قرأت في الأيام الماضية اقتباسًا من كتاب كان عنوانه: واقعي. للكاتب اليمني سعيد النوبان، قال فيه:

”أتمنى أن أستيقظ على رنين رسالة من هاتفي، حروفها تقول: البعد لا يليق بنا، نحن أكبر من أن نضحي بكل ما بيننا بسبب مشكلة، فإن كان خالقي غفور رحيم، وديني دين التسامح والمحبة، فكيف لي أن لا أسامحك، لنعد وكأن شيئًا لم يكن”.

لا أدري، ولكن أول فكرة قفزت إلى مخيلتي بعد الانتهاء من قراءة ما كتبه صديقنا سعيد كانت تتمحور حول نوعية هذا الإنسان الذي كان ينتظر منه سعيد هذه الرسالة التي هيضّت أشجاني وجعلتني أتمرمر حزنًا على حب كان قد مات.

ساورني الشكّ كثيرًا في احتمالية وجود إنسان يحمل هذه المعايير السماوية، إن جاز لي أن أقول، إنسان يمكن له أن يغفر أو يسامح محاولًا أن يستعيد صداقة إنسان كان قد خذله ربما، أو حبًا كان قد خسره بعد جرح أليم مِن مَن كان يعشق، أو أبٌ قاسى من ولده أشد أنواع العذاب، ولكنه آلى على نفسه، إلا أن يسمح ويغفر قبل رحيله، ولو كان ولده لا يستحق الغفران.

ستنتظر طويلًا يا سعيد، فحلمك كان يمكن له أن يكون حقيقة لو كنت تعيش في فيلم درامي طويل لا يريد المخرج لنهايته، إلا أن تكون نهاية سعيدة، والنهايات السعيدة يا سعيد لن تأتي أبدًا لمن هم مثلنا، فنحن بشر نملك من صفات البشرية الحد الأدنى فقط، وما تريده ممن تنتظر الرسالة قد لا يكون بمثل هذه المثالية.

لا أحد بهذه الروعة والجمال يا صديقي لا أنا ولا أنت بمثل هذه الصفات، القسوة أيها الكاتب الحالم لها كلمتها التي لن تغفلها عينك كأي هامش مهمل. القسوة يا سعيد التي تملئ ذلك الفراغ الذي يتركه رحيل الأحبة ستشل أصابعها إذا ما فكرت في كتابة تلك الرسالة التي تنتظر.

إن المكسورين يا سعيد يبكون بكل قوة قلوبهم فإذا ما فرغت جعبتهم من الدموع يبحثون عن كل ما يمكن أن يذكرهم بك حتى يحرقوه بنار كانت قد أحرقتهم سلفًا، فلا تستغرب يا سعيد أن يكون حبيبك قد حذف رقمك، وجعل من كل ما يمكن أن يوصله بك تاريخًا عفا عليه الزمان، وتولته ظروف العجز والحرمان.

كف يا صديقي وكفكف دموع الانتظار، وتجلد بالصبر، ولا ترقب منهم اتصالًا، فهم إن لم يرحموا قلبك بالوصال، فارحمه أنت بالانتقال. ارحل واترك لهم نار التذكر والذكريات، اترك لهم يا سعيد عبث المحاولة وفوضى الاحتضارات، فلا تمت كل لحظة تريد فيها عودتهم. تجاوزهم واترك لهم ما تركوه لك.

أما سمعت نزار لما قال:

 الحب ليس رواية شرقية… بختامها يتزوج الأبطالُ
لكنه الإبحار دون سفينة… والشعور أن الوصول محالُ

ربما كان نزار صادقًا ليس الحب تلك القصة التي نحلم كلنا بنهايتها السعيدة. وربما لا نستحق تلك النهايات لأننا ابتداءً لم نحب ونخلص في حبنا، فحق علينا الفراق.

وقد تسعد كتاباتك الكثيرين وتشعرهم أن هناك أملًا، هو جميل ما تكتب يا صديقي، فهو مشبع بالوجدانيات التي قد تلمس أعماق الإنسان الذي وقع من غير شك في هوة الانتظار، ولكنها قد تحزنهم أيضًا ففي كلامك الكثير من العناق المعلق، والكثير من الاحتضان المشروط بالانتظار والصبر والتأمل.

أخبروا سعيد إن لم يصله كلامي أننا بشر، في نصفنا حب ومودة، وفي نصفنا الآخر قسوة وعنجهية، فإذا ما تصارع في داخلنا هذا وذاك؛ انتصر الرحيل والانفصال، وسقطنا نحن في فخ كاذب من الأمل والانتظار.

أخبروا سعيد أننا أكثر قسوة وأشد لهيبًا، أننا أمهر في صناعة الحزن من صناعة السعادة، أجرأ في زراعة بذور الحرمان من حصاد سعادة التضحية في سبيل الحب والغرام.

أخبروه أننا أصبحنا خبراء في تعذيب قلوبنا بالغدر والخيانة والتخلي، فليكف قلمه عن تسميم حقيقتنا بأحلام اليقظة وآمال الانتظار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد