وصايا العائدين من الموت مباشرة

عزيزي القارئ يُوصف الوجود بأنه القدرة على التفاعل مع الكون أو الواقع، ولكن بما يُوصف بالخيال هو نوع من التفاعل مع الواقع، حيثُ الخيال يكون من جزء موجود وجزء غير موجود، لذلك لا يُعد كل تفاعل مع الكون أو الواقع هو وجودًا بمعنى وجود، لذلك عُرف الوجود بالآتي: الوجود هو قدرة الموجود في التفاعل والظهور في سياق محيطه.

ولكي أكون واضحًا أن قولنا في غرفة رقم واحد بها تامر وحسن وعلى وحسين، هم أشخاص معروفين طبعًا في ثقافتنا العربية كأبطال النوادر والطرائف، أن وضعنا هؤلاء الأربعة في غرفة واحد وسألنا عن مدى وجودهم في أي غرفة أخرى، نقول أن في الغرف الأخرى لا وجود لتامر وحسن وعلى وحسين، بينما نقول لربما هم في الغرفة رقم واحد، وهنا نأتي لمعنى كلمة رُبما هو موجود، وربما ليس موجودًا.

لكي يكون الشيء ليس موجود من وجهة نظرك يعني أمرين، أنه ليس موجودًا كل الوجود بالفعل، مثل التنانين أو الديناصورات أو الأنتخابات النزيهة في الأوطان العربية أو وعد بوتفليقة أنه لن يترشح لفترة رئاسية أخرى، أو هو ليس موجودًا فيما أنت موجود، ولذلك يُعاد أستخدام الأولى بمدى معلوميتك باستحالة وجود غير الموجود ذاك، والثانية إلى احتمالية وجوده بالفعل.

هنا نذهب إلى تعريف الخطأ، الخطأ يُعرف كفعل غير منضبط إلى ضوابطه في أثناء حدوث مجموعة أحداث سابقة له يكون الخطأ هو رد فعل عليها، وأحداث أخرى تابعة له تكون هي نتائج هذا الخطأ.

المُخطئ هو الشخص الذي تلقى الأحداث السابقة للخطأ وقام بالخطأ وتسبب به إلى كل الأحداث التابعة للخطأ.

الضوابط التي تحدد الصحيح والخطأ عديدة، وتعود إلى مصدرية الأخلاق، فهنا نجد الدين والدولة والعقل والأسرة هم الذين يحددون من هم المخطئون ومن هم ليسوا مخطئون، لكن بمصادر مختلفة، الدين يستعين بمصدري الخير والشر، الدولة تستعين بما هو قانوني ويعمل في الصالح العام وما ليس كذلك، والعقل يرجع الأمور حسب ما يدرك، والأسرة تعود إلى موروثاتها، ولأنه يتوجب دائمًا ضابط يعمل على استمرار الضوابط التي يرعاها، فالضباط الذين في هذا السياق هم الشيخ أو القس، الرئيس والوزراء ورجال الدولة من البقية فالبقية، عقل المواطن لا يحتاج ضابط لكونه الضابط بالطبع، وأخيرًا الأب والأم.

عزيزي المواطن العربي، هُنا نعود إلى قراءة عنوان هذا المقال «أنت موجود أنت مُخطئ»، لدينا هنا ثلاثة مواقف قائمة بينك وبين الضوابط، وهي دائمًا تضعك في جهة الشخص المُخطئ ، ومن ثم نذهب إلى ختام المقال مع المثل الرابع الذي يتحدث عن أن الوجود كفيل في كونك مُخطئًا فقط.

كم مرة منذ ولادتك ذهبت إلى دار العبادة في يوم تجمع الناس، كُنت من الذين تذكروا الله في يوم العطلة، واستحضرت خشيته باكرًا فاستقيظت في يوم غير يوم العمل باكرًا وقومت بكل واجباتك تجاه مظهرك وطهارتك ونقائك الخارجي ثم الداخلي، وذهبت إلى دار عبادتك، لتجد كاهنك المصون يتحدث عن الفقراء وكم أنت غني حقير، يصرخ فيك أو يلومك، يتحدث عن أناس موتى لم يعيشوا في زمان مثل زماننا هذا، ويلومك أنت باستمرار، بينما الذين لم يعطوا الفقراء حقيقةً هم نائمون الأن في منازلهم، كم يوم يا عزيزي كُنت تأمل خطبة دينية تبقى في ذهنك لفترة، غير ذلك الصراخ، الحقيقة ألم تلاحظ أنك فقط الموجود في دار العبادة، بينما المذنبون في الخارج، ولكونك انت الموجود ها هنا، يعني انك الوحيد الذي يمكن للشيخ أو القس اعتباره المُخطئ؟ ألم يخطر في بالك لحظة أن الأمر متعلق فقط بأنك الوحيد الذي يراه أثناء ثورته!

مرورًا يا عزيزي بخطاب الرئيس حول البطالة وارتفاع الأسعار وفشله الذي يُعلقه بكل صراحة حول أن المواطنين لا يعاونون الدولة في حل مشاكلهم، كأن صراحةً الأزمة ليست مشاكل هذا الشعب بل إن هذا الشعب موجود في الأصل، تظل دائمًا الدائرة فيما يتعلق بمشاكل الشعوب العربية كالأتي، يشكو الشعب حياته اليومية التي قد سأم منها، ويظهر الإعلام شكواهم، ثم ينهض المسئول العربي عن تلك المشاكل ويقول صراحةً إنه قد سأم هؤلاء الناس، ألا يكفيهم ما فعله من قبل، أن الأزمة لم تكن مشاكل الناس قدر أن هناك ناسًا، وأينما كان هناك ناس هناك مشاكلهم.

وصولًا إلى بيتك، دائمًا ترجع جميع الأزمات المالية ليست في ستائر المنزل ليست في مساحيق الغسيل ليست في خزين المنزل ليست في الوجبات التي يختلسها البالغين فيه من الشارع أثناء ذهابهم أيابهم من أعمالهم، ليست في المدخرات الوهمية في الجمعيات الاجتماعية التي يصنعها الناس فيما بينهم والتي تنهب نصف رواتب الأب والأم، هي حقيقةً ترجع لأن هؤلاء الذين ولدوا ها هنا هم السبب الوحيد، هم الموجودون، ولولاهم لبقى المال كما هو لا يهتز له جفن، رغم أن ورقة وقلم قد تقضي تمامًا على تلك الأزمات، أن حسب ما ينفقه هذا الموجود على نفسه، بينما ما ينفقه الموجود على الأخريين، سنجد أن أغلب الذين يعيشون في المنازل تحت مُسمى طالب يُعال، هو ينفق ثلث المرتب أو نصفه تقريبًا، ولكن نصيبه الشخصي من تلك المسألة هو الفتات، ذلك لأنه ينفق على الدولة لفشلها في توفير التعليم، وينفق البقية في المواصلات العامة.

السؤال الأخير وهو المثل الأخير، ألم تفكر يومًا أن مشاكلك جاءت لأن الدين موجود ؟ أو أنك موجود في بلد مثل مصر؟ أو إن مات أحد والداك ستكون الحياة أفضل؟ ألم تفكر أن الموجودات التي حولك أن ذهب أحدها ستغدو الحياة أفضل، سأدع ذلك لك.

ما أقوله من هذا المقال أننا نعيش في جزء من العالم الشيخ فيه يلوم المصلي الذي أتى له يوم الجمعة على ما يفعله الذي لم يأت، لأن الذي ذهب للصلاة يتذكر الله على الأقل يومًا في الأسبوع بينما البقية لا يعلمون أن كان الله يستحق الذكرى حتى أم لا، أما الرئيس يتعامل معنا أن الأزمة ليست آليته في الحكم، بل المحكوم الذي لا يُطوع نفسه إلى تلك الآلية، الفيل الذي لا يدخل علبة المجوهرات أو الثلاجة، أما الأباء والأمهات حقيقةً يلومون الأبناء على وجودهم كفواتير متحركة، بينما الحقيقة هم «طيارو ديلفري» إلى المعلمين وغيرهم من الجباة، أما عقلك يا عزيزي سأتركه لك كي تشرحه.

إن الحقيقة المُرة أننا نتعامل مع مشاكلنا في هذه الأوطان بطريقة أن الشخص الذي أمامي موجود وأنه مُخطئ طيلة الوقت، بداية من أقل السلطات وهي الأبوة والأمومة، نهاية إلى راعي الدولة ورعاة دور العبادة والطوائف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد