يصل إلى صندوق رسائلي الكثير من الأسئلة من نوعية “هل تنصحنا بالسفر للدراسة في تركيا أو بالخارج بوجه عام؟”، أو “هل تشجعنا على السفر للعمل في الخارج؟” إلى آخر تلك الأسئلة، بصفتي طالب مغترب في تركيا قضى قرابة العامين هنا في تركيا إحدى البلاد التي اعتدنا واعتاد الإعلام فيما سبق على اتخاذها كمثال يُحتذى به في كيفية نهوض دولة من القاع إلى النهضة الآخذة في الصعود، والتي تشهدها بلاد الأناضول الآن، وكان ردي في أغلب الأحيان مشجعًا على خطوة السفر، ولكنه كان دومًا مختصرًا، لذا أحببت أن أُفرد له هنا مقالًا لأوضح فيه بالتفصيل عن تشجيعي لكل من يسألني عن خطوة قد تغير مسار حياتك بأكمله، وهو السفر أو الهجرة.

لن أحدثكم هنا عن فوائد السفر في تكوين الشخصية، وفي الإضافة لخبراتك الحياتية، فهو موضوع ضخم لا يسعه هذا المقال، ولكن دعوني في عُجالة أخبّركم أن الكثير منا يخشى فكرة تغيير مسار حياته، فهو كثيرًا ما يحلم بالسفر، ولكن حين تحين لحظة القرار يتراجع بسهولة متمتمًا بكلمات من قبيل: “هنا أفضل على أي حال” ، “لماذا أُلقي بنفسي إلى مصير مجهول؟”، يا صديقي أتفق معك، سُتلقي بنفسك إلى مصير مجهول، وقد تُصيبك المغامرة أيضًا، ولكن المحقق أن الرتابة ستقتلك، فكما يقول جبران: “أنت إنسان، وُجدت كي تعيش الحياة, لا لتعيش نصف حياة!”، لذا أسقط الحواجز يا صديقي وأبحر بعيدًا عن الميناء الآمن، واكتشف حالمًا، لتجد!

 

يقول الشافعي:

سافر تجد عوضًا عما تفارقه … وانصب فإن لذيذ العيش في نصب
إني رأيت وقوف الماء يفسده … إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب
والأسد لولا فراق الأرض ما افترست … والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلك دائمة … لملها الناس من عجم ومن عرب

الغربة صعبة يا صديقي، والابتعاد عن الأهل والأصدقاء والأرض التي اعتدت، والمنزل الذي فيه عشت لهو أمر ليس هينًا على الإطلاق، لكن العيش في ظل عدم وجود حرية لهو أمر بلا شك أصعب بمراحل، والسفر أو الهجرة ليس كما يُقال عنه دومًا بأنه هروب، أستطيع التحدث عن هذا الموضوع بأريحية حيث إنني لا أقع تحت هذا الاتهام نظرًا لتقديمي للدراسة في الجامعة هنا قبل أحداث يونيو أو عدم الاستقرار الذي صاحب البلاد طيلة تلك الفترة, ولهذا فإنني أخبرك أن السفر ليس دومًا يُعد هروبًا، فقد تعتبرها كفترة استراحة محارب، يُعد نفسه ليعود محاربًا بسلاح العلم الذي لن تستطيع قويًّا بدونه في هذا العالم.

ولا داعٍ لذكر تقدم إسرائيل في هذا المجال العلمي لأن الجميع يعرفه، ولكن ما نغفل عن ذكره أن تلك المراكز العلمية في إسرائيل لم تكن لتعمل لولا وجود كوادر تديرها, وتلك الكوادر لم تولد في إسرائيل بالطبع، بل نهلت من العلم في مختلف الأنحاء، وعادت لتخدم مشروعهم القومي اليهودي الذي يعملون من أجله بكل جد وإخلاص, ومن اللطيف هنا أن نذكر أحد تقارير جريدة الأهرام المصرية الذي تحدث عن أزمة هجرة العقول بإيران:

“أثبت تقرير صندوق النقد الدولي هجرة 180 ألف خريج سنويًّا بما يترتب عليه تكبيد إيران خسارة 50 مليار دولار سنويًّا. وأشار التقرير إلى احتلال الجمهورية الإيرانية مركز الصدراة بين مجموعة الدول النامية من حيث ارتفاع نسبة هجرة المثقفين”.

يقول في هذا السياق أيضًا العلامة محمد الغزالي: “إنه بالرغم من أهمية الكثير من الأحداث الإسلامية مثل بداية دعوة الإسلام أو تاريخ أول غزوة أو فتح مكة… إلخ، إلا أنه تم تحديد سنة الهجرة كبداية للتقويم الإسلامي؛ مما يدل على عظمة وأهمية الهجرة في تاريخ الإسلام والمسلمين، وهذا ما وعاه جيدًا جيل المسلمين الأول – خير القرون-، فالهجرة عامة مرحلة موجودة في أي من محاولات الإصلاح، فمرحلة البناء وأخذ هدنة من العداوات الميؤوس منها وتقوية الجسد الذي تهالك بعد تلك الضربات المنهالة عليه، كل ذلك يحتاج إلى هجرة إلى دار جديدة تحتضن تلك الخطوات التي تصبو لاستعادة أي كيان يسعى لإقامة نفسه من جديد”.

“ومن لا يسافر لا يستطيع أن يمتلك رؤية عالمية، فكل ما يراه هو ما موجود أمامه، وهؤلاء لا يستطيعون قبول الأشياء الجديدة لأنهم فقط يعرفون أين يعيشون”. مارتين يان

والآن باختصار فلنلخص في عدة نقاط لماذا يجب أن تسافر – أو بشكل أكثر دقة لماذا أظن أنه يجب عليك أن تفكر في السفر!- سأتحدث هنا عمن هم في المرحلة العمرية للقابلة للدراسة:

1- الدراسة في الخارج تعطي لك مناخًا أفضل للحياة والتعليم.

2- حتى وإن تقدمت أفضل جامعات مصر كجامعة القاهرة في ترتيب الجامعات على الكثير من الجامعات في مختلف دول العالم, إلا أن الكثير من تلك الجامعات لديها إمكانات أفضل كثيرًا تشجعك على التعليم والإنتاج بشكل أفضل.

3- المناهج التي تُدرس في الكثير من الجامعات هنا كما رأيت مقارنة بما رأيت في مصر أكثر تقدمًا وقربًا للتقدمات العلمية الحادثة.

4- الجامعات التركية – على سبيل المثال بحكم إقامتي بتركيا- تعتبر بوابة دخول أسهل لأوروبا مما إن كنت في مصر, فتعترف بها الكثير من الدول الأوروبية، ولا حاجة إلى عمل معادلة لتقوم بتحضير الدراسات العليا فيما بعد مثلًا.

 

5- ليس كما هو شائع عند الكثير, التعليم في الكثير من الدول الأوروبية رخيص وتظل المشكلة فقط هي في تكاليف الحياة، وهذا يمكن تعويضه بالعمل بجانب الدراسة أو البحث عن منح التفوق.

6- توافر الكثير من الفرص التي لن تتوفر لك حين دراستك بمصر، مثل المشاركة في المؤتمرات والندوات والبرامج الدولية، على سبيل المثال لا الحصر برنامج الأراسموس.

انطلقنا سريعًا من “لماذا” إلى “كيف”، وسأورد هنا عدة روابط لمقالات ومواضيع مهمة خاصة بذلك الشأن:

الرابط الأول هو دليل المنح الدراسية، وهو مقال نُشر من قبل على ساسة بوست،

الرابط الثاني هو مقال كتبته فيما سبق على صفحتي بالفيسبوك وبه تفاصيل عن المنح التركية:

وهذا منشور أيضًا يحكي فيه بعض المقبولين بالمنح التركية عن سبب قبولهم – من وجهة نظرهم- في المنحة
وهذا منشور أيضا نشره الأستاذ عبد الله أمير على صفحته على الفيسبوك، وأحببت أن أشارككم به لما فيه من الفائدة :
وفي الختام أتمني لك التوفيق يا صديقي في رحلة البحث عن ذاتك، وأين يجب أن تكون, فإنك لن تجد ذاتك إلا في المكان الذي يجب أن تكون فيه.

أنتظر هنا تعليقاتكم وأسئلتكم، وسأقوم إن شاء الله بالرد عليها قدر ما استطعت وعلمت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد