قصة مستوحاة من الواقع…

أغمضت عيني وأنا أردد (حي حي.. حي حي)؛ فأظلم المكان من حولي فجأة، ثم برز من زاوية الغرفة شعاع خافت، أخذ يكبر ويكبر ويكبر؛ حتى أضاء كل المكان؛ فوجدتني في حديقة ليست كأية حديقة، فيها من الطيور والأزهار والأشجار ما لا يشبه الطبيعة المألوفة. كنت مندهشة إلى حد كبير؛ أتراني وصلت أخيرًا حيث المراد؟ جلست أستمتع بالمنظر الخلاب فتفتحت في السماء بابًا، انطلق منه شعاع كاد يفقدني بصري، فصرخت مبتهجة: إنه هو، إنه هو.

هكذا تخيلت الوصول، أو لنقل هكذا خيل إلي، أو ربما هكذا تمنيت أن يكون وصولي للحقيقة حتى يطمئن قلبي وأتمتع باليقين، لكن بين الحقيقة والخيال، خيبة أمل؛ لأن الخيال يبقى محض خيال.

لذلك جئتكم اليوم من قلب المحيط بالخبر اليقين، لن تضاء الغرفة، ولن تفتح بابًا في السماء، ولن تظهر الملائكة، ولن تكلمكم كي تشعروا بالأمان.

أدرك أنكم تعلمون ذلك، وأنا أيضًا كنت أعلمه، لكن العلم بالشيء لا يجعلك مقتنعًا به، ولا مدركًا لحقيقته، إذ إن في لحظة الضعف حيث تفقد الثقة في نفسك، في قناعاتك، في حواسك، ومن حولك، تبحث حينها فقط عن ملاذ آمن، عن من يحملك ويطمئنك ويرشدك إلى الطريق السالك.

مثلكم أنا، تساءلت يومًا عن الله، أين يوجد؟ ولماذا خلقنا إن كان مستغنيًا عن عبادتنا له؟ ولماذا سيميتنا بعد أن أحيانا؟ لماذا سيحاسبنا إن كان يعلم مسبقًا الصالح منا والطالح؟ لماذا يجعل منا الأخيار ومنا الأشرار؟ لماذا الدين؟ ولماذا الإسلام؟ ولماذا إن كان الحق معنا نحن متخلفون؟ تساءلت إن كان الدين حاجة أم حقيقة أم ضعفًا يمكن أن ينفيه العلم. أسئلة وأخرى لا يمل عقلي من التفكير فيها. وأنا ابنة السادسة عشرة، كنت أتجاهلها حينًا، وحينًا آخر أسأل والداي. فما كنت أجد لها إلا جوابًا واحدًا، لا تتركي الشيطان يتسلل إلى عقلك، اطرديه بالذكر.

هل أخبركم بشيء؟ إنه جواب مخدر، ينسيك غاية السؤال، وكأنه يجيبك بشكل غير مباشر: لا جواب عن أسئلتك. فقط عندما يكتشف العقل خدعة الجواب، تبدأ رحلة الانتفاض، انتفاض على المبادئ والمعتقد والدين والعادات، وأي شكل من أشكال الأوامر أو النواهي.

قصتي ليست فريدة من نوعها؛ لأنني رأيت عددًا من الشباب الذين يعيشون نفس التجربة باختلافات بسيطة، لكن معظم القصص بدأت بنفس السؤال، سؤال حول الوجود، لم نجد له جوابًا يريح عقولنا التائهة. إنها قصص الباحثين عن الحقيقة، ليست كل القصص لها نهايات سعيدة طبعًا، فقد فقدنا أشخاصًا، وتركنا أشخاصًا يصارعون أمواج الشكوك، في حين استسلم البعض في منتصف الطريق، والقليلين وصلوا إلى بر الأمان.

في رحلة البحث عن الحقيقة، أنت لا تدرك حقًا متى ركبت، مع من ركبت، وأي المراكب امتطيت، وهل تزودت بمؤونة تكفيك للرحلة، أو بمعطف نجاة؟ تركب دون سابق إنذار حتى تجد نفسك وسط المحيط. لا فكرة لديك عن أحوال الطقس، ولا عن موعد الوصول، ولا عن المحطات التي ستدخلها لترتاح وتتزود بما تحتاجه، يكون فيك من العناد والتهور ما يكفي ليلغي كل أحاسيس الخوف وأخذ الحيطة، لكن أحقًا كنا نملك من الشجاعة والصبر والمعدات ما يكفي لرحلة عنيفة كهذه؟

قصتي يا سادة لن أرويها لكم كي أثبت صحة قناعاتي التي أومن بها اليوم؛ لأن ما يمكن أن يوصلني للحقيقة قد لا يوصل غيري إليها بالضرورة، إنما كل منا خلال رحلته سيجد من بين آلاف الشهب التي تخترقه، تلك الشعلة التي ستضيء ظلمته وتدفئ قلبه وتنير عقله بنور الحقيقة.

إنما قصتي دعوة للاستعداد قبل الإبحار، الاستعداد لمواجهة تلاطم الأمواج، وهبوب الرياح والعواصف التي ترافق الشك، الاستعداد للغوص في أعماق المحيط، حيث تتجلى الحقيقة، الاستعداد للتخلي عن كل تلك الأشياء التي أحببتها يومًا والتي قد تثقل قاربك، فقط من أجل النجاة.

لماذا كل هذا العناء؟ لأن الحقيقة هي السبيل الوحيد لعلاج الحيرة والشك، ولأن الحقيقة هي هدف الوجود، ولأنه لا معنى للحياة دون حقيقة، ولأن للوصول – رغم تعب السفر – طعم مميز، ذلك الطعم الذي سماه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بحلاوة الإيمان.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد