ينظر بعضنا إلى بركان خامل على شاشة التلفاز أو الهاتف، فيمر عليه مرور الكرام، أو يستعيذ آخر بالله تعالى من حر جهنم، ثم يتدبر أصحاب العقول الذين يشاهدون الحدث قائلين: يا الله! نحن لا نقوى على تحمل روية المشهد من بعيد ومن خلال شاشات، فكيف بمن هم في قلب الحدث هناك، على مقربة من فوهة البركان لينقلوا لنا تلك الصورة؟ يسمعون صوت نيرانه ويحسون بلفحها، وهم الذين معهم ما معهم من أجهزة تساعدهم على معادلة الهواء لدقائق في النقطة التي يقفون فيها.. فما بالنا ببركان نشط من خصائص نيرانه أنها تسخن ماء البحر وتشعل النار على سطحه!

ربما يكون هذا مثالًا قاسيًا على بعضنا، بل يصعب قياسه علينا نحن عوام الناس؛ لأنه لا يمكن لنا أن نلحظ بركان عن مقربة، والحمد لله على ذلك.. إلا أننا نتفق جميعًا على أنه لا يمكن لأحد أن يلمس فوهة بركان أو أن يتحمل هواءه الحارق على بعد أميال إن ثار.. لذلك وجب فرض مثال آخر من واقع الحياة اليومية لنا جميعًا، لنقف بصورة أفضل على العبرة منه. فهل يمكن لأحدنا لمس لهب النار العادية مباشرة دون حائل؟ أو لهب القداحة العادية حتى؟ أو الكبريت؟ الإجابة بلا أدنى شك: لا.

دعنا من كل هذا فهذه علاقة مباشرة بالنار.. لنسأل أنفسنا سؤالًا أبسط: هل يمكن لأحدنا أن يلمس ماءً وصل مرحلة الغليان؟ أو حتى الكوب الذي يوضع فيه الماء من الخارج بعد غليانه؟ الإجابة: لا.. وإن حدث فهو بكل تاكيد يحدث على مضض، وبعد تحمل شديد لا يستغرق عدة ثوانٍ.. فإن كنا لا نقوى على تحمل نتاج السبب «الكوب الذي وضع فيه الماء المغلي على النار» فأنى لنا أن نسمح لعقولنا أن تتوقع تحمل عذاب يوم القيامة والعياذ بالله؟

كيف لصاحب عقل أن يظن أنه يمكنه تحمل لحظة أو أقل في نار الآخرة؟

لأنه بالإضافة لكل ما ذكر آنفًا فكل هذا مقياس على نار الدنيا، التي هي جزء من 70 جزءًا من نار الآخرة، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: ناركم هذه التي توقدون جزء واحد من سبعين جزءًا من حر جهنم، قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فضلت بتسعة وستين جزءًا كلهن مثل حرها».

وما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي «أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ».

فالأسود هو أشد أنواع النار وآخر لون من ألوانها.. وتصل درجة حرارته ل_12 ألف درجة مؤية أو يزيد.

البعض يطيع الله تعالى طمعًا في جنته فيحب أن يسمع عنها ليزيد شوقه إليها ويعبد الله ويتقرب اكثر، والبعض الأخر يخاف من عذابه تعالى، فلا يرتدع عن الذنب أو يكُفّ عن الخطأ إلا حينما يتخيل قدر العذاب الذي ربما قد يقع عليه نتيجة لفعله والعياذ بالله، ولهذا أرسل النبي محمد صلَّ الله عليه وسلم بشيرًا ونذيرًا.

لهذا وجب التدبر في هذه الآية والنعمة العظيمة التي بين أيدينا، نستخدمها كل يوم وتُسخر لنا في كل حين.. فالنار ليست مخلوقًا عاديًا ولا اكتشافًا بسيطًا يمكن أن نمر عليه دون النظر في كينونته وحاله.

انظر إليها تراها مثل الشجرة، وتدبر في نشأتها تعلم أنها قد أتت من الشجر الأخضر، وتظل تحرقه حتى الرماد.. انظر لرقتها وجمالها لكنها مُهلِكَه، تمعّن في ألوانها الزاهية تحبس أنفاسك، لكنها لم تخلق بين ليلة وضحاها، بل أحتاجت لألوف السنين حتى ظهرت وبدت لنا هكذا.. ثم انظر لسطوتها وعنفوانها الفتّاك، إلا أن أنها ورغم كل ذلك لا ظِل لها.. ناهيك عن صوتها المرعب وطأطأتها التي تُنسي السامع كل ما عدا ذلك من صوت، وأكلها لنفسها إن لم تجد ما تأكل.

هي التذكرة والمتاع، وهي إحدى الأدوات الأساسية من أدوات الحياة السوية على الأرض. وإن كان الخوف منها واجب فالتدبر فيها أوجب، والوقوف على عظمتها جزء بسيط من الوقوف على عظمة وقدرة الخالق عز وجل، هو الذي نعبده لا طمعًا في جنته، ولا خوفًا من نارِه، وإنما تنفيذًا لأمره وطاعة له.. ونسأله تعالى أن يوفقنا لحُسن النظر إلى وجهه الكريم.

دُمتم في نعيم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد