مشهد 1 :

خارج مقر لجنة انتخابية يقوم أحد الضباط المنوط بهم التأمين بترتيب جمهور الناخبين فيبادره شاب “مش أنت الضابط اللي كان بيضرب نار على مظاهراتنا السلمية في الشارع وقتلت صديقي؟”.

مشهد 2 :

داخل مقر لجنة انتخابية تتحرك سيدة لتأخذ بطاقة الاقتراع من القاضي المشرف على اللجنة وتسأله: “مش حضرتك القاضي اللي حكم على ابني بالإعدام ظلم لأنه بيتظاهر؟”.

(1)
تتشابك أضلاع العملية الانتخابية بما يستحيل معه الفصل بينها، فلا نستطيع أن نفصل الإطار التشريعي والقانوني وبين القوى السياسية المتنافسة في الانتخابات، أو الفصل بين جمهور الناخبين والعملية الإجرائية التنظيمية وأهمها على الإطلاق عمليتا التأمين والإشراف.

كل أضلاع المنظومة الانتخابية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالظرف السياسي الذي تُجرى فيه تلك الانتخابات. نحاول هنا إلقاء الضوء على عمليتي الإشراف والتأمين للعملية الانتخابية في وضع سياسي وأمني لا يحتمل إجراء انتخابات.

“الإعلانات والأعراف الدولية تؤكد دون مواربة أن الانتخابات النزيهة هي أساس الحكومة الشرعية” – صامويل هانتنجتون

(2)

تقترن التجربة التاريخية للعملية الانتخابية في مصر بالانتهاك والتزوير حتى في ظل إشراف قضائي كامل (انتخابات 2005 كمثال)، والشواهد التي عاشتها الأجيال الحالية ماثلة تماما في أذهانهم بما لا يدع مجالا لذكرها، فما يفصلنا عن انتخابات 2010 الهزلية إلا 4 سنوات فقط.
“الانتخابات تكون نزيهة إذا كان كل الناخبين لهم نفس عدد الأصوات ولا تستبعد أي جماعة سياسية – ستيفان ماير”

ولا يفوتنا أن نذكر بأن المرة الوحيدة التي أجريت فيها الانتخابات بقدر كبير من الحيادية من السلطة وتنافس حقيقي ومفتوح بين القوى السياسية وإشراف قضائي جاد (انتخابات 2011)، في هذه المرة عاجل قرار الحل المجلس الذي أفرزته تلك الانتخابات بعد تشكيله بحوالي خمسة شهور.

(3)

 

“إن الانتخابات هي عملية سياسية تنتشر مع مرور الزمن ولابد من تقييمها وفقا لمعايير دولية مستقرة”.

تتذكرون جيدا أنه في الاستفتاء الأخير على ما سُمي (بوثيقة العسكر) والذي خلا من أي مناخ حر للحملات الانتخابية، ألقي القبض على مجموعة شباب كانوا يعلقون لافتات تدعو للتصويت بالرفض، وهو أمر مباح قانونيا وسياسيا وخصوصا أنهم ينتمون إلى أحزاب سياسية عملها دعوة الناس للموافقة أو الرفض في أي اقتراع.

وبدون بذل مجهود كبير في التدقيق في الوضع الحالي، نجد أن النظام يضيق ذرعا بأي معارضة سياسية أو حتى غيرها، نظام أتى على دبابة مطيحا بكل مكون أفرزته انتخابات هو نظام لا يريد مؤسسات منتخبة تحاسبه، فضلا عن كونها تراقب وتشرع.

” الأزمات الديمقراطية لا تشمل الانقلابات العسكرية فحسب وإنما تشمل أيضًا الانتخابات المزورة والانتقاص من الحقوق” -(إعلان وارسو 2000).

(4)

ينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “إرداة الشعب هي أساس سلطة الحكومة”.

 

بالعودة إلى المشهدين في صدارة المقال نجد أنه من المستحيل أن يأمن الناخبون على أنفسهم أو أصواتهم، ولن يستطيع أحد أن يجد إجابات لأسئلتهم عن: كيف تؤمن الداخلية الانتخابات وهي تقتل الناس في الشارع؟ أو كيف يشرف القضاة على الانتخابات وهم يحكمون على الآلاف من أفراد الشعب (بمكالمة من الحكام الجدد) وبلا قانون أو ضمير أو رحمة في قضايا ظالمة وباطلة من الأساس؟

التجربة التاريخية لأي انتخابات مصرية مع أداء المؤسسات الأمنية والقضائية في الانتخابات (أو حتى في غيرها) بالإضافة لأسئلة الناخبين غير المجابة، مع كل هذه الأمور المتعلقة بالعملية الانتخابية لا يمكننا أن نصدر أحكامًا مستنيرة عن إدارة هذه العملية بل ويقودنا إلى التشكيك ليس فقط في القائمين على الانتخابات، ولكن في أي عملية انتخابية برمتها.

“كم مهدت الانتخابات الطريق لقيام الدكتاتوريات، وأدت إلى تفاقم الصراع والتوتر”.

 

(5)

إن الانتخابات النزيهة لا توجدها قوة نظام أو أشخاصه بل قوى مؤسسية، ومع حالة هشاشة الدولة والمجتمع التي نعيشها وفساد مؤسسي لا يخفى على أي متابع، هذا قد يجعلنا نلغي كلمة انتخابات من قاموسنا السياسي ولو إلى حين.

وطالما أننا لا نثق في بعضنا البعض ولا نثق في مؤسساتنا، ولضمان معادلة انتخابية حقيقية وسليمة، وبدلا من أن نحذف كلمة الانتخابات من القاموس؛ علينا أن نبحث عمن يستطيع أي يجري انتخابات تتوافق ومعايير الانتخابات الحرة والنزيهة المتعارف عليها دوليا.

الضالة المنشودة هنا قد تكون الأمم المتحدة بالإضافة للمؤسسات الدولية العاملة في مجال مراقبة الانتخابات (كارنيجي –منظمة الأمن والتعاون في أوروبا…).

لماذا لا تدير الأمم المتحدة الانتخابات لمصر (إدارة كاملة لا مراقبة فقط)؟ ولمَ لا؟ هذه ليست بدعة انتخابية بل لها سوابق عديدة، قامت الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية بإجراء أو المساعدة على إجراء انتخابات في دول خارجة من حقب ديكتاتورية أو تريد أن تخرج.

“من المتفق عليه ألا تحول الترتيبات السياسية لمجتمع دون النقد الخارجي”.

(6)

“إن الحكم على انتخابات في الديمقراطيات الجديدة أو الناشئة بمقاييس سطحية أو نسبيبة من شأنه أن يزيد جرأة الحكومات المستبدة ويثير الشكوك داخل وخارج البلد المعني”.

ولأنه لا يمكن التعويل على قوى غير ديمقراطية لإجراء انتخابات ديمقراطية نزيهة، يتوجب علينا المطالبة بهذا الأمر، بل يتوجب علينا كسر تسييجات سيادة الدولة والأمن القومي، ولأن حق الناس في اختيار من يحكمهم عبر انتخابات شفافة ونزيهة وديمقراطية هي عين سيادة الشعب التي تعلو فوق أي أمر آخر.

في النهاية، على القوى السياسة أن تدرك أن الانتخابات أكثر من مجرد صراع على السلطة، بل تحد للإتيان بالجماهير إلى الساحة السياسة، وأن الانتخابات صراع لنيل التقدير والاعتراف، ونضال من أجل التحرر في سبيل الديمقراطية الشاملة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد