لا تخلو طفولة أيّ منّا من تلك القصة الحكيمة التي طالما داعبت أسماعنا قبل النوم، تلك التي غفل عنها قيادات الفصائل في بلادنا ، الأمر الذي باعد بين الأشقاء وجعل من الوطن اثنين!

إنها القصة التي كانت أركانها قائمة على ثورين أخوين متحابين: أبيض وأسود، وأسد طمّاع وشره، الوحدة التي كان عليها الثوران جعلت من الصعوبة بمكان أن يتمكن الأسد من افتراسهما ؛ لذا كانت الخطة البريطانية حاضرةً في ذهنه فرّق تسد، وبتطبيقها تمكن الأسد من سد جوعه وإعداد وليمته القائمة على غباء هذين الثورين وتخليهما عن مصدر قوتهما المتمثل في كونهما معًا وعونًا لبعض.

السؤال الذي يراودني: هل قادتنا لم يسمعوا بتلك القصة من قبل؟! أم أنهم سمعوا ولم يعوها جيدًا؟

إن كانت الأولى فهم لا يستحقون منصب القيادة كون وعيهم ناقصًا؛ مما يشكك في أهليتهم، وإن كانت الثانية فهي المشكلة الأعظم؛ فالعلم بالشيء مع تجاهله يجعل من المرء جاهلًا بامتياز. إذن كيف يكون الأمر مع قادة!

وطنٌ محتل وأرضٌ مسلوبة وتاريخٌ مُرهِق عانته فلسطين محاوِلةً أن تتخلص من الاحتلال السرطاني الذي حلّ بها مُسلِّمًا إياها لآخر، إنها معاناةٌ دراميةٌ لا تُصدِق معها أن بلادًا عانت ما عانته.

بذلك تجد أنه من الضروري جدًا توحيد القوى وتكاثفها من أجل الحرية والنصر بخلاف ما يُرى واقعًاً من انقسامٍ أشدُ وطأةً من سرطان الاحتلال.

دولة الضفة ودولة غزة هي مصطلحاتٌ نمت بنمو الانقسام وازدهاره بفضل تعدد الأحزاب و انشغالها بخدمة أجندة شخصية تبعد كل البعد عن الوطنية الظاهرة في الخطابات الرنانة التي حفظها الشعب ولم يستشعرها.

بات الشارع الفلسطيني لا يُلْقِ بالاً لأية أخبار تتداولها وسائل الإعلام عند حديثها عن أية مصالحة قادمة في الطريق، مستشعرين أن هناك خللًا في الطريق الذي سلكته أو في وسيلة المواصلات التي استقلتها للوصول إلى إخوة تخاصموا فتراجعوا عن الهدف وتقدم الاحتلال واستمكن.

لا بريء من التهمة فالكل يقع عليه نصيب لا بأس به من اللوم والعتاب، ندرك جميعًا أن كل فصيل له منهجيته الخاصة، ولا نستكر عليهم ذلك لكن الاستنكار الفعلي هو لم لا تتكاثف العزوم وتشكل الفصائل من داخلها مجلسًا مشتركًا يضع القضية الفلسطينية نصب عينيه؟

ألم تدرك الفصائل بقياداتها أن سكين الانقسام أشد إيلامًا من صواريخ الاحتلال؟

ألم تدرك أن الوطن تدلى من حبل المشنقة وباتت المنية قريبة؟

ألم تدرك الفصائل أنها تقدم خدمة مجانية للاحتلال، وبانقسامها تساهم في خدمة أجندته؟

لا تكونوا مثل الثورين الأحمقين، ولا تجعلوا من المحتل أسدًا، وتكاتفوا وضعوا الوطن نصب أعينكم وأولوه عنايتكم الفائقة ، ولا تسمحوا لزيف المناصب أن يُعمي بصيرتكم ويزيد من ظلالكم بحق بعضكم.

وحتى لا يكون حديثي كمن ينكأ جرحًا، أود أن أضع بين أيديكم الحل الذي قضاه الحكيم الخبير: واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا. فلا وحدة لهذا الشعب إلا بالتمسك بكتاب الله.

 فعلى الجميع أن ينفض نفسه من أجندته الخاصة ويجعل له أجندة منبثقة من كتاب الله حينها تتوحد القوى وتستعيد فلسطين حقوقها المسلوبة وكرامتها الضائعة.

كونوا لبعضكم تكن لكم فلسطين، فالألم واحد والعدو واحد ولا تغفلوا عن شعاركم: يدًا بيد؛ نبني فلسطين التي نريد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد