رغم الحرب؛ احتفلت فرقة الجيش الأوكراني الموسيقية منذ أيام ومع المسلمين بحلول عيد الفطر المبارك، ونشرت هيئة الأركان الأوكرانية على موقعها الرسمي تهنئة وشكرًا للمسلمين داخل أوكرانيا وخارجها على جهودهم الصادقة لاستعادة وحدة الأراضي الأوكرانية. قبل ذلك بفترة وفي الأيام الأولى للحرب انتشرت فيديوهات توثق حشد الرئيس الشيشاني قواته للقتال إلى جانب روسيا مع التهليل والتكبير! وفي الأيام الأخيرة ظهر قديروف وسط جنوده وهو يدير العمليات العسكرية بنفسه داخل إقليم الدونباس شرق أوكرانيا.

كل هذا وغيره يرمي لدور ما للمسلمين في تلك الأحداث، كما يؤكد أن الطرفين الروسي والغربي الأوكراني حريصان على كسب ود المسلمين طمعًا في دور أكبر لهم خلال الأيام القادمة خاصة إذا ما تصاعدت وتيرة الحرب.

لكن المسلمين الذين يناصرون الغرب وأوكرانيا هم بالتأكيد غير هؤلاء الذين يناصرون روسيا، بل وعلى خلاف كبير معهم، خلاف بدأت ملامحه في التبلور بعد ثورات الربيع العربي. فالروس يصطفون دائمًا في خندق واحد مع الرافضة ومن والاهم من أهل البدع والطرائق ضد أهل السنة والجماعة. وذلك على عكس الغرب الذي قد ينسق للعمل حتى مع فصائل جهادية متشددة تحقيقًا لمصالحه الخاصة كما حدث في أفغانستان إبان الحرب على السوفييت.

لذا من الطبيعي أن تستوجب منا هذه التطورات وقفة مع أنفسنا، خاصة إن جاز لنا أن نربطها بنبوءة أفضل الخلق وأكرمهم محمد صلى الله عليه وسلم ؛ «ستُصالحونَ الرُّومَ صُلحًا آمنًا وتغزونَ أنتُم وَهم عدُوًّا من ورائِكم». فماذا لو كان زماننا هذا زمان الصلح الأخير الذي يسبق الملحمة الكبرى؟! ماذا لو ان هذا الصلح قد وقع فعلا كذلك الذي تم بين الولايات المتحدة ومعها الغرب وبين طالبان؟! وماذا ان لم يكن قد وقع بعد؛ من هم الروم الذين سنصالحهم إذا؟!

بداية يجب أن نعلم أن كلا الفريقين – الروس والغرب -قد أجرم في حق المسلمين، وأن الصلح الذي ينبئنا به الرسول الكريم سيكون صلحًا مؤقتًا لمحاربة عدو مشترك. فكوننا سنصطف مع أحد الطرفين لا يعطي بالضرورة ميزة لذلك الطرف على الطرف الآخر، وإنما هي هدنة مؤقتة وأحداث مرتبة ترتيبًا إلهيًا لتحقيق هدف مشترك تنتهي بقتال كبير.

وعلى ذلك فإن محاولة بعض الأطراف إظهار الطرف الذي سيصالحه المسلمون باعتباره غامضًا، وأن هذا الصلح يجب أن يرتبط بموقف ذلك الطرف من إسرائيل بالذات تبدو محاولة متهافتة لأسباب عدة، وإن كان ذلك لا ينفي الدور الذي ستلعبه إسرائيل في تلك الأحداث العظام حتى زوالها عاجلا ليس آجلًا بإذن الله. فقد أثبت لنا التاريخ أن موقف الروس من إسرائيل ودعمها في احتلال فلسطين لا يقل بل قد يزيد على الدعم الأوروبي الأمريكي الذي وجه لها. فالروس لم يكونوا فقط أول من اعترف بإسرائيل وإنما أكثر من دعمها بالبشر والمال لأسباب تاريخية.

وهذا يقودنا بالضرورة للحرب الدائرة الآن في أوكرانيا، وعلاقة هذه الأراضي التي يتصارع عليها الروس والغرب باليهود وأهميتها الدينية لهم. فالروس عندما يخوضون هذه الحرب لا يقودونها فقط حفاظًا على أملاكهم التاريخية بحسب قولهم، وإنما أيضًا دفاعًا عن نفوذهم ومصالحهم داخل المنطقة العربية والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود الاحتلال الإسرائيلي فيها! روسيا تروج لنفسها دائما باعتبارها المساند الأول «للمقاومة» وحليف الأنظمة التي تناضل من أجل استرداد الأراضي العربية ومحاربة الصلف الصهيوني الأمريكي كما يدعون! فكيف بالله عليكم وبما ستتاجر هي وحليفتها إيران إن زالت إسرائيل وتطهرت فلسطين منها؟! ماذا سيفعل محور المقاومة المزعوم إن وجدت إسرائيل لنفسها مكانًا خارج فلسطين؟! ستبور تجارتهم لا محالة، وسيسقط الستار الذين يتخفون وراءه فتظهر عوراتهم للجميع، ستسقط سردية الحلف الروسي الصديق في مقابل الحلف الأمريكي المتصهين، سيتساوى الجميع ولن يبقى إلا وجه الطائفية والهيمنة الاستعمارية التي تزاحم بها روسيا وإيران غريمتهم أمريكا في المنطقة.

ومن ثم يمكن أن نعتبر الحرب في أوكرانيا معركة وجود لكل أطرافها، فروسيا تريد استعادة أمجادها الإمبراطورية التي يهددها حلف الناتو الذي تريد أوكرانيا الانضمام إليه. وحلف الناتو يخشى التمدد الروسي داخل أوروبا وتهديد أمنها القومي. وعلى ذلك يستمر الصراع الذي قد يتطور إلى حرب شاملة يتبارى فيها الأطراف بأعتى أنواع الأسلحة وصولا إلى التهديد باستخدام الأسلحة النووية الفتاكة! واليهود داخل أوكرانيا يعيشون وقع تلك الحرب حيث يضغط بوتين بأقصى ما يستطيع أملًا في تهجيرهم من أوكرانيا إلى أراضينا المحتلة كمن سبقهم. أما اليهود هناك والرئيس الأوكراني فيحاولون الاستنجاد بالعالم وعلى رأسه أمريكا للبقاء في وطنهم الذي هو بقعة من أغنى بقاع العالم، بل واسترداد ما سلبه بوتين منهم في القرم والعمل على توطين مزيد من يهود العالم هناك. وهم بذلك لا يفكرون أبدا في التفريط بفلسطين أو استبدال أوكرانيا بها رغم مكانتها عندهم ؛ وإنما هم فقط يفكرون ببناء وطن إضافي يستوعبهم وقت الخطر الداهم الذي قد يهددهم في فلسطين. ومساحة واسعة من الأراضي الغنية يتوسعون هم بداخلها إن فشلت محاولاتهم في السيطرة على ما تبقى من أراض فلسطينية بعد توطين أصحاب الأرض الأصليين في دول مجاورة.

تتصاعد كل يوم التوترات في أكثر من مكان في العالم الذي يبدو وكأنه إما ينتهي أو يتشكل من جديد، كما تتصاعد الحرب في أوكرانيا وتنفجر الأوضاع داخل الأراضي المحتلة. بالأمس القريب أقدمت إسرائيل على حماقة مفجعة تتمثل في اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة بدم بارد في وقت تزداد فيه العمليات الموجهة ضد إسرائيل؛ مما ينبئ بانفجار الأوضاع أكثر وأكثر. فهل سيتمكن اليهود من تأمين أنفسهم من خلال تثبيت أقدامهم في أوكرانيا بمعاونة أمريكا التي أصبحت تعاني من حمل ثقيل اسمه إسرائيل، أصبح يسبب لها المشاكل أكثر من كونه يجلب لها المنافع مع الشعوب المسلمة والعربية؟! أم ستتمكن روسيا من القضاء على السيناريو الأمريكي بالانتصار في الحرب وتوسيع إمبراطوريتها ومن ثم تهجير المزيد من اليهود لفلسطين المحتلة؟

في النهاية قد نستيقظ غدًا على خبر انتهاء الحرب بين روسيا والناتو في أوكرانيا بعد التوصل لضمانات تحد من مخاوف الطرفين، وتنقلب الأمور رأسًا على عقب. فالأمور تجري في الأول والأخير بمقادير الله، في الوقت الذي يريده وبالكيفية التي يشاء. ونحن ما علينا إلا أن نعيش أيامنا على هذه الأرض حتى يتحقق وعد الله؛ وهو واقع لا محالة، وندعوه سبحانه أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد