نحن نعتقد بشكل جازم أن نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، لم يخالف أوامر الله مطلقًا، وكان يطبق الأحكام الشرعية بدقة ولهذا كانت سُنّته مكملة ومفسرة لآيات القرآن الكريم، وفي هذه الآية 56 من سورة القصص يخاطب الله تعالى نبيه الأكرم بأنك لا تهدي من أحببت، وقبل أن نعرف ما يقوله المفسرون علينا معرفة ما المقصود بـ(أحببت) و(تهدي).

المعنى الأول

إن كان الله تعالى يخاطب نبيه ويقول له يا محمد إنك لا تهدي الذين تحبهم وتتودد إليهم وكيف لك ذلك والأمر عائد لله ومشيئته في هدايتهم؟ وهنا وعند هذا المعنى سنقف على نقطة مهمة، وهذه النقطة ستحدد من المقصود في هذا الإطار، فهل الهداية هنا لغير المسلمين من المشركين والكفار أم للمسلمين؟

إن كانت الهداية هنا تخص الكفار والمشركين فهم حسب واقع الحال أعداء لله، والله لا يريد للمؤمنين به أن يودوهم أو يوالوهم فكيف يرضى لهم أن يحبونهم؟ وكيف للنبي أن يخالف أمز الله ويدخل في قلبه حب عدوٍ لله؟ بل وكيف يتسع قلبه لحب أعداء الله تعالى وهم يموتون على الضلالة والانحراف؟

ليس من المقبول ولا المعقول أن نظن بنبينا ما يخالف المنطق العقلي بأنه كان كما وصفه تعالى في سورة الفتح آية 29 (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، فالشدة على الكفار بما هم كفار مهما كانت صلة قرابتهم له فهو شديد عليهم، والشدة تعني أن النبي لا يتعاطف معهم ولا يودهم ولا يتقرب إليهم ولا يحبهم لأنه يحب في الله ويبغض في الله.

وبعد أن استبعدنا أن يكون المقصود هم الكفار والمشركين، ولو سلمنا أمرنا وقلنا أن المقصود بالهداية هم المؤمنين فهل في ذلك خطأ؟ بل على العكس تمامًا فسياق الآيات الكريمة تبين أن المقصود بالهداية هم المؤمنين، وهذا واضح في قوله تعالى (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، فالله يهدي من يشاء لأنه أعلم بالمهتدين، بينما لو كان المقصود هم الكفار فلوجدنا في نهاية الآية إشارة إلى أنهم لا يهتدون وأن على قلوبهم أقفال وأن لهم آذان لا يسمعون بها وألبابٌ لا يتفكرون بها وأعين لا يبصرون بها، بل ما يزيد الدليل على أن المقصود به هم المؤمنين الآية اللاحقة حيث يقول تعالى (وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا)، فهم مؤمنون بالله ولكنهم لم يهتدوا إلى الطاعة واكتمال الإيمان ولهذا هم لا ينظرون إلى البعد الآخر من المسألة في استحقاق التضحية في سبيل الله تعالى، بل نظروا بشكل مباشر إلى واقعهم الدنيوي وكيف سيطردون من الأرض ويلاحقون، وهنا يوجد فارق بين من اعتقد بالله إلهًا واحدًا إلا أن إيمانه ضعيف وبين من لا يعتقد بالوحدانية من جذورها.

المعنى الثاني

لو أخدنا احتمال أن المقصود بكلمة أحببت هي وددت أو أردت، فإن معنى الآية سيتغير جذريًا، حيث لا وجود للحب والكره للأفراد الذين يدعوهم إلى الهداية، بل الحب هنا يقتصر على حب الفعل نفسه، بمعنى أن النبي الأكرم كان يحب أن يهدي الناس، وهذه الهداية وحبه لهذا الفعل أصبح يرهقه، لأنه يرجو من هذا الفعل أن يثمر في الآخرين، وهنا الآية تواسيه صلى الله عليه وآله وسلم، حيث يقول له تعالى إنك ورغم حبك لفعل الهداية وانتظارك للنتيجة التي ترجوها إلا أن الهداية هي بمشيئة الواحد الصمد وهو أعلم بالمهتدين.

وهنا يتبين أن الله تعالى يحدد في هذه الآية مهمة نبيه الحبيب في اقتصار الموضوع على أداء واجب الهداية دون انتظار النتائج، فمهمتك يا محمد هي أن تهدي الناس فقط والله هو أعلم بالنوايا وما تخفي الصدور، وهذا واضح في قوله تعالى في الآية 272 من سورة البقرة (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ)، فليس مطلوبًا منك أن تقدم هداية الناس كدليل على أداء المهمة، بل مهمتك تنتهي ببذل المجهود وتحمل إيصال الرسالة إلى الناس.

وعند الرجوع إلى آراء المفسرين وأدلتهم على أن الآية نزلت في أبي طالب، وبعد تتبع المعنى وحسب المعنين اللذين مرا آنفًا، سنجد أن الموضوع يخالف المنطق، لأنه إن كان أبو طالب كافرًا فليس للنبي أن يحبه وأن يتودد إليه، بل كان ليكون عليه شديدًا، وإن كان يراعي آداب العشرة وحسن المساندة التي لقيها من عمه، فهو قد ركن أمر الإسلام وإقامة الدين إلى كافر، فيكون بذلك الإسلام أسس على النفاق، فكيف للإسلام أن يستعين بالكفار من أجل أن يقف على رجليه منتصبًا ورافعًا رأسه بشموخ، وكيف للنبي الخاتم أن يبدأ رسالته بمعونة الكفار وأن يبيت ويأكل ويعيش في بيوتهم؟

من أغرب ما نسمعه هو الإصرار على أن عم النبي الذي سانده مات كافرًا مثل أبويه أيضًا واللذين ماتا كافرين حسب رأيهم، ويتضح من الحديث المنقول في أسباب نزول الآية وجود إشارة إلى أن أبا طالب مات على ملة أبيه عبد المطلب، ويتضح أن حتى عبد المطلب كان كافرًا أيضًا رغم أنه كان حنيفًا على ملة إبراهيم عليه السلام.

إن التضحيات التي قدمها عبد المطلب ورعايته المتميزة لحفيده وما أكمله ابنه أبو طالب من رعاية لابن أخيه اليتيم هو دليل على أن قلوبهم صافية وهم يقدرون التضحية في سبيل الله تعالى، ولهذا انتهى بأبي طالب المطاف واختتم الرحلة الطويلة في الشعاب حيث ضاعت تجارته وأمواله وارتحل في ذلك المكان المحاصر وهو مشغول البال على بقاء محمد وحيدًا بين ذؤبان قريش، فدفع بأبنائه لنصرته والوقوف إلى جانبه، حتى إذا شعر النبي بالغربة بعد وفاة عمه وخذلان الناصر، شدّ الرحال مهاجرًا إلى المدينة بعدما اتفقت قريش على قتله.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد