النظام العالمي بأكمله.

في الحقيقة «أنت حر» هنا تعني أنك لست حرًّا بالمرة! بل تعني إما أن تطيع، وإما أن تتأهب للخسائر التي ستحل عليك، لأنك بالطبع ستخسر وستندم لعدم اتباع آرائي السديدة. تعني أنني غاضب منك لأنك لا تريد أن تسير في الطريق الصحيح الأوحد في هذا الكون، الذي أنصحك به.
إن أردنا أن نكون محقين، فيجب أن يكون منطوق هذا القول الدارج: «أنت حر.. وستندم». ذلك يجعل المنطوق أكثر ملائمة للمقصود.

بخلاف ما سبق، فإن الحقيقة المُحزنة أن فرصك في أن تكون حرًّا بالفعل في هذه الحياة تكاد تكون ضئيلة. فأنت لست سوى مجموعة المعتقدات والقيم والأفكار التي رسخّتها البيئة من حولك.

فعلى سبيل المثال المسلم المتدين شديد الالتزام بالنَّص، والذي قد يرى كُفرًا في أصحاب الرسالات الأخرى –لأنهم من وجهة نظر دينه يُحرِّفون دينهم-، مثل هذا الرجل لو كان قد نشأ لأسرة مسيحية، وكان يذهب يستمع إلى الترانيم والوعظ في الكنيسة، وهو في السابعة من عمره بدلًا من أن يذهب إلى المسجد ليحفظ القرآن، لكان سينشأ مسيحيًّا متدينًا شديد الالتزام بالنَّص، وربما كان كذلك سيرى كُفرًا في أصحاب الرسالات الأخرى -لأنهم من وجهة نظر دينه لا يؤمنون بالمسيح مُخلِّصًا- أيضًا. والعكس كذلك صحيح.

كمَثَل السيرة في الأديان تسير الأمور في كل مواضعها، بدءًا من التقاليد الاجتماعية، نهاية بالفريق الذي تسانده في كرة القدم.
أنت تؤمن أولًا، ثم تشرع في أن «تُمنطق» إيمانك، تبحث عن الحجج والدلائل، التفسيرات والتبريرات المُقنعة. فحتى اللص الذي يسرق الناس ويفطر قلوبهم لديه منطق فيما يفعل، ولربما خلا إلى نفسه مرارًا وتكرارًا، وقال إنه ينتقم من هذا المجتمع غير السوي الذي لفظه إلى خارجه، وأنه يسرقك ليحقق ميزان العدل بين الغني والفقير، وأنه لا يفعل شيئًا شاذًا بدليل أن الحكومة تسرقك يوميًّا «عيني عينك»! وأن الله يسّر له الرزق في جيوب الآخرين، بدليل أنه يسعَ إلى رزقه كل يوم، ويبذل الجهد وتُكتم أنفاسه في عمله الشاق هذا يومًا تلو اليوم!

هذا منطق فاسد، وتلك تبريرات غير مقبولة، لكنها قد تبدو مقنعة! مقنعة لمعشر اللصوص على أسوأ تقدير.

قد يكون النظر للأمور من هذا الاتجاه أمر جد الخطورة، لأن الإيمان بالقيم والمعتقدات هي الثوابت التي نستند إليها في حياتنا، فليس المطلوب أبدًا أن يمسك كل منا بمعول ليهدم ما عاش تحت تأثير الاعتقاد به لسنوات وسنوات.

إنما كل ما أردنا قوله إن كل المشكلات التي تحدث في الحياة بكل مستوياتها إنما هي ذات أصل واحد، وهو أن الحياة لعبة جماعية، يريد كل منّا أن يلعبها بمفرده! والمعاناة هو مقدار الفارق بين ما أريد للعالم أن يكون، وبين ما هو كائن بالفعل، فلو تركت العالم يسير وشأنه؛ ستنتهي معاناتك.
لكنك تحلم لو أن هذا العالم يدور في فلكه على النغمة التي تهواها. لو أن كل الناس يفهمونني، يتطبّعون بطباعي. لو أن العالم يمتلك أفكاري وما أعتقد وأؤمن، لو استمع الناس إليّ وأدركوا ما أدرك!

كل منّا يريد أن يسير الكون كما يهوى، والأهواء متباينة! والحياة متمردة قد لا تحب أن تسير على أي من الأهواء تمامًا، والنتيجة أنّ أحدًا لا يرضى في تلك الدنيا.

فالحقيقة أنك حر فيما تمتلكه، فيما يخصك، بشرط أن تمتلك الجرأة الكافية لتمارس حريتك تلك، أن تشك وتفكر وتعطي الآخرين الحرية الكاملة للاختلاف عنك، وأن تحترم هذا الاختلاف وتحبه!
أما لو تملّكك التعصب لفكرتك واعتقادك، فلا تسمح للآخرين بأن يكونوا كذلك أحرارًا، فأنت عبد لما تعتقد، فأنت حينئذ لست حرًّا على الإطلاق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد