مضى قرابة العامين على حكم السيسي لمصر، جاء بثورةٍ أو انقلاب، فاز بانتخابٍ أو باستفتاءٍ على نفسه، يرفضه الشعب أو يقبله، يصلح لهذا المنصب أم لا، في النهاية هو في أعين العالم الخارجي ـ على الأقل ـ رئيس لمصر، حتى وإن كان هذا العالم، الذي يعترف به، يُعامله بإزدراءٍ، وتجاهل يظهران بوضوح في معظم لقاءاته المنقولة على الهواء مباشرة، لكن، دعك من كل هذا، وانظر إلى ما يفعله وزراؤه واضحك؛ اضحك لأن الأمر يستحق أن تفعل.

السيسي عيّن خلال حكمه رئيس وزراء، كانا يبدآن حكمهما بتعديل وزاري، يصل إلى عشر أو خمسة عشر وزير، فيما تبقى باقي الحقائب ثابتة، عدا ذلك، لا تحدث غالبًا أي تعديلاتٍ وزارية بعد مباشرة الحكومة عملها، ويبقى الوضع على ما هو عليه، إلى أن يأتي وزير، ويقول بطريقةٍ ما أنه لا يُريد الاستمرار في منصبه، المضحك في الأمر هي الطريقة التي يُنهي بها هذا الوزير عمله.

وزير العدل غير العادل

«محفوظ صابر»، وزير العدل في مايو (أيار)  2015، كان أول من ابتدع طرقًا جديدة في الرحيل؛ فالرجل الذي لا يستطيع رئيسه أن يُحاكمه بتهمة الفساد، الذي من المؤكد تورطه فيه، إن تم البحث خلفه، ولا يستطيع الشعب مطالبته بالرحيل لأي سببٍ كان، نام واستيقظ ذات يومٍ وقال في إحدى الحوارات المتلفزة «ابن عامل النظافة لا يصلح أن يكون قاضيًا».

هز حديثه بركة الضمير الراكدة، ولم تمض أكثر من أربعة وعشرين ساعة على تصريحاته تلك حتى تمت إقالته، أو استقالته المصحوبة بالاعتذار كما تم الإعلان بعدها، ومنها مباشرة إلى صفحة التاريخ الأسود، حيث سيتم نعته بالوزير العنصري الذي فرّق بين أبناء الشعب الواحد، والأحمق الذي لم يرحل بثورة شعبٍ، وفعل بهفوةٍ طائشة.

السائرون على درب الحماقة

بعدها بعام كان الزند، وزير العدل التالي، على موعدٍ مع نفس الحماقة، حيث كان أول من انتهج نهج محفوظ صابر، وسقط على يده وبلسانه، وكأن وزارة العدل تُطبق العدل فعلًا، وكأن العدل الإلهي يتمثل في أبهى صِوره.

فبالطبع لا يُنكر عاقل ضلوع «الزند» في الكثير من قضايا القضاء الشائكة واتهامه في العديد من الأمور المتعلقة بنادي القضاة التي تحوم حوله الكثير من الشكوك، لكن مع ذلك لم يجرؤ أحد على مُحاكمنته أو توقيفه أو تنحيته عن منصبه، وحده الزند كان بإمكانه فعل ذلك حين خذله لسانه في إحدى اللقاءات التلفزيونية ليقول «لو النبي بنفسه أخطأ سأسجنه»، وكان من المستحيل أن يستمر في منصبه بعد استثارته بهذا التصريح لمشاعر المسلمين، لتتم الإطاحة به ويلحق بصديقه محفوظ صابر، ويُسافر إلى الإمارات ليُكفر عن ذنبه هناك، حيثُ يكون الحج كما يدعي رئيس الوزراء الأسبق شفيق.

آخر أوراق شجرة الحماقة

وزير المالية السابق «خالد حنفي» أكمل عقد البلهاء الثلاثة مطلع الشهر الماضي؛ حين تبختر بمكوثه في فندق سميراميس خلال فترة حكمه التي لم تتجاوز العامين بتكلفة تجاوز السبعة ملايين جنيه، وهو ما يُعادل كلفة أطنان من السكر تكفي مُحافظة بأكملها، بالتأكيد هو يفعل ذلك وأكثر منذ توليه منصبه، لكن ما حدث أنه عندما أراد سببًا مُقنعًا للرحيل لم يجد أسهل من إعلان روتينه اليومي على الملأ، سبعة ملايين لإقامته في فندق، ومثلهم لتنقلاته، وضعفهم تُنفقه أسرته، كل هذا يفعله وزير واحد، مهمته الأولى هي تجاوز الضائقة المالية للبلاد.

هؤلاء الثلاثة لم يكن أحد ليجرؤ أحد على الإطاحة بهم مهما حاول ذلك، حتى رئيسهم نفسه، لم يكن يستطيع إقالتهم بتهمة الفساد التي لا يسلم منها أي فردٍ في جهةٍ سيادية، لكنهم فعلوا ذلك بحمقٍ وجهل، وكأنهم لا يُريدون الاستمرار في مناصبهم، حتى إن لسان حال الشعب والحكومة كان «أنلزمكموها وأنتم لها كارهون»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

لها, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد