في أستراليا يتم إطلاق الرصاص على الإبل وبغطاء قانوني، إذ تعتبر الإبل مشكلة بيئية واقتصادية وثقافية للبيئة الأسترالية. تخيل أن ترصد الحكومة الأسترالية تسعة ملايين دولار لقتل الإبل! في أستراليا تُعامل الإبل معاملة الكلاب الضالة، بل قد جوزيت جزاء سنمار. فالإبل قد وفدت للمرة الأولى لأستراليا في أواخر القرن الثامن عشر قادمةً من باكستان، وتم تسخير الإبل لنقل المعدات والبضائع ولرحلات مكتشفي القارة الأسترالية، فلما ظهرت الشاحنات أضحى استخدام الإبل لا طائل منه؛ مما حدا بالرعاة تسريح الإبل لتهيم في البرية. ترتب على ما سبق زيادة أعداد الإبل لتصل إلى مليوني رأس، وهي ثروة حيوانية تقتضي الانتفاع بها، بيد أن الحكومة الأسترالية حبذت إطلاق الرصاص على هذه الحيوانات.

تخيل أن دولة بحجم استراليا يوجد بها مقصب وحيد لذبح وتجهيز لحوم الإبل!! تخيل لو أن بعضًا من الشباب الطموح استثمر هذه المعلومات في خلق فرصة ما؛ ليفتح من خلالها باب رزقٍ لعددٍ لا بأس به من الشباب. إن فرص النجاح موجودة ومتاحة، ولكنها تتطلب أن يخرج المرء من دائرة الراحة، وأن يبذل المجهود ويتجشم العناء ليحقق ما يصبو إليه. ليس عليك أن تنتظر خطاب القوى العاملة على ما جرت عليه العادة قديمًا، وليس عليك انتظار أن تدق الفرص بابك، عليك أن تسعى للفرصة وأن تعرض مهاراتك وملكاتك لتجد لك مكانًا في قائمة الناجحين. عليك إن لم تجد الفرصة أن تقوم بخلق الفرصة، هذا سر يتفوق به البعض؛ إنها مهارة صناعة الفرصة. فإذا سألت نفسك ما الفرق بين بيع الفرصة وتسويق الفرصة؟! لوجدت أن البيع يكون محدودًا بقدرةٍ ما أو سلعةٍ ما متوافرة لدى البائع ويتحرك في إطارها فكأنها تتحكم فيه ولا يتحكم فيها، ويظل يحاول الترويج لها حتى يبيعها أو إن شئت فقل يتخلص منها. يختلف التسويق عن البيع في أنه يتيح للمرء التحرك بأريحية وهدوء أعصاب؛ فتراه يقوم بدراسة السوق والتعرف على احتياجات العملاء مما يؤدي لاكتشاف فرصة ما يتحرق العملاء شوقًا لها وبحثًا عنها، ثم ينطلق من هذه الركيزة ليقوم بصناعة الفرصة، هذه الفرصة تكون مسلكه الذي يأخذ بيده للنجاح.

يمتلك الكثيرون مواهب وقدراتٍ فذة، ولكن الواقع الذي نحياه اليوم في العالم العربي يدفع البعض منهم للنظرة التشاؤمية وربما يرى أن تحقيق موهبته أو قدراته يتطلب معجزةً ليس إلا. هذا الفهم المغلوط يستلزم من هؤلاء ألا ينجرفوا مع تيار السوداوية والظلامية التي ينادي بها البعض ويعزفون على وترها ويرمون عن قوسها، فالناجحون والعظماء في كل وقتٍ قد قوبلوا بتحدياتٍ جِسام، كان الواحد منهم في طوقه أن يعلن فراره وأن يتنكب الطريق، ولكنهم أدركوا أن التهديدات والمخاطر التي يتعرضون لها لن تثني عزمهم عن المُضي قُدُمًا في تحقيق أحلامهم وأهدافهم مالم يتسرب اليأس إلى أفئدتهم. كان من تبعات ذلك أن طرد هؤلاء الناجحون من قاموسهم كلمات اليأس والوهن وأطلقوا على التبريرات والملاسنات الرصاص حتى لا يشغلهم عن متابعة أهدافهم. فهم الناجحون أن بمقدورهم صناعة الفرصة التي تضمن لهم تحقيق نجاحهم الشخصي والمجتمعي، بل الإنساني إذا ما توقفوا عن التبرم وتوزيع التبريرات العقيمة على من حولهم، فأخذوا على عاتقهم الإيمان بالمسؤولية وأغلقوا أفواههم حتى لا يستنفدوا طاقتهم في الرد على النقد اللاذع الذي طالهم، وفي ذات الوقت لم يرفعوا أعينهم عن أهدافهم وتابعوا السير في اتجاهها، دون أن ينزلقوا في مساراتٍ فرعية قد تأخذهم بعيدًا عن مرادهم المنشود.

يقع بعض الشباب في فخ اليأس لقراءتهم للواقع المرير الذي نعيشه، ولكن التأني في تناول الأحداث يؤكد أنه إذا ضاق الأمر اتسع، وأن النصر مع الصبر وأن عاقبة الصبر الجميلِ جميلةٌ، ولذلك يتعين على هؤلاء أن يتمسكوا بالأمل وأن يواصلوا العمل. أحيانًا يكون اليأس من منظور البعض له مبرراته، وكم طوى اليأسُ نفوسًا لو رعت منبتًا خصبًا لكانت جوهرًا، إلا أن اليأس لا يقوى على النيل من قلوبٍ قد تعلقت بربها بصدقٍ ويقين. ولربما يسيطر اليأس ولو للحظات على قلوب الصادقين، لكنه لا يلبث أن ينقشع سريعًا، وقد صدق ربنا: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ.

وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فقد رمى بعض الصحابة بأسلحتهم يومَ أحد حينما سمعوا بإشاعةِ موت المصطفى واستسلموا للموتِ؛ تملَّكَهُم يأسٌ لحظي فمرَّ عليهم أنسُ بن النضر فسألهم: ما يُجْلِسُكُم؟!! قالوا: مات رسول الله! فما نصنعُ بالحياة من بعدِه! فقال أنس: قوموا! فموتوا على مات عليه رسول الله. هنا أنس بن النضر بكلماته النيرات استطاع أن يستل خيط اليأس الذي أوشكَ أن يقضي على هؤلاء الكرام، ثم قدَّم لهم نموذجًا في الإقدام على الهدف المراد دون التفاتٍ أو تلكؤٍ يفتُّ العزيمة الصادقة، فأقبل حتى وجدوه مضرجًا بدمائه وقد طُعِنَ سبعين طعنةً في سبيل الحق.

النصيحة التي أقدِّمها لك عزيزي القارئ هي ألَّا تجعل من العوائق المؤقتة عائقًا مستديمًا، اجتهد في استثمار موهبتك قدر استطاعتك، فالموهبة والهواية بالمران والتدريب المستمرين تصبحان حرفةً قد يجني المرء منها ثرواتٍ طائلة ماديةً كانت أو معنوية. ويجدر بمن يملك موهبةً أو مهارةً ما أن يصنع فرصته بنفسه، وألَّا ينتظر السفينة فهي لا تجري على اليبس، وأن يتحصن ضد اليأس بقراءة سير العظماء والناجحين، وألَّا ينال النقد السلبي من عزيمته مع حرصه على استشارة المخلصين ممن يساعدونه على تصحيح مساره إن تنكب الطريق الرشيد، تمامًا كما صححَ أنسُ بن النضر دربَ الصحابة الكبار بكلماتٍ صادقةٍ ومهذبة في ذات الوقت.

إن من يملك موهبةً أو موردًا اقتصاديًا ثم لا يُحسِنُ استثماره والانتفاع به؛ لحقيقٌ أن يكون في عِدادِ الحمقى والضائعين. لا تتوهم أن إطلاق الرصاص على الإبل يعدُ مزيةً لاستراليا؛ بل إنه يكشف لك عن حقيقة خلط الأوراق بين التغني بحقوق الحيوان التي صدعوا بها أدمغتنا وبين الحقيقة المرة. ذكرني ذلك بقول أديب إسحاق: قتلُ امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر ** وقتلُ شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر)، فلا تنخدع بالأقوال أو التصريحات البراقة اللامعة، بل ضع التنفيذ موضع عنايتك واهتمامك، فإن تباين قولُ الشخص وفعله فعليك التعويل على الفعل؛ لأنه أبقى وأشد أثرًا. كان يجدر بأستراليا أن توفِّر البروتين لمن يتضورون جوعًا في مشارق الأرض ومغاربها من خلال ذبح الإبل، ولن يكون ذلك مجانيًا، وهو ما يمثل عائدًا اقتصاديًا كبيرًا إن أُحسِن التعامل معه. توافر الإبل في أستراليا للصورة التي تستدعي إطلاق الرصاص عليها بغطاء قانوني، يمكن اعتباره فرصة لم يتم التعامل معها بحكمة، وكذلك أنت صديقي القارئ كم تملك من المهارات والمواهب والملكات التي لم تستثمرها، وربما تغضُ الطرف عنها طواعيةً، إما لأنك لا تقتنع بجدواها، أو لأنكَ آثرت القبوع في دائرة الراحة.

صديقي العزيز! أثق في قدراتك، وأعلم يقينًا أنك شخص متفردٌ وتمتلك من القدرات التي يمكنك أن تخدم بها مجتمعِك وأمتِك، ولذلك أهيب بك أن تصنع الفرصة التي قد تنتَشِلُ بها الكثيرين من براثن الضياع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد