في بادئ الأمر دعونا من تعريف الطرفين مباشرة، شاءت إرادة الله أن يقسم أصحاب القضية أنصافـًا مختلفة، صنف لقي ربه صابرًا محتسبًا وندعو الله أن يتقبله في الشهداء، وصنف مازال قابعًا خلف جدران السجون منذ ما يقارب الثلاث سنوات – وأشرف أني أحد هؤلاء- وصنف ما زال يصدع بالحق لا يخشى في الله لومة لائم!

كثيرًا ما أحببتُ أنْ أُترجم مشاعري إلى كلماتٍ تحمل العِتاب إلى مَنْ أقصدهم، إلى فئةٍ بعينِها يعرفون أنفسهم حق المعرفة ولا يُخطئونها، يعلمون تمامًا تقصيرهم تُجاهنا ولا يُنكرون ذلك.

يا من أقصدهم؛ إنَّه لمن المؤسف لنا أنْ نراكُم وقد أَلِفْتُم غيابَنا، وتعوَّدْتُم على فِراقنا وقلَّ افتقادُكُم لنا، أعلم أنَّكم عندما تقرأون هذه السطور وتتفكَّرون في هذ الكلمات قد تحسبون أنَّا نقسو عليكم، أو حتَّى نُبالِغُ في مشاعرنا، لا والله! ما كُنَّا بالخوَّارين ضِعاف القلوب،  لكن هذا ما يدور بدواخلِ نفوسنا، وتغلي به مَراجِلُ صدورنا، فأحببنا أن نُرِيقَ عليكم دلوًا من بحر مّا نعانيه.

تردَّدْتُ كثيرًا، كثيرًا أنْ أكتبَ وعاتبني قلمي! لكنه انتصر في نهاية المطاف واستطاع –رغم أنفي- أنْ يجعلني أُترجمَ مشاعري لكلماتٍ علَّها تصلُ إلى من أُريد.

في البداية لم تَكُنْ تخلو جملة ولا حديثٍ لشخصٍ ممن أقصدُ إلَّا ويذكر من سكنوا الزنازين دفاعًا عن مبدأ وقضية، لم تُصَمَّ آذانُنا يومًا عن سماع هتافهم: “اثبت اثبت يا بطل سجنك بيحرر وطن”، “مكتوب على جبينك بطل يا ساكن الزنازين” وغيرها مما ينفدُ بحري عن مِدادِ قلمي بخطِّه !

كل هذا الشِّعارات لم تُغادر سمعنا يومًا، ولم تخطئ مشاعرنا نحوها لأنها تخرج من قلوب افتقدتنا، لأننا لم ننْسَ أصحابها ولو للحظةٍ واحدة، لم ننس رفقاء دربنا وسندنا -بعد الله- في مِحنتنا، لم ننس حرارة الميدان ولا لهيب شمسه الحارقة، لم ننس صيْحات الحناجر الحُرَّة ودموع الداعين بالأسحار، لم ننس قناصة الهمج! وما هشَّمت من جماجم وكسَّرت من ضلوع وما أفْقدتنا من فَلَذات أكبادِنا، لم ننس صمود الحرائر ولا هتافات خنساوات مصر وبناتها الطاهرات، كل هذا لم ولن ننساه، وأنَّى لنا ذلك؟!

أما مَنْ أقصدهم فيبدو أنهم في طريقهم للنسيان، وإن كانوا لا يُصَدِّقون كلماتي، ولا يستوعبون ما أكتب، إن كانوا في دهشةٍ من أمرهم، فتفحَّصُوا صفحات تواصلكم، راقبوا أحاديثكم علي مدار الساعات الطِوال، عيشوا مع خلوات أفكاركم لحظات، وعدُّوا مرَّات ذِكْرِنا في أحاديثكم، وبين ثنايا خواطركم، وَسْطَ زحام مشاغلكم، وبعدها ستصدمون، أزعم أنكم ستتمكنون من حصر هذه المرات بسهولة !
وبعد أن يمسَّكم طائف من سكين الذكريات؛ تذكَّروا !بعد أنْ يُلبهكم سوْط هذه الزَّفرات، لمشاعر الألم في قلوبنا، تذكَّروا!

أنَّ مَنْ نَشَرَ مرَّةً ما على صفحته حفلةَ تخرُّجه للسَّنة النهائية من الجامعة؛ فلا ينس أُمًّا لمعتقل أو أُمًّا لشهيد كان يجلسُ إلى جوارك في يوم ما. وأنَّ مَنْ نشر صُورًا لحفلة خطوبته أو عقد قرانه أو صورًا ليوم زواجه فليتأكد أن أختًا لمعتقل أو أخًا لشهيد كان رفيقًا لك قد رآها وعاشا مع الذكرى لحظات قاسيةٍ، أضرمتها نيران – مبالغتك- في فرحك إذ ألومك على الفرح! وأنَّ من نَشَرَ يومًا ما؛ نزهة لأسرته هو وزوجته وأطفاله فليعلم أنَّ ابنًا لمعتقلٍ وزوجةً لشهيدٍ وأُمًّا لمفقودٍ قد رَأوْها وامتلكهم الحزنُ حتى قضى على ما بقيَ منهم!

هلا تذكرتم؛ أن من حقهم -لا أقول أن يفرحوا ويسعدوا ويسلموا مما أصابهم الآن- لكن من حقهم ليس أقل من ألا تنغصوا على ما تبقي من فتات أرواحهم بين الحين والآخر؟! فإن كان من السماحة وحسن الخلق ألا يظهر الجار ما منّ الله به عليه أمام جاره المحروم إلا أن يعطيه، فليس أقل من ذلك بين من تمتع بنعمة الحرية وبين من فقدها، بين من تمتع بحياته وبين من فقدها!

تمتّعوا؛ لكن من غير مغالاة، تزوّجوا؛ لكن من غير إسراف، تنزّهوا؛ لكن من غير تبذير، افعلوا ما يحلو لكم؛ لكن إن الله رحيمٌ يُحبُّ الرُّحَمَاء!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد