لقد خلقنا في هذه الحياة درجات؛ لذلك ليس هناك من هو متكامل أي يتوفر على كل الميزات والصفات النبيلة، كل له نواقصه الخاصة، كل له فراغات يحاول ملئها ما أمكن، وبما أننا نحن البشر طماعون في طبعنا، فدائمًا ما نسعى إلى المزيد، دائمًا ما نبحث عن الكمال ونريد المثالية. هو شيء عادي جدًّا أن تفكر هكذا فهذا نوع من التطور فعلى الأقل ها أنت تحاول فعل شيء ما بدل انتظارك تغير الأشياء وحدها، لكن هل يمكن أحيانًا السعي إلى الكمال أن يفقدنا بعض النعم؟

ربما نعم، وربما لا، فعلى أي التغيير شيء جميل، جميعنا نحب أن نغير في أنفسنا أشياء ما، نريد دائمًا أن نكون في حالة أفضل وأحسن. فكل من أراد بداية صفحة جديدة في حياته، يبدأ بالتغيير، يحاول تغيير كل العادات التي تزعجه أو التي يراها تعرقل إنتاجيته وتقدمه، وهناك من لا يريد التغيير وإنما يفضل الكمال، بدلًا من محاولته تغيير نفسه شيئًا فشيئًا، مرحلة وراء أخرى، هو يفضل أن يكون متكاملًا ومثاليًّا من كل الجوانب وفي وقت وجيز، ومهما كلفه ذلك، وهذا أمر غير ممكن أبدًا لأن جماليتنا تكمن في عدم تكاملنا، فلنفترض مثلًا إن كان الجميع متكاملًا لن يبقى إذن للحياة أي طعم، لن تضطر حينها للبحث عن صديق أو شريك ليكملك أو تكمله، إذن هل يمكن لمخاطرة كهذه (السعي إلى الكمال) أن تصل بنا إلى ما هو أجمل؟ أم أنها ستؤول بنا إلى ما هو أسوأ؟

عدم رضاك بنفسك، قدراتك، مظهرك… قد يؤدي بك إلى التضحية بالنعم التي وهبها لك الله سبحانه وتعالى ومحاولتك لتغييرها، وربما لفقدانها، فعلى سبيل المثال، أصبحنا نرى العديد من الأشخاص يقومون بعمليات تجميلية، فهناك من يحظى بما كان يتمناه من جمال، لكن هناك من ينتهي به الأمر بتشوه عظيم فيتمنى عودته لحالته الطبيعية، ليكتشف أخيرًا أنها كانت نعمة ربانية إلا أنه لم يحافظ عليها للأسف. ومثال آخر، لكل منا صفة معينة لا يحبها في نفسه ويحاول دائمًا التخلص منها بهدف التغيير، إلا أنه بعد عناء طويل وفقدانها قد يلاحظ أنه لم يصبح محبوبًا كما كان أو أنه أصبح غريبًا نوعًا ما، يمكن أن يظهر متصنعًا أثناء محاولته لاستبدال مكان تلك الصفة بأخرى، فيمكن لهذه الميزة الوحيدة أن تلعب دورًا مهمًّا في شخصيته، يمكن أن تكون هي سر جاذبيته، أو سر محبة الناس له. فأحيانًا نملك بعض الصفات الفطرية غير القابلة للتغيير، مهما حاولنا لا جدوى، من هنا يمكن أن نستنتج بكل بساطة أن عبارة «السعي إلى الكمال يفقد النعم» واردة وصحيحة أحيانًا.

لهذا كن على يقين أنك جميل بما تملك وبما لا تملك؛ لأن عدم تملكك لذلك الشيء هو ما يزيدك جمالًا، فأحيانًا ذلك الشيء الذي تظن أنك إن حصلت عليه ستصبح أفضل مما أنت عليه، قد لا يليق بك أبدًا كما كان يليق بك في البداية، قبل أن تقرر تغييره، قد لا يعجبك لاحقًا. إذن احمد ربك على كل ما لديك، فربما هناك من يتمنى ولو القليل منه. دع إيمانك بفكرة أن كل ما أعطانا الله، عز وجل، إلا وله جمالية معينة فالله سبحانه وتعالى جميل يحب الجمال، أليست هذه العبارة كافية لتصديقك ذلك.

وفي النهاية أريدك أن تثق بنفسك ثم بنفسك ثم بنفسك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد