تجلس لتشاهد التلفاز، وأثناء التنقل بين القنوات، ترى صدفةً برنامج لأحد الدعاة، تتركه لتثبت لنفسك أن لا يزال لديك من الإيمان ما يعينك على ترك برنامج غنائي ممتع، ومشاهدة برنامج ديني. فتسمعه يروي إحدى قصصه الواعظة، عن أب كان يرى ابنه كثير العلاقات، ويريد تنبيهه بشكل غير مباشر، حتى يتقبل الابن النصيحة. فجاء بولده إلى حديقة المنزل بحجة سقاية الزرع، وأعطاه خرطوم المياه، وذهب الأب وفتح صنبور المياه، وأثناء عودته بدأ يثقب الخرطوم، وبعد كل ثقب يسأل الابن عن قوة المياه، فيجيبه إنها تقل، وظل يثقب الخرطوم والمياه تقل إلى أن أصبح يسقط قطرات. فقال الأب لابنه،هكذا مشاعرك يا بني إذا استنزفت القليل منها في كل علاقة تقيمها، فلن يتبقى منها سوى قطرات لن تروي عطش من تحب لاحقًا. عند سماعك هذا، تفرح أنك تطبق نصيحة الأب لابنه دون أن ينصحك – عن قناعة – تشعر بفخرٍ أنك على الطريق الصحيح شاكرًا لله فضله على مقاومتك المغريات.

في بلادك الحب والزواج شيئان متناقضان. لا يجتمعان في مكان واحد، إلا فيما قل. في بلادك يتزوجون لأسباب كثيرة، منها الخروج من تسلط الأهل إلى حرية الزواج، أو للتخلص من عار العنوسة، أو خوفًا من الوحدة، أو رغبة في الأمومة أو الأبوة، ويحترفون تغليف كل ذلك بقشرة «الحب». ترى قصصًا وتسمع أخرى، عن والدته التي حدثتني بقسوة، ورأيت في قلة غضبه من ذلك أن حبه لي قليل. أو أخيرًا تذكر وجاءني اليوم، يعتذر عن ما حدث منه منذ يومين. أو غضب مني أمس لأنني صافحت قريبًا لي بحميمية رآها هو تزيد عن الحد. وهناك من يريد أن يطبق كل ما يراه من بطل المسلسل التركي، الذي ترك زوجته ومنزله «الأصليين» وذهب إلى منزله وزوجته «التمثيليين» ليقوم بدوره في «تسلية» حضرة المشاهد الذي أخذ من مشاهده قواعد لن تستقيم حياته إلا باتباعها. ومواقف أخرى على شاكلة هذا. أنت لا تقلل من مدى تأثير تلك المواقف على أصحابها إطلاقًا. لكنك تعلم أن هذا ليس له علاقة بالحب إلا أنهم قرروا تسميته بذلك. بل إنك تشعر أنه عقاب لكل من تكاسل في المحاربة لأجل من يحب، فقنع من الدنيا بما ألقته له. أو عقاب لمن استهلك مشاعره في علاقات حيوانية، ليست لها أي ضوابط، غير شهواته، وعندما أراد الزواج وكّل والدته للبحث عن الفتاة الهادئة المطيعة التي لم تمر بأي علاقات، وتصلح لأن تكون ربة منزل جيدة. بعضهم يصل إلى مرحلة الزواج فخلاف فطلاق فعداوة. والبعض الآخر يقبل بالحياة البائسة التقليدية.

يتسلل الغرور إلى لا وعيك، وأنت تسمع إلى تلك المشكلات، لأنك لم تدخل قلبك إلى هذه الدوامات السطحية. تسعد بنفسك أنك لست من هؤلاء وتقول لها ولن أكون، فتظن أنك صاحب القرار في اختيار كل ما يخص حتى قلبك، فتشعر أنك إله يمشي على قدمين.

إلى أن تراه من بعيد، تظن أنه لا شيء. تلمحه. فتشعر بحرارة في قلبك، فلا تكترث وتكمل ما كنت فاعله، وعندما تهم بالرحيل، تجد لديك رغبة في أن تلمحه مرة أخرى، مجرد لمحة. وأنت لا تعلم أنك مع كل لمحة تضيفها، تزيد النار سعيرًا.  تعود في حضرته إلى حقيقتك رويدًا رويدًا، عبدٌ فقير، بروح حرة بلا قيود، أو أنك أمة أرسله الله إليها رسولًا يحمل رسالة حب تتجسد فيه، ليهديها سبل الحياة. تدرك معنى أنس الصوت عندما يلامس القلب ويدفئه بأمان من الجنة لا يخدشه خوف. وتدرك أن للتيه نشوة، تقلبك بين جناته وجحيمه، وأنت لا حيلة لك إلا الاستسلام مستمتعًا تارة ومتألمًا أخرى. أن لا تلامس قدمك الأرض، وكذلك لم تصل إلى السماء أيضًا، تتغير. تنظر في أعمق زاوية لمعنى كل شيء، تجعلك تراه في حقيقته المجردة، فتعطيه ما يستحق من الاهتمام. كل خلاف قابل للنقاش. كل مشكلة قابلة للحل. تشعر بما لم تستطع أن تفسره، وعند محاولتك تفسيره، تحاول انتقاء الكلمات بأن تقول مثلًا، إنه ذلك الشيء الذي تكتشف أنك من قبله كنت في وادٍ غير ذي زرع، إلى أن جاءك، وفجر فيك ماء زمزم لتحيل صحراء قلبك إلى روضات الجنات. فتشعر بأنك تظلمه، لأنه أبعد من هذا أعمق من ذلك. تحاول أن تفهم ما حدث لك، لكنك لا تريد خوفًا من أن تفقد روعة الإحساس. لكن قلبك لم يقنع، فكلما سألته هل امتلأت؟ فيقول هل من مزيد؟ إلى أن تردم زمزم، وينقطع الفيض، ولا تجد مزيدًا.

ترى نفسك مراهقًا تعلق بما ليس له، فاستحق ما نال من العقاب. أو كليلى التي ضلت مجنونها. تتزعزع لديك عقيدة إحساسك، وقدسية قلبك، ومع أول لقاء به مجددًا، تقاوم لتظهر قويًا، فينظر إليك نظرة اعتذار، لكن من يراكما يعلم أنك من يستحق الشفقة رغم ظاهر قوتك ووضوح اعتذاره.

تظن أنك أخطأت. إما لأنك لم تثقب ذلك الخرطوم ثقبًا أو أكثر، ربما قلل هذا من اندفاع المياه، أو أفادتك التجربة في حسن الاختيار بعد ذلك. أو أنك أخطأت بتخليك عن المياه، وتركتها تتدفق من الأساس، فعاقبك القدر بتخلي التخلي. لا يا صديق أنت لم تخطئ فإذا أطعت نفسك التي لا تأمر إلا بالسوء، وثقبت قلبك ثقبًا فالآخر تحت أي مسمى لأنهكته الثقوب، واهترأ، وتحول إلى بقايا قلبٍ بالٍ. تجربة؟! وهل يحتاج القلب إلى تجارب؟! كل التجارب قد تفيدك، إلا تجربة القلب، فإثمها أكبر من نفعها. حسن اختيار؟! لو كان فيه اختيار ما كان أصبح هناك مجنونٌ بليلى. إنه كالموت لا يخضع للاختيارات، بل هو الذي يختار ويصطفي من يريد. يدركه وإن كان في بروج مشيدة. ينفخ فيك من روحه ليحيلك من ميت إلى حي، وعند ذهابه تتقابل حياتك مع موتك ولا تظن أنك في موضع اختيار أيضًا، لا. بل هما من يقرران أيٌّ منهما يذهب ويتركك للآخر على قدر ما يتوفر فيك من أحدهما.

وأخيرًا يا صديق، اعلم أن الكون به ما يفيض من التعاسة، فلا تساعده في قطع سبيل وصولك إلى شاطئ سعادتك، والغوص في لج تعاسته، بقبولك عاداته البالية، فتتخلى عن ما تحب، تجنبًا لصراعات خارجية، راضيًا بحروبك الداخلية، أو تسمي اتباعك لأهوائك في إقامة الكثير من العلاقات بطولة، وتسمي رضوخك لقواعده المعاقة عقلًا. لا تسمح للدنيا بأن تحصرك في المربع البائس من الحياة؛ زواج فخلاف فطلاق فعداوة، فتعيش لكنك لن تحيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تظنه, شيئ, كنت, لا
عرض التعليقات
تحميل المزيد