إن الأزمات الصعبة التي مرت بها الأمة خلال أربعة عشر قرنا أفرزت العديد من المحاولات الإصلاحية لفهم الفكر الإسلامي فهما صحيحا وأنتجت مفاهيم ومصطلحات متجددة في ميادين مختلفة ومتبدلة تلاحق النموذج الأول الذي مثّل الفكرة. هذا النموذج تجسد على الأرض حقيقة وواقعا في أزمنة مختلفة. ولو أن هذه الأمة ملكت إرادتها وأخلصت نواياها في طلب الهداية والرشد لما آلت إلى هذا التمزق والتشتت والهوان على الناس. فهذه الأزمات ليست بسبب قصور في التصور الإسلامي أو في منظومة قيمهِ الدالة؛ فقد وُجد في تاريخ الأمة مَن أحسن في التصور والعلم ثم اجتهد وأتقن العمل فأدرك سبل النجاح والفلاح. وقد وثّق التاريخ نتائج ومخرجات هذه النماذج في حين أغفل الطرق والمناهج، فأسهم ضعف التوثيق في بتر التجربة وغموضها.

«إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، فالمحاولات الإصلاحية في التاريخ الإسلامي بدأت قبل عبدالرحمن بن خلدون الذي أسس للإنسانية علوم الاجتماع والعمران واستمرت بعد محمد إقبال والطاهر بن عاشور ومالك بن نبي عمالقة الإصلاح في القرن العشرين، منطلقة من التفاعل مع التراكم الحضاري المعرفي والقيمي الإنساني ومن تطور الحاجات وتجدد الأساليب وكذلك من الإحساس بالهزيمة والخوف من خطر الآخر. ولعل القاسم المشترك بين الإنتاج الإصلاحي أو النهضوي الذي قدمه المفكرون المسلمون هو النظرة الناقدة والطابع الشمولي مما قد يكون سببًا للميل إلى الانفعالية وفقدان بعض المرونة في التفاعل مع مكونات الإصلاح الأخرى؛ مما أدى إلى اصطباغ هذا النتاج الفكري بصبغة أحادية بهدف الحفاظ على هوية. وتدرجت محاولة المواءمة بين الموروث الثقافي والعقائدي وبين الانفتاح على التطور والتقدم لدى المنظومات الأخرى، وتباينت التصورات الإصلاحية بين التحفظ الرافض حتى لمحاكمة الفكرة وبين الإقبال الكامل على الإنتاج الفكري والمادي للآخر الناتج عن انبهار المغلوب بالغالب وبين التفحص الحذر المحاط بهاجس الذات وبجمود البيئة التي توارثت تكلسات فكرية خاطئة عبر أجيال. وغرق التنظير عند المسلمين في مناقشة الجزئيات ونقدها والاهتمام بزخرف القول فوقع في فخ التقليد والتنميط. كما اتسعت الخلافات الفكرية والسياسية التي دارت بين النخب لتشمل عامة الناس مما ساهم عن قصد أو غير قصد في التشتت والتشرذم والصراع وضعف في جميع المجالات استمر حتى يومنا هذا. فقد ظهر لدينا من الفِرَق والطوائف ما تجاوز أمر الإصلاح والنهضة ومصلحة الأمة إلى التكفير والاقتتال، وما زالت نفس الحيلة تؤتي أكلها إذا ما أريدَ لهذه الأمة أن تفترق أو تقتتل وكل يرفع راية أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. كل هذه الظروف والعوامل جعلت النظرة الإصلاحية منساقة للغير سواء بالرفض أو الخضوع أو الاتباع فاتسع البون بين الطالب والمطلوب.

وازدادت الهوة بين هذه الرؤى الإصلاحية في القرنين الأخيرين بعد نجاح سريع لثورة العقل البشري الفكرية والمعرفية في نقل ما اصطُلح على تسميته بـ «المجتمعات الغربية» من واقع الاستبداد الديني والسلطوي والجهل المركب إلى فضاء الحرية والعلم والتقدم. فتمترس كل خلف موقفه وتصوره وانصبت جهود كل طرف على إعادة قراءة التاريخ والحاضر للانتصار لما قدّم من أفكار والتدليل على انحراف باقي التصورات والأفكار. وأعدنا تكرار المقدمات فتحققت بنا السنن الكونية بتكرار المخرجات من حروب وفتن وويلات. هذه الحلقة المفرغة تفرض على الأمة أن تفكر بشكل جديد ومنهاج مختلف للوصول إلى تصور فيه خلاصها.

المشترك والمكرر في هذه التصورات أنها نقدت غيرها بأسلوب إقصائي وقدمت نفسها على أنها نظرة شمولية بديلة. وبعد محاكمة التاريخ لكل هذه التصورات ثبت أن جميعها بما قدمت من خير وإيجابيات فيها من عوامل النقص والقصور الذاتي ما يقف حاجزا بينها وبين تفردها في إصلاح أمر الأمة. فمهما كانت مكانة هؤلاء المفكرين ومهما كان معهم من معاونين يبقى تصورهم فرديًا. وعصمة هذه الأمة لا تتحقق إلا بالجمعية «لا تجتمع أمتي على ضلال». فقد يكون خلاص الفرد أو مجموعة من الأمة بصلاح جزئية معينة، فقد كان من الصحابة رضي الله عنهم من اصطبغ بالزهد أو التسامح أو الشدة أو التعبد أو السخاء أو الفقه أو التزكية أو غيرها. ولكن صلاح الأمة لا يتأتى إلا بهذه اللوحة الفسيفسائية المتنوعة التي تجمع بين رحمة أبي بكر وشدة عمر وعطاء عثمان وشجاعة علي وفقه معاذ ودهاء عمرو وبراعة خالد واقتداء عبدالله بن عمر. فالنموذج الأول في الإسلام اتسم بالسعة التي قامت على التوحيد بالعقيدة والتوحيد بالعمل فوسعت أساليب الأفراد المختلفة وحاجاتهم ووظفتها في مصلحة الأمة والناس أجمعين. والرشد لا يكون بلون واحد؛ فالشدة في مواقف الرحمة مذمومة والتسامح في مواقف الحزم مذموم والعطاء الناتج عن ضعف مذموم أيضا. فمن الأولى بالتصورات الإصلاحية ان تخرج من التمركز حول الذات وتنفتح بداية على غيرها من التصورات الإسلامية بنظرة تكاملية متوازنة، لتعيد توظيف الجهود في اكتشاف مكنونات فكرية اشغلتنا صراعاتنا عن البحث فيها.

إذن فالمطلوب أن نستبدل طريقة بحثنا؛ فبدل البحث عن إجابات ونظريات وتصورات شاملة لإصلاح حال الأمة نبحث عن إنتاج حالة ثقافية جديدة قابلة للاستمرار تمكّن الأمة من إنتاج كل ما تحتاج من أجوبة وأفكار حسب زمانها وواقعها. وهذا يتأتى بتعزيز منظومة قيمية وثقافية جديدة وذلك بالانفتاح غير المشروط على كل ما قدم السابقون من أفكار سواء بالقبول أو الرد. وكذلك بالانفتاح على علوم دنيانا أخذا وإنتاجا وتحريرها من أي فكر كهنوتي تلبَّسها بغير وجه حق، وكذلك بقراءة النصوص والمقاصد الشرعية بالنظرة الأولى وبالفهم الأول الذي يعيدها لأصولها وحياتها عن طريق إسقاط تطبيقاتها على الواقع المتغير. ويتبقى بعد ذلك تحرير العقل من الجمود وفتح باب الاجتهاد لاستحكام دائرة مصادر الأجوبة لما يواجهنا أو يستجد من أسئلة.

لقد تركنا الإنسانية تئنّ من أوجاع ووقفنا عاجزين ومدّعين بأننا نملك من النصوص والمنهج ما يسعف البشرية. ومن المنطق أن يدّعي أصحاب المنهج العقلي المؤيَّد بالوحي والنص الرباني القدرة على تقديم رؤية وحلول أنجع في حياة الإنسان المستخلَف في الأرض والتفوق على أصحاب المنهج الذي يعتمد العقل فقط «تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي». ولكن تعطيل العقل والتقديس غير المنضبط لتفسيرات السلف أدى حتما إلى جمود النص وتعطّله وبالتالي إلى غياب تصورات فكرية قادرة على التجدد ومحاكاة واقع الناس. ولن يكون خلاصنا إلا بإعلاء قيم الحرية والموثوقية والإبداع وتعظيم التنوع وقبول الآخر والله أعلم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد