عذرًا، لم أقصدك أنت.. أو لعلي قصدتك!

لكنها كانت صيحةً مني لم أستطع أن أكتمها في قلبي أكثر من ذلك؛ فخرجت على حين غفلةٍ مني، ثم هيأ الله طريقها إليك، والأمر أمرك؛ إما أن تلعنيها وتنصرفي، أو تصغي لها، فلعلها صرخة استغاثة!

الوضع مزرٍ! أريد أن أحول مجرى النهر الذي يجري برتابة في أعماقك، لعلك لا تدركين وجود نهرٍ داخلك أصلًا! فقلد نشأنا فيه وشب فينا، كبر معنا دون أن نشعر به؛ فإذا هو مستحوذٌ علينا، متمكنٌ منا، ملتصقٌ بنا التصاق الجلود بأجسادنا.

أرى أنه لا مفر من الوقوف أمام المرآة والنظر إلى ما كنا نستره خوفًا منه أو خوفًا عليه؛ فوضع المرأة في مجتمعاتنا لا يبشر بخير، نساءٌ مصابات بقصر النظر ومحدودية في التفكير، يرين أن غاية العلم هي وضع شهادةٍ داخل إطار على أقرب حائطٍ يقابلها، ولو أن الواحدة منهن نظرت لأبعد من أنفها لوجدت كونًا فسيحًا قد ضاق عليها رغم اتساعه.

الحديث قد يكون مهيجًا للأحزان، لكننا نحتاج إلى قليلٍ من الاستفزاز، فمشكلتك قد تكون أنك لا تدركين كم هي سيئة أوضاعك، أنك لا تدركين قدر ضحالة مائك، ومدى تعكرها.

ومما هو مخزٍ حقًا، هو اختزال دور المرأة باعتبارها زوجة، ثم إقصاؤها عن الحياة العملية والعلمية، ودفعها بعيدًا عن المشهد، بل ومحاولة إقناعها أن هذا هو ما يصح؛ و أن سماءها ممسكة وأرضها قاحلة وماءها راكد.

ولم نخبرها –المسكينة- أن جهلها هو أيضًا عورة وجب سترها، وأن واقعها الآن هو صورة أخرى لوأدها ودفنها حية.

وللأسف نجد أن من يتبنى هذا الفكر هم بعض الشيوخ وعلماء الدين! ولن أنسى هذا الشيخ الجليل وإجابته عندما سئل عن أيهما أفضل للمرأة: الزواج أم التعليم؟ فكان رد جلالته أن التعليم ليس ضرورة! فما دامت تعرف القراءة والكتابة؛ فلتجلس في بيت أبيها تتعلم المهارات المنزلية من غسلٍ وطبخٍ وتنظيف… ثم تتزوج في السادسة عشر -درءًا للفتنة- لتنتقل إلى بيت زوجها تمارس تلك «المهارات» وتعكف على خدمته وتلبية طلباته وتربية الأبناء إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا!

ولا شك أننا إذا أعملنا عقلنا واستفتينا قلبنا في قوله؛ فسنجد فيه شططًا كبيرًا وجورًا على حق المرأة ونزعة ذكورية الدين منها بريء براءة الذئب من دم يوسف.

وربة منزل هو لقب جميل إن كان ذلك أحد اهتماماتها العديدة –والتي منها إنشاء أسرة على أساس دين وعلم وغير مشوهة-، لكنه أسوء لقبٍ قد تحمله المرأة إن كان هذا هو شغلها الشاغل وهدفها في الحياة وليس لديها أي مهارة تثبت به ذاتها، وتساعد أمتها.

وطموح المرأة في بلاد اللا طموح –أي بلادنا– هو الزواج، الذي تحول من وسيلةٍ إلى غاية؛ تحول من وسيلة من خلالها يجد المرء من يعينه ويمده بالقوة، ويمرر يده فوق الجراح فتطيب، من يعين على نوائب الدهر والثبات على طريق الحق المفضي إلى صلاح الدنيا والآخرة؛ أقول تحول إلى غاية تزرع بذرتها في رأسها، فتنمو مع نموها، وتتعهدها هي بالرعاية والسقاية حتى تتضخم وتغطي على كل ما حولها، وتمحور حياتها حول هذا المبتغى.

وكما ذكرت في مبتدأ كلامي، أننا نحتاج إلى جرعة استفزاز، وليس إلى إخبارها أنها قطعة ألماس وجوهرة مصونة ولؤلؤة براقة، وملكة متوجة! أو أنها زهرة زاكية أو وردة فاتنة أو حتى أنها شجرة.

هذا الكلام العاطفي الركيك الذي يلجمها بلجامٍ من حرير ويقيد رسغيها بسيقان الزهور قد أصابها بضمورٍ عقلي وأكسبها ثقة مزيفة وأبعدها عن دورها الذي لا تدرك كنهه حتى. ومثل هذا الكلام يستخدم مع أطفالٍ صغار وليس مع امرأة بالغة عاقلة مسؤولة عن نفسها.

وخلاصة القول أن دورك هو إعمار الأرض «إني جاعلٌ في الأرض خليفة»، وأن الزوج هو شريكٌ لك لا رقيب عليك، دوره «اشدد به أزري وأشركه في أمري».

هذا بعضٌ مما كان يحوم في فضاء العقل، ومن قرع سمعه خلاف ما عهد فلا يبادرنا بالإنكار وإنما لينظر تفكرًا في ما أسمعه الله؛ فلعل الحق كان مع غيره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات